جرافيتي بعنوان الأخ الأكبر يشاهدك - فليكر برخصة المشاع الإبداعي

برامج الفرجة الواقعية: تهشيم بيوت الزجاج والقفز إلى السماء

منشور الخميس 23 ديسمبر 2021

 

في 13 ديسمبر/ كانون الأول الجاري انتحرت واحدة من أهم الممثلات الإسبانيات خلال العقود الماضية، بيرونيكا فوركي. كانت كلماتها الأخيرة التي سمعها جمهور أحد برامج الرياليتي شو جملة كررتها مرتين "لم أعد أحتمل أكثر من ذلك.. لم أعد أحتمل أكثر من ذلك". تركت بيرونيكا فوركي البرنامج، وانتحرت بعدها بأيام. لكنها ليست موضوع هذا المقال، بل سببه.

كابوس أورويل للتسلية

قبل وفاته عام 1950 بقليل، أتم الكاتب الإنجليزي جورج أورويل روايته المستقبلية 1984، التي تردد أنه كتبها عام 1948 ليجعل عنوانها تاريخ كتابتها بتغيير ترتيب رقمين، متناولًا هوسًا سيطر عليه ودفعه لكتابتها، وهو انتشار فعل المراقبة والكاميرات التي تلاحق كل خطواتنا، الذي وصل عند أورويل إلى حد الرعب من احتمالية الوصول إلى مجتمع ونظام يراقب أدق خصوصيات أفراده، يتحكم فيهم، ويجعلهم يتحركون مثلما يريد الأخ الأكبر الذي يملك السلطة المطلقة ويعرف مصلحتك، يقمعك، ويعيد تشكيلك مثلمًا يريد.

"الأخ الأكبر" توصيف دافئ يفتقده من ليس لهم أخوة أكبر ليمنحونهم بعض الأمان. لكن كابوس أورويل يبدل الدلالة المرتبطة بالتوصيف، فلن ترى أبدًا الأخ الأكبر، ولن يمنحك أبدًا الأمان، بل إنه قادر على تعذيبك أو قتلك إن تمردت، أيًا كانت درجة هشاشة وتفاهة تمردك.

قدمت قناة تلفزيونية هولندية في عام 1999 النسخة الأولى من برنامج الأخ الأكبر، ليبدأ بعدها في الانتقال سريعًا إلى بلدان كثيرة، حتى وصل إلى قناة إسبانية في إبريل من عام 2000، وكأنه افتتاح لكابوسية جديدة تناسب الألفية الجديدة، بتجسيد رعب أورويل، وجعله مادة للفرجة والتسلية.

فكرة البرنامج باختصار هي إدخال عدد من المشاركين، كانوا وقتها أربعة عشرة، إلى بيت مغلق، لينعزلوا تمامًا لبضعة شهور. لكنه ليس كأي بيت، فجدرانه من الزجاج المثبت ورائها، وفي كل الأماكن، كاميرات وغرف للتحكم فيها، لضمان البث التلفزيوني المستمر طوال تلك المدة، دون انقطاع لحظة واحدة.

 

مشهد من برنامج الأخ الأكبر النسخة الأمريكية- الصورة: IMDB

يبدأ المشاركون، الذين لم يكونوا يعرفون بعضهم البعض من قبل، التفاعل واللعب سويًا، وطرد بعضهم بعضًا حتى يفوز من بينهم شخص واحد، استطاع بالتحايل والمؤامرات الصغيرة الصمود في البيت. وبينما تجلس أنت على كنبة منزلك تستطيع المشاركة، والرهان على الفائز، وستكون جائزتك إن فزت القليل من الشهرة السريعة، بأن يستضيفونك في البرنامج التلفزيوني المخصص لتحليل موسم الأخ الأكبر.

كان الأخ الأكبر في رواية أورويل تمثيلًا لصاحب السلطة السياسية، لكنه صار إدارة البرنامج في النسخة التلفزيونية التي حملت اسمه، عبر صوت حيادي مختار للحديث إلى المشاركين أو لتوجيه بعض التعليمات. وجزء من لعبة البرنامج هو أن تتحول أنت بدورك، كمتفرج، لأخ أكبر، عبر تماهيك مع ذلك الصوت الممثل لإدارة البرنامج التي تمنحك متعة التلصص الشرعي على كل شيء، بداية من العلاقات الجنسية، وصولًا لكل نواحي الضعف والخسة والأمراض النفسية والعادات والممارسات الغريبة. فعبر الحبسة المستمرة لشهور في بيت من زجاج، ومع كاميرات مزروعة في كل الأماكن، تأكد عزيزي المتفرج أنك ستستمتع، وترى كل ما لم تحلم بأن تراه.

يبدو كابوس جورج أورويل وقد تحول إلى عكسه، لسبب البهجة والتسلية، لكن الأهم أنه سبب لجذب الأرباح الخرافية، فبعده توالدت مثل الفطر برامج الرياليتي شو في أغلب بلدان العالم، تتنوع، لكنها ظلت تحمل في جوهرها صيغة التعرية نفسها.

تخبرنا الصدفة أن جورج أورويل له رواية أخرى قام فيها بتحويل الحيوانات إلى بشر، قام بأنسنتهم كي يتمردوا. بينما برامج الأخ الأكبر المستلهمة من روايته 1984 تفعل العكس، لا تكتفي بتحويل البشر إلي سلع مثلما تحتاج الأنظمة الرأسمالية، بل تحول الأفراد إلى حيوانات غريبة، يمكنك الفرجة عليهم فيما يسمونه بـ"الغابة البشرية"، يدخلون إلى أقفاص حقيقية أو متخيلة، ليمارسوا كل ما هو غرائبي كي تستمتع كمتفرج، وكي يحصلوا هم على الشهرة والمال، والأهم كي تحصل الشركات المنتجة على الربح، فهو النوع التلفزيوني الذي حقق وما زال يحقق حتى الآن الأرباح الأعلى بسبب الإقبال الجماهيري، لكن مع تعديل بسيط؛ إضافة المشاهير. فوجود المشاهير يزيد التوابل المطلوبة لمنح البرنامج نكهة أكثر تميزًا حين تكتشف جوانب لم تكن تعرفها عنهم، أو مناطق مظلمة في تركيباتهم، أو أمراضًا نفسية لم تتوقعها، أو لمجرد أن تكتشف هشاشتهم كبشر.

تتنوع البرامج، لكنها تتشابه في اعتمادها على الفكرة الأساسية للتعري داخل البيت الزجاجي. هو بيت يشبه أحيانًا البيت الأصلي الذي تم ابتداعه عام 1999، لكنه يتحول في أحيان أخرى إلى جزيرة بكر، وتكون النجاة منها موضوع السباق، مسابقات بين الذكور عمَّن سيفوز بالأنثى الجذابة الساخنة ويتمكن من مضاجعتها أمام الكاميرات، ليفوز هو بجائزة البرنامج، بينما تطرد الأنثى والذكور الآخرين من اللعبة؛ أكاديمية للموسيقي باسم عملية النجاح تصطاد كل بضعة أشهر عددًا من الشبان والشابات الراغبين في أن يكونوا مغنيين، يتم حبسهم بداخلها، وعبر هذه الحبسة وإعادة إنتاج الأغاني المنتجة بالفعل، يحصل بعضهم علي الشهرة والنجاح والألبوم الأول، خيمتان مصنوعتان من الستائر الشفافة أمام البحر، وإضاءة ساحرة ومأكولات ومشروبات كحولية، في استعادة لأجواء ألف ليلة وليلة، في كل منهما أنثى، وهناك ذكر وحيد يتردد على الخيمتين، وستفوز الأنثى التي تقنعه بالبقاء إلى الأبد في فراشها، مسابقات للطبخ يتم اللعب فيها على غرائز الطباخين المحترفين، أو الأطفال، أو أشخاص عابرين ستنساهم سريعًا، أو المشاهير، وهذا الأخير هو تحديدًا برنامج الرياليتي شو ماستر شيف سيليبرتي، الذي شاركت في نسخته الإسبانية الممثلة المنتحرة بيرونيكا فوركي.

الخروج من باب السماء

قبل عام واحد من ظهور هذا النوع من البرامج، قدم المخرج بيتر واير فيلمه ترومان شو (1998)، وكأنه يحذر من هذه الكابوسية التي سنطالعها بعد فيلمه بقليل. تدور قصة الفيلم حول المخرج والمنتج التلفزيوني الذي يختار طفلًا قبل أن يولد، ليحوله إلى نجم عبر بث حياته كاملة داخل أستوديو تلفزيوني هائل. فتدور حياة ترومان عبر السنين داخل ذلك الاستوديو، حيث كل الأشياء مصنوعة، والأهل والأصدقاء والزملاء والعابرون في الشارع ممثلون. ولا يعلم ترومان، سواء الصغير أو الكبير الذي يلعب دوره جيم كاري، أن كل ذلك زائف وأنه مجرد ممثل داخل برنامج تلفزيوني، وأن حياته بأكملها مصنوعة بقرار من مخرج البرنامج.

 

حين يكتشف ترومان الحقيقة بالصدفة يجد نفسه في لحظة الاختيار الوجودي أمام الله، أيستمر في حياته المزيفة داخل العالم المصنوع؟ أم يتمرد ويواجه من خلقه؟ يقرر ترومان التمرد، يفتح بابًا في السماء ليخرج للحياة الحقيقية. عند هذه اللحظة، وربما لتفاؤل بيتر واير، تقع النهاية السعيدة، فترومان سيبدأ حياته، أما المشاهدون، ممن لم يستطيعوا سابقًا تحويل أنظارهم عن الشو، فيغيرون القناة ببساطة، أو يطفئون التلفزيون، ليمارسوا بدورهم حيواتهم الحقيقية.

لكن هذه النهاية المتفائلة لا تناسب الواقع، فعندما ينتهي برنامج من برامج "شو الحقيقة"، وقبل أن يبحث المتفرجون عن شيء آخر لمشاهدته، وقبل أن يعودوا إلى حقيقتهم، تقدم الاستوديوهات والقنوات وشركات الإنتاج الكبرى برنامجًا جديدًا، ومطحنة مراقبة جديدة.

الخارج من هذه المطحنة لا يعود مثلما كان قبلها، فقد مسه سحر ما، سحر الشهرة، سحر التعري، سحر البطولة، فلا يستطيع العودة لحياته السابقة. يكتئب وينزوي، أو يتحول إلى نجم جديد، نجم لا يمارس أي مهنة سوى الكلام والكلام في نوع أخر من البرامج وهي برامج الكلام، التوك شو، فيعلق على أي شيء، وإن كان من المفضل أن يتحول إلى معلق على البشر الجدد، الذين سيدخلون البيوت الزجاجية الجديدة، كحيوانات تكرر اللعبة نفسها.

الستائر الزرقاء

مرت أعوام قليلة على بداية برامج الأخ الأكبر ليكتشف المراهق مارك زوكربرج أن جميعنا نرغب في بعض التعري، وأن الكثيرين يحلمون بالدخول إلى بيت الأخ الأكبر الزجاجي، وأن يتبادلوا فعل التلصص مع الآخرين. فأبدع عالم فيسبوك الافتراضي، مع إضافة تعديلين بسيطين على فعل التعري، أن يمنحك عددًا من الستائر التي يمكنك من خلالها التحايل بداية من ألا يعرف الآخرون اسمك أو شكل وجهك، أو إزاحة ذلك كله وكشف نفسك بالكامل أيا كان مجال التعري، بداية من الجسد وصولًا للسياسة والفن والفلسفة، فأنت من تختار. والتعديل الثاني أن يمنحك فرصة النجاح مع كل لحظة جديدة، أن تستمتع بتصفيق جمهورك مجسدًا في لايكات وقلوب حمراء وأحضان افتراضية وعدد مرات المشاركة. أو أن تصيبك اللعنة، فتنال من الجمهور الوجوه الغاضبة، أو الشتائم، حتى ينصرفوا عنك تمامًا.

من كانوا ناضجين وقت بداية انتشار الفيسبوك في عامي 2007 و2008، يعرفون تحولاته في عالمنا العربي بين مراحل ثلاث: الأولى كوسيلة للتواصل مع الأصدقاء والأهل، وبالذات إن كنت بعيدًا، وكوسيلة للتعارف والتعري النسبي في الشات الخاص أو أمام الجميع، ومع بداية الثورات العربية بدأت مرحلته الثانية كأحد أدوات الصراع السياسي والفكري والحشد للمعارك السياسية الكبرى والصغرى، ومع هزيمة الثورات العربية بدأت مرحلته الثالثة، مستعيدًا شخصيته الأساسية التي حلم بها مبدعه، أن يكون بيتًا للأخ الأكبر، أن نتعرى، وأن نتشارك في المراقبة المتبادلة.

هناك أشخاص لا نراهم، هم العاملون مع مارك، الأخوة الأكبر، واضعو القواعد لما هو ملائم وما هو غير ملائم، حيث من الممكن طردك من البيت عند اللحظة التي يرونها مناسبة مثلما حدث في أحد برامج الأخ الأكبر الإسبانية، تركوا أحد المتسابقين ليمارس عنفه الذكوري ضد شريكته، وتركوا مشاركة من أصل أردني لتمارس عنفها العنصري على مشاركة أخرى ببشرة سوداء، وتم طردهما بعد أن حقق البرنامج بسببهما نسبة المشاهدة الأعلى، وقاموا باستضافتهما لاحقًا في برامج تلفزيونية على القناة نفسها، ليتحولا إلى نجمين جديدين.

لن تخرج مثلما دخلت، هذه هي القاعدة، بل بجروح أكثر، فالحبس في بيت الأخ الأكبر التلفزيوني، أو في العالم الافتراضي الفيسبوكي، ومع الهزيمة، يفجر كل الأمراض ويدفعها إلى مداها الأقصى، بل تتحول أحيانًا إلى جزء من الشو، ولا داعي لإيراد أمثلة عن استغاثات من يعانون من الاكتئاب أو المرض النفسي، أو من يفكرون في الانتحار، كي يلفتوا نظر الآخرين طالبين بعض الدفء، فهي تتكرر ونعرفها جميعًا، مثلما نعرف كيف استثارت هذه الاستغاثات أحيانًا حالة من الاستخفاف والسخرية، حتى استسلم الشخص المتعب لتعبه، ليفتح باب ترومان المطل على السماء، لا لبداية حياة جديدة، بل لينهي حياته محطمًا رأسه في الجدران الزجاجية لبيت الأخ الأكبر.

الفعل الأخلاقي المبدئي والشكلي

اعتدنا جميعًا بعد هذه المصائب والانتحارات أن نطالع إشهارات الحب والتضامن، وكلمات ممن يبرؤون أنفسهم بأنهم حاولوا حماية المنتحر/المنتحرة بل ومنحه بعض الدفء، وهو ما يستدعي ما نعرفه جميعًا وإن لم نستطع التعبير عنه؛ الفرق بين الموقف الأخلاقي المبدئي والموقف الشكلاني. فالفيسبوك يمنح اللاعبين الفرصة للتظاهر بالنبل والمبدئية أكثر من الحياة الواقعية، ما دمت لن تدفع ثمن الموقف، فكثير منها عبارة عن مواقف تتخذ بهدف التجميل، أن تنال الإعجاب وأن تظهر بمظهر نبيل، وجائزة البطولة مرة أخرى هي الإعجاب بالقلوب واللايكات وعدد مرات المشاركة.

 

بيرونيكا فوركي- الصورة: IMDB

لكن المتعبين حقيقة من بيننا لن ينالوا في عالم الفيسبوك الشيء الأساسي الذي يحتاجه المريض أو المكتئب، "المحاوطة" والأمان. يخبئ الفقراء والمتدينون والمحافظون أخلاقيًا مرضاهم النفسيين في البيوت أو في المستشفيات. ليس فقط لتخبئة عار المرض النفسي أو العقلي مثلما نظن، بل أيضًا للمحاوطة عليهم وحمايتهم من قسوة ما يمكن أن يواجهونه خارج باب البيت، ولا أجد غير الكلمة العامية "يحاوط" للتعبير الدقيق عن هذه الحالة.

تشهر مرضك وتتعري في البيوت الزجاجية، بيوت الأخ الأكبر، دون أن يحاوط عليك أحد، بل تتعرض لكل أنواع الجروح الإضافية، والتشجيع غير المقصود لمزيد من الانغماس في التعب. ففي عالم سطوة الميديا، والرياليتي شو، والتوك شو، لم يتوقف العلاج النفسي عند كونه تجارة، بل أصبح أيضا شو تلفزيونيًا، حيث يعالج الطبيب الجموع على القنوات التلفزيونية وعلى الهواء مباشرة بنصائح سطحية، وكأننا جميعا متشابهون، ودون أن يفكر أو يصمت لحظة تجنبًا لملل المتفرجين، ودون أن يستعين بالمراجع الطبية، ودون أن ينظر في عين المريض. وربما ليؤكد صحة كلامه يحكي حالات لمرضى حقيقيين يعالجهم، يخفي أسمائهم ويغير بعض التفاصيل الهامشية من حالاتهم، فيكتسب بعض المصداقية أمام الجموع. بينما المريض النفسي يعرف نفسه، وربما يكون جالسًا أمام التلفزيون ليشاهد طبيبه وهو يستخدمه كحالة، فيتلقى هدية مجانية لتجرع الألم أكثر، مكتشفًا أن لا محاوطة أو أمان حتى مع الطبيب.

حرق الستائر وفتح باب السماء

قررت بيرونيكا فوركي أن تفتح باب السماء مثلما فتحها ترومان، أشهرت تعبها لتغادر. كانت رمزًا للحلاوة بمعنى "Sweet"، لم تكن رمزًا للجمال الشكلي، بل جسدت سينمائيًا وتلفزيونيًا ومسرحيًا اللطف والرقة والروح المرحة في التعامل مع الآخرين في أدوار غلب عليها الكوميديا التي تظهرها كساذجة، بينما كانت مختلفة في الواقع، لم تكن مثل المرأة التي تقدمها على الشاشة أو على خشبة المسرح، كان لديها عقلًا نقديًا وقدرة على قول الأشياء حتى وإن كانت صادمة.

لم تشتكِ أبدًا من المنتجين والمخرجين الذين قولبوها في أدوار محددة. لكنها احتجت قبل شهور خلال حوار تلفزيوني على أنهم يطلبونها أقل للعمل بسبب تقدمها في السن، بينما يطلبون الذكور من زملائها، المتقدمين في السن أيضًا، ممن تضخمت كروشهم وتهدل جلدهم. قالت بعض الأسماء في لحظة غضب، وفسرت هذه الظاهرة بأن هؤلاء الزملاء ينصبون الشو حول حياتهم عبر مرافقتهم لشابات صغيرات لا توجد بهن غلطة شكلية واحدة. وصنفت على الهواء هذه الحقيقة بأنها ذكورية وعفن.

لم تحتج إلى المزيد من الأموال أو الشهرة، احتاجت لاستمرارية التواجد أمام الكاميرات، أن تعمل، ألا ينساها الناس، فدخلت إلى برنامج الرياليتي شو، ليبدأ فصل شديد القسوة في حياتها. أدركت إدارة البرنامج أن عبر الضغط عليها تتضخم ردود فعلها وانفعالاتها بحكم معاناتها من الاكتئاب ومن عدم التوازن النفسي، اكتشفوا فيها هذه التوابل التي تزيد نسب المشاهدة التلفزيونية، فبدلًا من سحبها من البرنامج بنعومة احترامًا للمرض النفسي ولتاريخها كممثلة، قاموا بشيطنتها، وتركها كي تتحول إلى مسخرة. اكتشفت بيرونيكا فوركي في لحظة ما هذه اللعبة/ الخدعة، لم تحتملها، فقررت الانسحاب بعبارتها "لم أعد أحتمل أكثر من ذلك"، وقتلت نفسها في شقتها وحيدة.

 

أروى صالح- صورة برخصة المشاع الإبداعي

في نهايات عام 1995، تم إيداع كتاب صغير في دار الكتب بعنوان المبتسرون.. دفاتر واحدة من جيل الحركة الطلابية، لأروى صالح، ليصدر بعدها بشهور قليلة، بدايات 1996. كتبت أروى مؤلفًا لتحليل عدد من أفكار ومسارات جيلها من يساريي السبعينات والحركة الطلابية، ولرسم صورة للمثقف اليساري الذكر، ولإشهار وجعها أيضًا.

نشر الكتاب المحكوم عليه بالانتشار المحدود بسبب موضوعه وأسلوبه قبل أن نتعرف على عالم الأخ الأكبر والتعري العلني. ولأنني كنت أعرفها، وكنت في الوقت نفسه أعمل سياسيًا مع بعض رفاقها القدامى، رأيتُ لحظة أخيرة قبل أن يندر فعل المحاوطة على المريض. لا أقول إن الاحتفاء بالكتاب كان سينقذ أروى، احتفى به فعلًا بعض هؤلاء، لكنني أقول إن اللحظة لم تكن لحظة محاوطة. كانت المحاولات التنظيمية السياسية لرفاقها في لحظة احتضارها الأخير، والبعض من الرفاق القدامى لم يحتملوا مجرد أن تشهر واحدة منهم تعبها، فضاعفوا هذا التعب بإشهاره في وجهها. وفي يوم 7 يونيو/ حزيران من عام 1997، ألقت أروى جسدها من النافذة.