- تصميم: يوسف أيمن- المنصة

تداعيات حول حكاية "النطف المهربة"

منشور السبت 25 ديسمبر 2021

هناك عدة أفكار تداعت في ذهني عند سماعي حكاية "النطف المهربة" للمرة الأولى، التي أثيرت مؤخرًا مع عرض فيلم أميرة. أفكار ربما تتعدى الفيلم وطموحه ونيَّاته، أفكار تخص الصراع بين إسرائيل وفلسطين، وكيف يتم التعامل مع جسد المرأة داخل هذا الصراع. بجانب أفكار عن مفهوم المقاومة الحديث، كون تهريب النطف يتضمن فعل مقاومة، يرجع الفضل في جزء منها للتقدم العلمي الذي صارت له الكلمة العليا في الإتيان بما يشبه "المعجزات"، التي ستغير حتمًا شكل حياة الإنسان في المستقبل، وغيرها من الأفكار والخيوط التي خرجت من هذه الحكاية، مثل مفهوم "الخيال" والدور العادل الذي يلعبه"الخطأ" المتعمد، في أي حكاية خيالية.

**

باختصار شديد تحكي قصة "النطف المهربة"، عن أميرة، المفترض أنها ابنة لأسير فلسطيني، ولدت عن طريق النطف المهربة، ثم تكشف الأحداث أن الأب عقيم، والنطفة المهربة، التي ولدت بسببها أميرة، لم تكن للأب، بل للسجان الإسرائيلي الذي كان متواجدًا في السجن آنذاك، وقام باستبدال نطفة الأب الأسير بنطفته هو، ولا أعرف لماذا فعل هذا؟ هل كان يقوم بلعبة، سيرى نتائجها في المستقبل؟

**

ربما ما أثار المشكلة في الفيلم ليس فقط الحكاية الخيالية، ولكن لأن لها مرجع واقعي، ملتصقة به، صيغت داخله هذه الحكاية، وهو الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، الذي له تاريخ موثق على الأرض، بجانب دخول المرأة كطرف أصيل في هذه الحكاية.


اقرأ أيضًا| فيلم أميرة: أن ترضى بما يرضاه الفلسطينيون

 

**

"الخطأ" الذي حدث باستبدال نطفة الأب الأسير بنطفة الضابط الإسرائيلي، وولادة ابنة له، أفصح عن علاقة مجازية محرمة، وربما تشكل عاملًا أساسيًا من العوامل التي أثارت المخيلة الفلسطينية عند رؤية الفيلم، والتي شعرت بجرح في كرامتها، وفي شكل تقديسها للمرأة. بجانب الإجراءات المعقدة، التي يتبعها أصحاب النطف المهربة وذويهم، لضمان عدم حدوث هذا الخطأ.

**

العلاقة التي تناقشها الأفلام والأشعار، التي تجمع الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، تحدث عادة بين رجل فلسطيني وامرأة يهودية. في فيلم أميرة، العلاقة معكوسة، تحدث بين رجل إسرائيلي وامرأة فلسطينية، أحدهما يمثله نطفة والأخرى يمثلها بويضة، لذا هنا انتهاك مجازي لمفهوم الجسد/ العِرض.

**

"الخطأ" المتعمد في استبدال النطف، الذي يقوم عليه الفيلم، هو الذي منح هذه الحكاية الخيالية المعنى، والحس المفارق، داخل المناخ السياسي والاجتماعي الذي تحدث فيه. فلو غاب المرجع السياسي، الذي يقف خلفها، فليس هناك حكاية خيالية، أصلًا، ولكن ربما تبقى كحكاية، منزوعة القضية، تحكي عن الأخطاء المحتملة لزيجات المستقبل التي ستتعامل مع بنوك تجميد البويضات، والنطف.

**

دون هذا "الخطأ" ليس هناك حكاية، وليس هناك خيال. لذا تحتاج أي حكاية خيالية لقضية خيالية، أو مرجع خيالي، أيضًا، يخضع لموازين العدالة الكونية، وليس بها ارتباط بالمرجع الواقعي المباشر، كما حدث في حكاية الفيلم.

**

في الحكايات الخيالية، مثل ألف ليلة وليلة، والسندريللا، وبروميثيوس سارق النار، وغيرها، عادة ما يلعب "الخطأ" دورًا في ترجيح كفة المظلوم وليس الظالم، ليعدل "الخطأ" ميزان الكون المختل. أما هنا في حكاية الفيلم، فلا زال الشعب الفلسطيني محتلًا وخارج أرضه، فالمظلوم في الحكاية، لم يفده "خطأ" تبديل النطف، بل زاده جراحًا.

**

ربما "الخطأ" في الفيلم يلعب دورًا سياسيًا، وليس خياليًا، ولا يبصر جيدًا كفّتي الصراع السياسي، ويوزع ذنبه على الجميع، بدلًا من أن تكون له وظيفة القدر أو عين العدالة، كما في الأساطير والحكايات الخيالية، أو الأفلام الرومانسية. أحد مشاكل فكرة الفيلم، أن "الخطأ" صار عبدًا للسياسة، ومستفيدًا من حساسية ومفارقة الفكرة، ودعايتها السياسية، أكثر من رغبته في بناء وصناعة أسطورة/ حكاية جديدة تخص مصير الشعب الفلسطيني من خلال أسراه.

**

ربما لو جرت أحداث الفيلم في مكان خيالي، ودون تحديد جنسيات لأبطاله، أو بترميز لها، لفقد الفيلم مفارقته الأساسية، وربما أتيح له، في هذه الحالة، التعامل مع الخيال بحرية وبدون حسابات سياسية. عندها لن يسبب الفيلم رد الفعل الذي حدث من الجميع، وسيُضم لقائمة الأفلام التي تتكلم عن المستقبل. ولكن لأن لحكاية الفيلم الخيالية، جذر حكاية قديمة/ حكاية الاحتلال، فمن الصعب ربطها بالمستقبل بهذه السهولة، أو بهذه السطحية، كونها لازالت حية.

**

يقول مخرج الفيلم في أحد تصريحاته أن الفيلم ينحاز للفلسطينين الأسرى، وللقضية الفلسطينية بشكل عام. ربما الفيلم ككل، ينطبق عليه هذا التصريح، ولكن عقدة الفيلم التي تقوم على "الخطأ" محايدة تمامًا، ولا تنحاز أو تقف إلى جانب معين، فالحكاية وتقنياتها الخيالية، في الفيلم، بُنيت بشكل محايد، يقفز قفزات واسعة فوق الواقع الفلسطيني الذي يدافع عنه المخرج.

**

من دفاع المخرج غير الموفق ليدلل على أن القصة خيالية، وليس لها علاقة بالواقع، أن عمر الابنة أميرة 18 سنة، وبالرجوع للزمن 18 سنة، لم تكن هناك نطف مهربة، وإنما بدأت العملية منذ 10 سنوات فقط، وهنا يقيس المخرج الزمن الداخلي للفيلم بالزمن الخارجي، ليبرئه هذا الفارق في السنوات.

**

ربما لو حدثت واقعة الخطأ في النطف المهربة في الحقيقة، سيكون للخيال وقتها مرجع واقعي، ويبرر استخدام مفهوم "الخطأ " في الحكاية كما حدث في الواقع، ولكن لأن الواقعة لا أصل أو مرجع واقعي لها، يجب عندها أن نحترم أساليب الخيال في صناعة الحبكة/ المفارقة. فالخيال، مهما كان، مقيد بأشكال تعبر عنه، عبر أساطير وحكايات، وأفلام، هي التي منحته هذه القوة، والحرية، لذا اكتسب "الخيال" صيغة علمية ما، ووُضعت له حدود ومعايير تمكن الكشف عن الجيد من الرديء منه.

**

ربما لأننا في عصر استعراض، كما كتب الفيلسوف الفرنسي جي ديبور، فأي فكرة أو معالجة سياسية تخضع لمفهوم "الشو الكبير"، ومفارقته السياسية. ربما عاش صناع الفيلم داخل هذا البالون لفترة، عند عرضه في مهرجانات نخبوية، ولكن عندما خرج الفيلم لواقع اجتماعي مختلف، صُدم صُنَّاعه، في شكل الاستقبال الرافض له.

**

هناك حكاية أخرى، ربما خيالية، أو يمكن أن تكون واقعية أيضًا، تدور حول الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، استوعبتها المخيلة الفلسطينية من قبل، وكان طرفاها لازالا شخصين، رجل وامرأة من شحم ولحم، ولم يتحولا بعد إلى نطفتين.

أقصد فيلم حنا ك للمخرج اليوناني الفرنسي كوستا جافراس، أقصد أيضًا قصائد محمود درويش الأولى، التي يحكي فيها عن علاقته بحبيبته اليهودية شولميت. في كلتا الحالتين، كان الرجل الفلسطيني، الواقع تحت الاحتلال، هو ممثل القضية، الذي يقع في الحب، كما في نموذج محمود درويش، أو الذي يتم التعاطف مع قضيته من طرف محامية يهودية كما في فيلم حنا ك.

**

يحكي فيلم حنا ك الذي أنتج عام 1983 قصة حنا كوفمان، المحامية اليهودية التي هاجرت من أمريكا إلى اسرائيل، وهي أحد الأطفال الذين نجوا من محرقة النازي. تعينها المحكمة للدفاع عن الشاب الفلسطيني سليم بكري الذي قبض عليه وهو يحاول أن يتسلل إلى إسرائيل، من الأردن، ليستعيد ملكية منزل عائلته التي هُجِّرت منه، والذي تحول بدوره إلى جزء من مستوطنة يهودية. توجه له المحكمة تهمة الإرهاب والتسلل. تقوم حنا ك بتبرئته، ويستبعد سليم مرة أخرى للأردن، ولكنه يعاود التسلل، ويسجن هذه المرة بتهمة الهجرة غير الشرعية. فيطلب سليم من حنا، التي أصبحت متعاطفة معه ومع قضيته، أن تدافع عنه. تبدأ الحكومة في الضغط عليها، وتساومها حتى لا يحصل سليم على حقوقه المشروعة. وهكذا، تقع حنا في تناقض بين ولائها لدولتها، وولائها للحق المتمثل في سليم. إذ توصلت إلى أن ميراث المحرقة النازية جاء على حساب تجريد الفلسطينيين من أراضيهم وممتلكاتهم.

 

تريلر فيلم حنا ك.

**

في فيلم أميرة طرفا الصراع غائبان، أو يقفان في الظل، ومن يصنع عقدة الفيلم هي النطف. لذا تم تفسير القضية من جانب بأنها قضية ذكورية، رغم غياب الواقعة المباشرة التي يقاس عليها فعل الذكورة. ربما بسبب ربطها بالمقاومة بشكل ما، أو بقيام زوجة الأسير منفردة بتحمل عبء تربية الابن الناتج عن النطفة المهربة.

**

ربما الفكرة الذكورية، يأتي ذكرها بسبب حضور صياغة قضية النطف المهربة داخل مفهوم المقاومة التقليدي، وهو أن الحفاظ على النوع تحول لوظيفة، مما أدى لتجريد الإنسان من صفاته التي اكتسبها بممارساته وخبراته الإنسانية، والتخلي عن رغبات ولذات حميمة في سبيل البقاء والخلود. ربما هذا التفسير هو الذي منح هذا العلاقة ذلك الحس الذكوري، أو الحس الوظيفي. ولكن هذا التخلي سببه الوضع غير الإنساني ومعادلة القوة المختلة بين الأسير الفلسطيني وبين المحتل، لذا تميل الكفة مع اتجاه الحفاظ على النوع. فهناك طرف سيتحمل هذا النقص الذي سيشوب العلاقة، وهي "المرأة" في هذه الحالة، بينما سيتحمل الأسير، صاحب النطفة المهربة، نقص حريته، الذي سيعوضه بالحرية التي ستكفلها له هذه "النطفة المحررة".

**

طبعًا اللجوء لمقاومة من هذا النوع، حدث نتيجة لظلم شديد يعيشه أسرى، لا أمل قريب لهم في الخروج، لذا يترمز الأمل في هذه النطف، وبخلق وجود خارجي لهم عبر الأبناء الذين سيولدون، والذين يمثلون بالنسبة للأسرى، حياتهم المستقبلية. كل هذه التجاذبات، بين اليأس والرجاء، صنعت مقاومة تجتاز حواجز، بل وتقفز، وربما تستسلم بشكل ما لواقع عالمي تم فيه تنحية حيوية الإنسان والاستعاضة بالجزء الوظيفي والآلي فيه، من أجل حفظ النوع، أو مقاومة الموت والسعي للخلود.

**

المقاومة، باستخدام العلم الحديث هي الاتجاه الرائج الآن، الذي سيكون له الغلبة في المستقبل، بالتأكيد هو اتجاه ذو حدين، ويعمل على فض سر الإنسان والإنسانية، بكشف سر الموت، والسعي للخلود. كأن فعل المقاومة يحدث في عالم بلا روح مستقبلية، أو على أقل تقدير يحدث خارج مرجعه الروحي المعروف. فتوحش العلم الحديث ومفاجآته وتطوره المذهل، أصبح شريكًا في صياغة هذه المقاومة، ووسمها بسماته.

**

المقاومة الآن دخلت في آلية "حكاية العلم"، فسلبت منها الحكاية روحانيتها، فتهريب النطف هو فعل للمستقبل والخلود، أو بشكل آخر فعل موجه للمحتل، وربما به جزء انتقامي من الذات. فهذه النطف المهربة أو المجمدة ستعيش مستقبلًا داخل القواعد التي ستضعها "حكاية العلم" و" معجزاته" التي ستغير جذريًا كل مفاهيمنا، وقدرتنا على التخيل. لذا هناك آلية ما أوجدتها هذه العناصر الضاغطة على الفعل والمخيلة الفلسطينية.

**

تميل هذه النوعية من الآفلام، مثل حنا ك التي يحدث فيها التقارب بين الطرفين النقيضين: حنا كوفمان وسليم بكري، لوضع القضية الفلسطينية في المجال الإنساني الواسع، الذي يجمع بينهما، من أجل طرح سبل التقارب المستقبلي بينهما، سواء في الفيلم أو في المخيلة، ومن ثم في الواقع. يناقش هذا النوع من الطرح الآثار التي تترتب من علاقة شائكة من هذا النوع، وأعراضها الإنسانية على كل من طرفيها، كأن قضية الحب هي البوتقة التي تُصهر فيها هاتان الثقافتان المتضادتان، حتى تصل للأصل النقي لكل منها، سواء كان القبول بالعلاقة أو الرفض لها، وانعزال كل منهما داخل بوتقة ثقافته، أو ظهور منطقة فهم جديدة تجمع بين النقيضين.


**

حدث تراوح في مفهومي الخيال والواقع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، في الخطاب الفني: بين القرب والبعد. هناك مكان متخيل جديد يصنع مفارقاته من واقع ومرجع حقيقي، يصعب فيه التعايش بين الاثنين، فيجني الخيال، كأي وريث للواقع، ذنب هذا التناقص الحاد في الواقع، ويمنح حنا ك وسليم بكري ومحمود درويش وشولميت حبيبته حق العيش داخل المنطقة الرمادية القلقة، التي لازالت غير محسومة بشكل واضح على المستوى العام للمخيلة الفلسطينية والعربية ربما.

**

 

محمود درويش وحبيبته اليهودية- الصورة من أرشيف الإنترنت

قضية فيلم حنا ك وحكايات حب محمود درويش، حكايات لها أصل في الواقع، بالرغم من تناقض طرفيها، حتى وإن لم تحدث، فهي قابلة للحدوث، لأن طرفيها لهما حضور في الثقافة والمخيلة الشعبية، أما حكاية "النطف المهربة" وما يحوم حولها وما ينتج عنها، لم يتم نمو مخيلة شعبية لتقبلها أو رفضها. هي موجودة بقوة دفع فعل المقاومة والبقاء. ربما يحدث في المستقبل، أن تدخل في باب الخيال الشعبي، فهي تنتمي للحكايات المستقبلية الما بعد الحداثية، بعكس الحكايات الآخرى التي تنتمي لحقبة التحرر الحداثية، كما في فيلم حنا ك.

**

أعتقد أن أصحاب الفيلم لم يروا هذا الجزء البارد والمروع من "حكاية العلم" داخل الفيلم أو في الحقيقة، ومصير هذه النطف المجمدة التي يُحتفظ بها في بنوك، لصناعة إنسان قادر على الخلود في المستقبل. كان يمكن لهذا الخيط أن يصنع فيلما خياليًا بحق، ومقاومًا بحق. ولكنهم فقط ركزوا على المفارقة السهلة داخل فكرة المقاومة.

**

أي فيلم حتى ولو خيالي هو خطاب خيال جمعي، وأي خيال جمعي، بشكل ما، له صدى ومرجعية في الذاكرة الجمعية، فالخيال، يعود ويوسع هذه الذاكرة، وبدورها الذاكرة الجمعية تضبط وتعيد إنتاج هذا الخيال. فالاثنان، يعملان مع بعضهما البعض، وأي انفصال، أو تجاهل، أو عدم معرفة، يؤدي لعقم الخيال، أو تحجيم للذاكرة الجمعية.

**

من أساطير الاستبدال الشهيرة، التي تقوم على خطأ متعمد، وتأتي كتصحيح أو تغيير لقدر ما، هو مافعله بروميثيوس، الذي سرق النار من الآلهة من أجل البشر، وأيضًا قام بخدعة الآلهة، فخبأ عن كبيرها زيوس قربان اللحم واستبدل به العظام، ولكي يقوم بهذه الخدعة قدم لزيوس قربانًا مكسوًا بالدهن والشحم، ولكنه مليء بالعظم في داخله، وآخر عبارة عن أمعاء ثور كريهة، ولكن خبأ بداخلها اللحم، وهو يحدس بأن زيوس سيختار القربان ذا الرائحة والشكل البراق، وهو ما حدث بالفعل، واستبقى برومبثيوس قربان اللحم للبشر. وعندما عرفت الآلهة عاقبته أشد العقاب.