متظاهر يرتدي قناع ڤانديتا في ميدان التحرير. الصورة لـ Jonathan Rashad - فليكر. برخصة المشاع الإبداعي
-

من ميادين الثورة إلى زنازين السلطة: حكايات المدانين بالحلم

منشور الخميس 10 فبراير 2022

 

في ديسمبر/ كانون الأول 2021، أتى صوت الدكتورة ليلى سويف، أستاذة الرياضيات البحتة بكلية العلوم في جامعة القاهرة عبر الهاتف مُحمّلًا بالفرح، ففي ذلك اليوم خرجت صغيرتها سناء من سجن حرمهما من بعضهما شهور. لهذا، ربما لم يكن السؤال بفضول الصحفي مُناسبًا؛ فجاء ردّها عليه في محلّه.

في سياق تغطيتي الصحفية لإطلاق سراح سناء، سألتها عمّا يمكن أن تتخذه العائلة من إجراءات حيال حكم كان صدر قبل أيام معدودة ضد سجين العائلة الآخر، بكريها علاء عبد الفتاح؛ فترد الأم ليلى سويف دون أن تغادر السعادة الصوت "أنا دلوقتي في لحظة البهجة بخصوص سناء. وإن شاء الله لمّا نزور علاء، نبدأ نفكر وننسق بخصوص اللي ممكن نعمله".

تأرجحت السيدة بين غصّة قلبها بسبب سنوات السجن الإضافية التي سيقضيها ابنها بعد الحكم الجديد، وسعادة احتضان ابنتها بعد غياب. وشتّان بين شعورين تحدثت عنهما رغم تناقضهما بثبات انفعالي، مثل ثباتها في مواقف كثيرة مرّت بها العائلة، خاصة بعد ما أعقب 2011 من أحداث.

فعلى مدار عقد، كثرت الاعتقالات والأخبار عما تشهده أقسام الشرطة والنيابات وساحات المحاكم من اتهامات وأحكام؛ صار معها الناس حذرين حيال الفرح، كما حكى بعضهم عن مشاعر تبدو في تناقضها وصعودها وهبوطها أشبه بأسهم بورصة قارب مُضاربوها على الإفلاس لكثرة ما تلقوه من ضربات وخسائر في هذا الشأن، ربما لم تكن لتخطر إلاّ في مُخيلة شاعر؛ فصارت تفاصيلهم الخاصة بها بين سجين وآخر ينتظره وثالث يلحق به في زنزانته وكأنها حكاية أو أبيات شعر تراجيدية. 

خيانات الفرح

في يناير/ كانون الثاني 2022، فرح حقوقيون وصحفيون بإخلاء سبيل الصحفي خالد البلشي بعد تحقيق معه في بلاغ يتهمه بـ"الكذب". لكنهم كانوا في الوقت نفسه متعلقين بالأمل حيال رامي شعث، السجين الذي يترقبون إخلاء سبيله بعد انتشار أخبار عن هذا القرار، فتمنوا أن تصح مثلما حدث قبل أيام بحق سجينين آخرين هما عُلا القرضاوي والباحث باتريك جورج زكي.

فرحوا، استجابوا مثل ليلى سويف لوصية الفلسطيني الراحل محمود درويش، وهو القائل بين ما خطّه من شعر "وإذا جاءك الفرح، مرّة أخرى، فلا تذكر خيانته السابقة. ادخل الفرح، وانفجر".

نعم، للفرح خيانات، إحداها كان قريبًا بحق أم انتشرت عبارات المواساة لها بعد حُكم بسجن ابنها وهو محام ونائب برلماني سابق، هو زياد العليمي، بعد أقل من شهرين فقط من فرح انتابها بسبب وردة أهداها لها من خلف القضبان واحد من سجناء ما بعد 25 يناير، هو أحمد دومة.

للفرح خيانات، وللثورة ثمن عرفه مُبكرًا أحد المشاركين فيها، وهو الناشر والكاتب الصحفي هشام قاسم، الذي حكى عمّا كان بعدها بسنوات "كنت بقعد مع ناس واقفين مع الثورة، ودلوقتي الواحد منهم بيقول أنا خايف اتحبس، أنا عايز أعيش".

يتعجّب قاسم، وهو يحدّث المنصّة. ويتساءل عمّا كان قبل عقّد من الآن "طيب يعني هو احنا زمان كنا بنهزر؟ أنا وقت الثورة البعض انتقدني لما كنت بقول للشباب هتروحوا في داهية. وأنا زيي زي أي حد مش عايز يتحبس، بس لمّا الأمور توصل للي احنا وصلناله ده، يبقى لأ، أتحبس".


اقرأ أيضًا| يوميات 19 شهرًا من الحبس الاحتياطي| مؤشرات الخروج (20)

 


في ذلك العام البعيد، فرح الشباب وحذّرهم قاسم من خيانات فرح شاركهم فيه كما فعلت سيدة هي آمال عبد الهادي، الناشطة الحقوقية والنسوية، التي استعادت وقت 25 يناير ما فعلته قبل عقود حين كانت بين ناشطي الحركة الطلابية. فانتظمت في الزيارات اليومية لميدان التحرير دون مبيت إلاّ في ليلة واحدة استثنائية "مبيتش هناك إلاّ ليلة واحدة، اللي قطعوا فيها الاتصالات؛ فقررت إني أبات بحيث لو حصل شيء أموت مع أولادي".

تبدو آمال عندما تحدثت إلى المنصّة، متفهمة حدود طاقتها البدنية والشعورية "غير كده، كنت بروّح بيتي كل يوم بالليل. وعمرى ما حسيت بالجبن أو التخاذل. بل بسعادة إن الشباب اللي ساهمنا في وجودهم في الدنيا بيعملوا حاجة أو موجودين. ولأني كنت شايفة إن دي طاقتي واللي أقدر أعمله".

تتحدث السيدة بعقلانية أكسبها إياها "نضجها بحكم السن"،  حتى على مستوى ردود الفعل، وإن كانت تعلن أن ما ينتابها من غضب سببه أحداث جارية وقلق على البلد.

مدانون بـ"الحلم"

القلق الذي ينتاب آمال الآن هو نفسه ما انتابها والشباب قبل سنوات، فضاق الصدر به وخرجوا للشوارع ثائرين هاتفين للعيش والحرية، مطالبين بسقوط مبارك ورجاله، وحالمين بحياة أفضل للجميع.

حلموا، وكان على الحلم أن يُرشد الحالمين كما الوحي، مثلمّا تمنّى الشاعر نفسه، درويش. لكن حلم علاء وزياد ورفاقهما كان ماكرًا خادعًا، فحين اقتربوا منه، انحرف عن مساره وتحوّل إلى كابوس في زنازين؛ كما تحوّل معه "النضال" من محاولة لتحسين حياة شعب إلى إجراءات لخروج معتقلين.

"النضال"، الكلمة التي تتمسك باستخدامها المخرجة هالة جلال، التي تعلنها صراحة؛ إنها ليست مناضلة لكنها ابنة عائلة مناضلة وعلى صلة ومعرفة بمناضلين بصورة إنسانية وشخصية؛ ومن ثَم ترفض اعتبار النضال "مضيعةً للوقت"، بل ترى أن "أي شخص بيعارض أي سلطة في المطلق، هو شخص يحاول تحسين شروط الحياة".

إذن، ما المعضلة؟ تُفسّرها جلال للمنصّة "عموم البشر بيخافوا من الاختلاف، سواء السلطة كانت باطشة بحقهم أم لا"، وتستشهد المُخرجة على هذا باستدعاء أحداث فيلم المومياء "كل حاجة كانت حلوة إلى أن أتى المُعترض ونبههم إلى أن عيشتهم كعيش الضباع؛ فكان وأن لعنته حتى أمه نفسها، لأنهم رأوه عكّر عليهم حياتهم. فالمجتمع بيخاف التغيير".

يخاف المجتمع التغيير؛ وترفضه السلطة بحكم كونها من نسيج هذا المجتمع. لذا؛ قضت قبل شهور برفض دعوى قضائية لتخصيص أماكن احتجاز للعابرين جنسيًا في السجون، أقامتها وتابعتها لمدة عام ونصف العام ملك الكاشف، الفتاة العابرة جنسيًا، بدافع خوفها كسجينة سابقة من أن تعود لحبس يستنكر القائمون عليه هويتها؛ فتتعرض للعنف.

"كنت حاسة إن الدعوى هتترفض، لكن كنت بقول يمكن. اتمسكت بالحلم رغم إدراكي إن الجهات اللي بتتعامل معاها فيها ناس من المجتمع وبنفس أفكاره تجاهنا. المجتمع مش بيحب يسمع تفاصيل عننا، وبيعاملنا بمنطق كفاية إننا سايبينكم تعيشوا".. تشكو ملك للمنصّة مما حدث رغم تمسّكها بالحلم الذي جعلها الآن تقول إنها أدّت ما عليها.

"أحيانًا يلقون عليك القبض وأنت ترتكب الحلم".. يُحذّر محمود درويش. فبالفعل قد يكون الُحلم جُرمًا تدان به، خاصة لو خرج عمّا ينصّ عليه المجتمع من ثوابت أو بأحكام سلطة، وهو ما قد يدفع الاثنين للجنون، حسبما شعر هشام قاسم بعد الذي رآه يحدث بحق شباب الثورة، المدانون بالحلم.

يقول قاسم "بحكم إن الواحد شاف ظلم كبير قبل كده، مش هقول إننا اتعودنا عليه. لأ، ده عمره ما هيحصل. لكن أنا ذهني راح في حتة تانية خالص. لحالة التخبط اللي النظام العسكري بقى فيها. يعني رغم كل البطش اللي الناس شايفاه فيه، إلا إنه انهار من 2011، واللي احنا فيه دلوقتي ده أطلال وحالة من الأرجزة. والضرر بتاع النظام ده بقى أكبر بكتير مما لو إنه ماعملش استراتيجية لحقوق الإنسان".

يتابع الناشر الذي عاصر نظامي مبارك والسادات "دلوقتي ممكن رائد من نفسه يطلع قرار بقبض على حد لدواعي شخصية أو انتقامية بحتة. أنا مشوفتش ده قبل كده، حتى أيام السادات باسثناء آخر فترة حكمه لما قال الديمقراطية ليها أنياب وبدأ يقبض على المئات. إنما دلوقتي فيه شخصنة وعداء وانتقامية تجاه كام اسم".

توأم الأمل

يُحذّر الشاعر الفلسطيني من تبعات الحُلم، كما يتعامل الأمل باعتباره "توأم اليأس". وهو بالفعل كذلك، فالاثنان كانا وجهين لعملة واحدة يعرفها مَن اصطفوا في الميادين على أمل حرية البلاد، فوجدوا انفسهم بعد أعوام بين سجين تحول أمله إلى حريته الشخصية، ويائس يُدين نفسه بـ"الجُبن والخذلان".

أحد المُدانين ذاتيًا هو الكاتب أحمد ناجي، الذي ينتابه الحزن مع كل خبر عن رفاقه السجناء يصله في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث يُقيم بعد أن قضى حكمًا بالحبس بسبب مقاطع من إحدى رواياته رآها القاضي "خادشة".

يؤكد الكاتب للمنصّة شعوره بالحزن والغضب اللذين يأخذا وقتهما لكنهما لا يوقفا مسيرة الحياة الروتينية، وذلك لأسباب، قال عنها "أنت بتطبّع مع الظلم زيك زي اللي جوه السجن. لأن السلطة بتتحكم في مشاعرنا تدريجيًا؛ ومع الوقت سقف طموحاتك بيقل، وتقول يا رب المحبوس احتياطيًا يتحال للمحاكمة، أو المسجون بعد ما يخرج مايبقاش عليه مراقبة".

ويفصّل ما آلت إليه الأحوال "أنت ما زالت بتغضب وبتحزن، لكن الفرق إنك زمان كان ممكن تحضر جلسة محاكمة أو تاخد إجراءات تضامنية أو مثلاً جمعيات حقوقية تتدخل. إنما دلوقتي مفيش قدامك غير المناشدات الخارجية، عل وعسى حد من المهتمين يتدخل. لأن الناس اللي جوه مطحونين"، ويُعقّب "زمان الكورة كانت في الملعب، دلوقتي بقت مع شخص واحد بس ومخبيها".

يغضب ناجي من الاستئثار بالكرة، وتقاسمه في غضبه دكتورة آمال عبد الهادي، كما بدا في تساؤلاتها الاستنكارية "مشاعر الاستياء والغضب والظلم والقلق مش بس على الشباب المحبسوين، دي كمان على البلد. ليه شباب جادين يتحرموا من أجمل سنين عمرهم؟ وأسرهم تتحرم منهم؟ والبلد تتحرم من أجمل سنين عطائهم؟".

وتضرب السيدة والأم مثلًا باثنين من سجناء الثورة "علاء عبد الفتاح كان من أوائل المدونين فى مصر ولما قامت الثورة رجع مصر من جنوب إفريقيا لخدمة بلده في مجال عمله؛ تكنولوجيا المعلومات، وزياد العليمي عضو البرلمان كان محامينا في أول قضية تحرش جنسي. يعني إيه البلد تتحرم من عطائهم؟".

أنت الآخرين 

تشعر عبد الهادي بالغضب، ويشعر ناجي بتقصير حيال الرفاق المحبوسين؛ فجاء حديثه بلهجة لوم "احنا أندال. لما توصل بيك الأمور أنك خايف تعمل لايك لبوست تضامن؛ بتتحول لجبان. ولما يكون ده بحق ناس أنت واكل معاها عيش وملح؛ بتتحول مش بس لجبان، لأ وكمان ندل وخسيس. وده اللي بتعمله معانا الديكتاتورية. إنها بتحولنا لأندال".

ويواصل حديثه اللائم "واحنا بقى بنتعامل بدورنا مع ده بطرق وحيل من قبيل زيارات أطباء نفسيين أو نعمل جلسات meditation. ونسمع مدرب يقول لنا كلام من نوعية الحياة حلوه وحب نفسك. ونخدر نفسنا ونقول لها أعذار".

ما يشعر به المتحدثون عن الرفاق والأبناء السُجناء، كان في حُسبان الدكتورة بسمة عبد العزيز، الطبيبة النفسية والكاتبة، التي تحدثت عن هذا الشعور باعتباره متوقعًا، وقالت "الاحتمالات عديدة بعد مواقف وأحكام كهذه، لأن الشخص حين يواجه موقفًا خارجًا عن سيطرته أو قدرته على التعديل لشخص عزيز عليه يرى أنه لا يستحق التعرض له؛ بيدخل في صراع".

لكن الجميع ليسوا بالضرورة أن يكونوا مثل ناجي، على دراية وفهم لما يتعرّض له الأعزاء، بل ممكن أن يكون لها أثر نفسي تعرّفه بسمة جيدًا بها  فممكن يحاول يهرب بإنه ميتابعش الأخبار وبالتالي لا يتورط فيها عاطفيًا، أو يشغل نفسه بأي أمور أخرى".

"كلما فتشت عن نفسي وجدت الآخرين.. وكلما فتشت عنهم لم أجد فيهم سوى نفسي الغريبة".. يقول محمود درويش عن شعور مفهوم ومحسوس بين السجناء ورفاقهم السابقين، فأن تشعر بتماهي مع الآخر، أمر وارد الحدوث، خاصة لو كان هذا الآخر شخص عاش ظروفك نفسها وقاسمك خبرة وتجربة، وإن كانت عبارة عن أيام معدودات في ميدان.

لهذا، تحكي دكتورة بسمة للمنصّة، ومن واقع ما صادفته على مدار السنوات الماضية، ما للأحكام من تأثير على رفاق السجناء "الاحتمال الثاني للمشاعر هو الخوف، ويُصيب من كان منخرطًا في أنشطة مماثلة، إذ تظهر عنده تساؤلات من قبيل إيه المانع إني اتعرض لنفس الشيئ أو يتم التنكيل بيّا؟ فبيكون بالإضافة للإحساس بالعجز إحساس بالخوف".

لكن، ما يزال في جعبة النفس ما هو "أسوأ" على حد وصف بسمة، وهو الاحتمال الثالث، وعنه تقول "حين يشعر الإنسان بعجز كامل؛ من الممكن أن يبدأ في مَنطَقة الموقف الذي حدث ضد أصدقائه، ويطرح على نفسه احتمالات من قبيل ما يمكن (خصومهم) عندهم حق؟ ما يمكن همّا فعلاً عملوا حاجات غلط؟".

وتشرح الطبيبة "فبيعمل منطقة خاطئة للأشياء، ويبدأ يلقي باللوم على الشخص المُقرّب ليه وأفكار وقضية هو نفسه كان ممكن فعلًا بيعتنقها ومعاها؛ وده بيفقد القضية معناها مهما كانت قوتها".

لا انتصار.. لا انكسار

البين بين، تلك الحالة التي تقف فيها على حافة نقيضين؛ فتأتي المشاعر مفاجئة ومتناقضة كما وصفها درويش بقوله عن أحد أبطال قصائده "لم ينتصر ليعيش.. ولم ينكسر ليموت". وفي حالة الثورة وأبنائها المعتقلين، هم لم ينتصروا؛ لكنهم لم ينكسروا تمامًا؛ فكانت مقاومة الاستسلام في حديث هالة جلال التي تشدد مناصرتها للمعتقلين "مينفعش معارضة السلطة تبقى جريمة. أنا اتولدت وأبويا في السجن، وزعلانة جدًا على المعتقلين".

لكنها في الوقت نفسه ترفض اللوم وجلد الذات "إنما أقول إني حاسة بالذنب؟ لازم التفرقة في ذهننا بين مرتكب جريمة وبين شاهد عليها. ومانلخبطش المجرم مع الشاهد. المناضل شخص عظيم، لكن مينفعش أدين الشخص اللي ماخترش اختياره، أو يتم فرض الشعور الذنب عليه".

مثلها، تلفت الدكتورة آمال عبد الهادي النظر إلى مشكلة أخرى تراها أكبر من مشاعر يُثيرها حكم "الناس مع الوقت بتبدأ تتعود إنه خلاص مفيش خير أو أمل. ودي مشكلة، الاعتياد على شيئ بيكون تقبل ليه. و تكرار الأحكام الجائرة محاولة لتعويدنا على قبولها؛ فنلاقي نفسنا خلاص مفيش ألم أو استياء ورفض".

 ولأنها انتبهت إلى مثل هذا الشيء؛ اتخذت إجراءاتها "أنا بقاوم في نفسي إني أقول على أي حاجة من اللي حصلت دي "ما ده كان متوقع"، مش عايزة أوصل للمرحلة دي، ومش هوصل. وكل مرّة هقول ده ظلم. وعلشان كده مقاومة ليلى سويف واكرام يوسف ومنى وسناء سيف هتفضل ملهمة لينا".


اقرأ أيضًا| ساعات ما قبل الحكم: علاء وباقر وأكسجين أمام قضاء استثنائي وسلطة غاضبة

 

جرافيتي من مؤيدي علاء عبد الفتاح.

ما تلتزم به السيدة ربما هو الصواب، على الأقل من وجهة نظر الطبيبة بسمة، التي تُحذّر مما لكل هذه المشاعر السلبية من تبعات أبعد من النفسي أيضًا "الآثار اللي بتحصل بيكون منها كمان جسدي. لأن لمّا الإنسان بيوضع في موقف عجز كامل وضاغط على أعصابه بيبدأ يظهر في صورة أعراض جسدية بكل الأمور المحتملة، مثلاً  كالصداع أو مشاكل رؤية أو في القلب، وغيرها".

أصل الشرور

حذّرت بسمة من آثار المشاعر السلبية حيال كل ما هو خارج عن الإرادة. أما هالة، فتوصلت بعد تفكير إلى رفض شعور الذنب الذي كان ينتابها "أنا مش بحس بالذنب ولا عايزه حد يحس بيه أو بالندم، لأن اكتشف إنه أصل كل الشرور، ومن خلاله فيه باب خلفي لتبرئة مرتكبي الجُرم. ومش أنا اللي المفروض أحس بالذنب، وحتى المجرم مش عايزاها يحس بيه، أنا عايزاه يعترف بجرمه ويتعاقب عليه ويتوقف عنه".

لهذا كان لديها اقتراحات، قالت عنها "محتاجين جميعًا ننمي ثقافة إن مفيش جماعة واحدة ناجية. لا أحد آمن قبل أن يأمن الجميع. واللي حاسس بالذنب؛ يحاول تغيير الاتجاه والخطاب السائد. وده أمر مش سهل، وبييجي بوسائل مختلفة زي التواصل البشري والفن والثقافة والأدب".

بالمثل، ورغم إحساسها بـ"الألم الشديد"، ما زالت آمال عبد الهادي تتمسك بالمقاومة تجاه الوضع الحالي، وتختتم بالقول "أنا مصممة إني مش هقبل بده. وأنا ضد فكرة وصف الناس بالجبن أو الندالة. كلنا لينا لحظات ضعف إنساني، شك أو اكتئاب أو فقدان أمل. المهم اننا نسند بعضنا فيها علشان نقدر نتجاوزها".

تصالح ومقاومة

الضعف الذي تتحدث عنه عبد الهادي، هو نفسه ما يلحظه ناجي؛ فكانت له رؤية لتجاوز هذه المشاعر بعد مثل هذه الأحكام "أنا شايف إن الناس ماتلومش نفسها، ومتتخيلش إن حل كل المشاكل موجود جواها. دي مشكلة التخدير. إنك بتبقى فاكر إن الحل هيتوجد والدنيا هتبقى حلوه لما أحب نفسي".

ويختتم بتساؤل وإجابة تُشير إلى أهمية التصالح مع النفس "إنما إيه المشكلة إنك تتعايش مع إحساس إنك ندل أو خسيس؟ طيب ما هو أنا إنسان؛ فبعمل أخطاء. ووجود ضعف جوايا شيء طبيعي. وده مش شرط يكون بينطوي على جلد ذات، ده مجرد إقرار بحقيقة بقينا عايشينها واتطبعنا معاها".

قد يكون البعض تطبّع بالفعل مع ما يجري، كما يرى ناجي، لكن البعض الآخر قد يكون ما زال يتعرض لصدمات، ولهذا ينصحه هشام قاسم بقوله "رغم المفاجآت والصدمات دي، عامل ضميرك. ده المطلوب من كل واحد مننا، إنه يعامل ضميره في الحاجات دي، مش يعامل المواءمات".

يرفض قاسم المواءمات، ومثله بالضبط دكتورة بسمة عبد العزيز، التي تقول عن المسكّنات "بالنسبة لفكرة إن الناس تكمّل حياتها بشكل تكيفي. إزاي اطلب من الناس تبقى طبيعية في مثل هذه المواقف العبثية؟ أنا مع إن الناس تواجه الموقف مش تتكيف معاه. لكن أنا كمان عارفة إننا يمكن نكون دلوقتي منهكين من 2011 فمحتاجين هدنة، إنما إني أطلب التكيف، لأ".

وتختتم برؤية أوسع وبنظرة تفاؤلية وتقول "طبيعة المجتمعات إنها بتتعافى ذاتيًا. ومفيش حاجة بتفضل على حالها. والقمع مهما كانت قوته وقسوته مع الوقت بيوّلد ردود فعل. امتى؟ إزاي؟ مش معروف. لكن مش ممكن شيء بهذه العبثية يمر".

تتوقع الطبيبة انتهاء الأوضاع "العبثية"، ومثلها الآخرين كما اختتموا أحاديثهم بتأكيد ضرورة التمسّك بالأمل ومقاومة أي مشاعر تعقب سجن الرفقاء، وكأنهم بهذه الرؤية ورغم ما بهم من حزن وغضب، قرروا اتباعها، نصيحة الشاعر الراحل، درويش القائل "سأبقى بانتظار يومٍ جميل صنعته في مخيلتي"، يوم جماله بالنسبة لهم في خروج كل من غيّبتهم سجون.