تصميم: يوسف أيمن - المنصة.
-

كنت طالبة أزهرية: طريق الجنة عبر "معسكر التعذيب"

منشور الخميس 16 يونيو 2022

 

إذا كان الطريق إلى جهنّم مفروش بالنوايا الحسنة، فإنّ طريقنا إلى الجنة افتُرِش بالطاعة والخضوع والتلاشي. على طريق الجنّة، سرت مع رفيقاتي مسيرة عقد ونيف، أطعنا وخضعنا وتلاشينا، البعض منا اختفين بلا رجعة، دون أن ندرك جنتنا الموعودة، ظننت أني نسيت تلك الأيام حتى ساقني ذات صباح قريب، حديث مع إحدى الصديقات الجدد نحو ذكريات المدرسة. صُدِمَت صديقتي حين علمت أننّي كنت طالبة في معهد فتيات المعادي الأزهري النموذجي بشارع 5  في المعادي، بينما كانت هي في مدرسة لغات تجاور مدرستي.

لم تتخيل صديقتي أنّ مسارات حياتها ذات يوم ستتقاطع مع إحدى نزيلات "معسكر التعذيب" كما كانت هي وزملاؤها يطلقون على طالبات مدرستي، أخبرتني بأنّها ستعتبرني الناجية الوحيدة من مكان لطالما آثار فضولهم، وطالما تساءلوا عما يجري خلف أسواره الغامضة، لماذا نرتدي تلك الأزياء؟ من نحن؟ وماذا يُفعل بنا؟

فتح تعليق صديقتي شلالًا جارفًا من الذكريات، تنمر أبناء وبنات المدراس المجاورة علينا في مواعيد الخروج من المدرسة، السخرية من ملابسنا، النظر إلينا وكأننّا قادمات من القرون الوسطى بزيِّنا الرسمي الذي لا يشبه غيره أبدًا؛ جلباب طويل فضفاض بين اللون البني والأزرق، حسب كل مرحلة تعليمية.

في السنوات الأولى، كنت أشعر بالسوء كثيرًا لما أسمعه يوميًا. لكن لاحقًا تعوّدت وتعاملت مع الأمر بفوقية تامّة كوننا صاحبات دين وعلم وعقيدة، أما من كنَّ خارج السور فهنَّ بنات الجاهلية بلا جدال.  

اثتنا عشرة عامًا قضيتها طالبة خلف تلك الأسوار الغامضة، ضمن فتيات مقسمات إلى محجبات ومختمرات ومنتقبات، انتمي للفريق الثاني بينهن، أرتدي الخمار بشكله التقليدي الذي انتشر مطلع الألفية مع صعود نجم جماعة الإخوان المسلمين، وانتشار الخطاب السلفي المتشدد في مساجد المعادي وضواحيها.

لازلت أتذكر  درس الخميس في مسجد الفتح بشارع 9، مع النجم الأبرز لتلك الفترة الداعية محمود المصري، الذي يآتيه الجميع من كل حدب وصوب يفترشون أرض الشارع بأكمله، حتّى أنّ بعض الشباب كانوا يجلسون فوق جذوع الأشجار العتيدة من فرط التلهف لسماع خطبة الشيخ، في مشهد أسبوعي يشبه جمعة قندهار التي صدم منها المصريون بعد ثورة يناير 2011.

 

أكثر من مجرد معسكر

يكتنف التعليم الأزهري في مصر غموضًا لاحظته منذ طفولتي، عبر أحاديث وأسئلة الأقارب والجيران الدائمة عن مدارسنا، وكأننا نعيش في كوكب آخر، إذ لم ينتمِ أي فرد من عائلتنا قديمًا أو حديثًا إلى الأزهر، كانوا موزعين بين المدارس العامّة واللغات والكاثوليك، أمّا أنا فقدمني أبواي قربانًا للمعاهد الأزهرية في أواخر تسعينيات القرن الماضي.

بعدي، ألحق والداي أختي ثُمّ أخي الأصغر بذلك المعسكر، طمعًا في أن يلبسهما الله تاجًا يوم القيامة، كما ورد في الحديث "مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ، أُلْبِسَ وَالِدَاهُ تَاجًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ...". رغم اكتشافي لاحقًا أنّ الألباني ضعّف هذا الحديث، إلّا أنّ محققي السند حسنوه، ربما لأجل خاطر أبواي ومن حذا حذوهما.

اشتمل هذا الغموض على ما ندرسه، كانت النظرة العامة لي ولأخوتي أننّا نعاني من نظام تعليمي معقد وبلا جدوى في النهاية، نُجبر على الحجاب منذ سن الحضانة، ليفرض علينا إلى الأبد.

على مقاعد الدراسة انتفى أي شكل من أشكال التعددية والتنوع، كلنا مسلمات، سنّيات، إناث، محجبات من عمر الخامسة، اخترق هذا الجمود القليل من الوافدات من جنسيات عربية أخرى يمنيات، صوماليات، أفغانيات، وفلسطينيات كثيرات. رغم تعدد الجنسيات الأخرى، كانت بيئة المدرسة شديدة الانغلاق، كما حواضننا الاجتماعية التي قدمنا منها، الجميع من أبناء الصحوة الإسلامية على اختلاف درجات تطرفها الديني.

إلى جانب تعددية الجنسيات، كانت التعددية الطبقية ملمحًا هامًا داخل مدارس الأزهر. تحت سقف مدرسة واحدة، اجتمعن بنات أفقر الطبقات في القاهرة، وصولًا إلى بنات الطبقة الوسطى العليا، ومع دخول الجامعة تزداد التعددية الطبقية بقدوم الوافدات من الأقاليم المصرية الأشد فقرًا، وبنات من الطبقة الوسطى البرجوازية المتدينة يقطنّ "الكومباوند"، وطالبات من جنسيات مختلفة أغلبهن من دول شرق آسيا، ثمّ تركيا والهند والصين ودول إفريقيا جنوب الصحراء.

عبرنا من المرحلة الإبتدائية وتغيّر عالمنا، لم نعد أطفالًا بعد، هكذا أخبرني نقاب العديد من الزميلات اللاتي ارتدينه مع عبورهنّ إلى مرحلة الصبا، كان مصيري أخف وطأة بالتأكيد، لم يصل إلى النقاب، كان خمارًا طويلًا وعباءة فضفاضة منذ بلوغي المبكر في سن العاشرة. ساعتنا البيولوجية سريعة ومهمة، لا تغيّر أجسادنا فحسب، بل أيضًا ما نحن عليه وترسم مصيرنا خلف تلك الجدران الصماء لمدرستنا المنعزلة.

التلاشي 

امتد الواقع لما هو أبعد من النقاب، شيئًا فشيئًا، تختفي كل فترة واحدة من الزميلات دون أن يصلنا منها خبر، كانت الواقعة الأولى في الصف السادس الابتدائي، حين اختفت الشقيقتان أسماء وشيماء، أخبرتنا المعلمة عن نقلهما إلى مدرسة أخرى.

بعد عامين، أوقفتني في الطريق إلى المدرسة امرأة منتقبة تحمل طفلًا صغيرًا، سلمت عليَّ بحرارة دون أن أعرفها، أخبرتني أنّها شيماء أخت أسماء. كان وقع الصدمة شديدًا من لباسها الأسود، اعتقدت أنّ الرضيع أخاها، فصفعتني مرة ثانية، أنّه ابنها. عُقد لساني ولم أعرف ماذا أقول، شعرت بعد هذا اللقاء بوخز في قلبي، وضيق تنفس، وتشتت في التركيز، وتعرق مفرط استمر معي طول اليوم رغم أنّه صباح شتوي ممطر، صادقني هذا الشعور طويلًا ولن أنساه ما حييت.

استمر اختفاء الزميلات واحدة تلو الأخرى، في الصف الأول الاعدادي، من فصلي فقط الذي لم يتجاوز تعداده 30 فتاة، ذهبت اثنتان أدراج الرياح، عرفنا لاحقًا أنّ إحداهن تزوجت رجلاً ثلاثينيًا، قبل أن تكمل عامها الثالث عشر!.

الرد جاهز "تزوجت أمّ المؤمنين وهي بنت ست سنوات، ودخل بها النبي وهي بنت تسع"، تغرس تلك القصة غرسًا في عقولنا منذ الصغر، نحفظ القرآن منذ الخامسة ونقرأ الحديث والفقة وأحكام الشريعة منذ العاشرة، نعلم منذ طفولتنا الأولى أنّ الفتاة يمكن أن تتزوج منذ التاسعة حتّى قبل أن تحيض، لسنا أفضل من أم المؤمنين بالطبع، لكن من منّا ستتزوج رسول الله مرة أخرى!.

 

الخطر: زواج للقاصرات وختان

وسط أجواء قروسطية في أواخر التسعينات وحتى قيام ثورة يناير، وهي فترة التحاقي بالتعليم الأساسي ثم دخولي الجامعة، يبقى أي حديث عن وسطية وتنوير مؤسسة الأزهر مثير للضحك والشفقة.

مع بداية المرحلة الإعدادية، كانت آيات وهي إحدى زميلاتي اللاتي تنقبن تأتي كل أسبوع بإصابة جديدة من ضرب والدها، تاجر الأقمشة الثري العائد من الشيشان. له من الزوجات أربع، ومن البنات والبنين ما يتجاوز العشرين، هي نفسها لا تعرف بعض أخوتها رغم أنهم يقطنون العقار ذاته، ورثت زميلتي مرض الربو عن والدتها ومع ذلك أرغمها والدها على ارتداء النقاب كما أجبر والدتها.

رفضت الأم أن تنجر ابنتها إلى ذات المصير ووقفت أمام الأب لشهور، ينهال عليهما بالضرب يوميًا، ذات مرّة كسر أحد أضلع والدتها، ارتدت البنت النقاب، وكانت تعاني من صعوبة في التنفس، كنا نسمع صوت زفيرها عاليًا، لم يمر عام حتى اختفت هي الأخرى دون أن يعرف أحد مصيرها، لكنه متوقع.

الشعور بالخطر الدائم كان رفيق في تلك المرحلة العمرية الحرجة، القلق من أن تختفي زميلة أخرى خلف جدران منزل الزوجية المبكر. بدا الأمر بديهيًا، لم تقف إدارة المدرسة في وجه الأسر وهم يعلمون أنّهم يختطفون بناتهم لتزويجهنّ، رغم وجود جهات حكومية منوطة لمنعهم، وثمّة تشريعات لوقف ما يفعله هؤلاء المجرمون بحق بناتهم.

التطبيع مع زواج القاصرات والختان كان ملمحًا هامًا في مناهج التعليم الدينية وبشكل خاص أصول الفقه. كانت قصصنا مع الختان تحكى كمآسٍ نتشاركها في الحصص الفارغة، بين كل هؤلاء الطالبات لم تنجُ سوى واحدة، كل المدرسة تعرفها، لأنّها بالطبع المختلفة عن قطيع المختونات.

كانت لُبنى من أسرة عادية التدين، حتّى أنّ والديها سمحا لها بخلع الحجاب خارج المدرسة، كانت الناجية الوحيدة بيننا تضحك على مأساتنا الجماعية بسخرية وتعلن شعورها بحسن الحظ، كنا لا نصدق أنّها بلا حجاب خارج المدرسة، الوحيدة التي كنا نعرف شكلها دون حجاب، لم نكن نعرف أشكال بعضنا البعض دون خرقة بيضاء صارت جزءًا من أدمغتنا، تماهينا معها دون تخيّل أن نصير يومًا بدونها.

داخل المعسكر تُمنع الموسيقى

خلف أسوارنا المغلقة، بدا العالم مساحة شديدة الضيق، لا تتعدّى بوابات المدرسة، وأبواب منازلنا، نفتتح يومنا الدراسي بثلاث ساعات من حصص القرآن، تعقبها حصصَ المواد الشرعية (فقه، حديث، تفسير، سيرة نبوية، توحيد وعقيدة وأخلاق)، حتى اللغة العربية درسناها من ألفيّة ابن مالك وكتب عدّة كنا نحتاج إلى ترجمة عربيتها بأكثر من الحاجة لترجمة اللغة الإنجليزية.

النجاح الأكاديمي للفتيات لم يكن سوى تحصيل حاصل، من الطبيعي رسوب العشرات من كل الدفعات لمرة أو اثنتين، حتّى أنّ سماع أن نسبة النجاح في الثانوية الأزهرية تجاوزت الـ 50 % كما كان يأتينا عبر إذاعة القرآن الكريم التي لم نعرف غيرها، نعتبره انجازًا كبيرًا.

تبقى هذه مخرجات منطقية لنظام تعليمي بالٍ، مقدّم بلغّة مقعرة عفا عليها الزمن، طالما عجز كثير من معلمينا عن تفسير وشرح عبارات من زمن الجاهلية تحتاج أن يُبعث الفرزدق من مرقده لترجمتها.

لا أعرف حتّى اليوم ما فائدة أن يدرس طفل في الحادية عشرة من عمره أحكام الطهارة والاستنجاء وغسل الجنابة؟ وحفظ فتاوى وأحكام غير مفهومة، بشكل يشبه برمجة روبوت جديد للقيام بوظائف محددة؟ حتى دراسة العقيدة قُدمت لنا كوجبة سريعة لا تشتبك مع أفكار الفرق الأخرى بشكل حقيقي، ولم نعرف عنهم سوى قشور، المهم أنّ هذه القشور تؤول إلى أنّ هذه الفرق كلها في النار إلّا أهل السنّة والجماعة، ومن هم أهل السنة والجماعة؟ هم من حذوا حذو رسول الله وأصحابه فحسب.

كان هذا كفيلًا أن يغرس في عقولنا كأطفال بأنّ كل من نختلف معهم منبوذين، خارجين عن العقيدة، حتّى لو شهدوا ألا إله إلّا الله وأنّ محمد رسول الله؛ فما بالنا باليهود والأقباط؟.

وفي المقابل، تُحرم المعاهد الأزهرية من تعليم الموسيقى الموجود بالمدارس الحكومية حتّى ولو بشكل صوري، المهم أنّ مدرستنا لم يوجد بها آلة موسيقية ولا حتّى ملعب للتريّض، بينما كانت أصوات الآت الموسيقية المتداخلة تشق آذاننا في طابور الصباح من المدارس المجاورة، كنا نستمع إلى تلاوة قرآنية بصوت محمود خليل الحصري.

نحو النجاة

وما بين الخضوع للدرس كاملًا داخل معسكر الأزهر، أو الخروج منه للزواج قاصرات، تفرق مصيرنا نحن فتيات معهد المعادي الأزهري، كانت السنوات تلو الأخرى تكشف مصير مختفيات جدد، سمعت أخبارهنّ من بعض الزميلات عن زواجهنّ برجال ملتزمين، والتقيت كثيرات منهنّ صدفة يعبرن عن فرحتهن بأنني أستكمل دراستي. بات الموقف مألوفًا، أتخفف أنا من حدّة حجابي وأخلع الخمار بينما تدخل كل مختطفة من رفيقاتي حلبة السباق البيولوجي نجو انجاب المزيد من الأطفال.


اقرأ أيضًا| أروقة الأزهر: مواجهة ناعمة مع التيار السلفي

 


تبددت فقاعتي الخاصة شيئًا فشيئًا، حتّى اقتربت مرحلة عنق الزجاجة أو دخول الجامعة، ظللت أترقب في حذر، ومع آخر يوم في امتحانات الثانوية الأزهرية، وصل بي الانهيار ذروته، للمرة الأولى أذوق طعم الاكتئاب الحقيقي كما عرفته لاحقًا، نفضت عني غبار الحزن المتراكم، وطرت إلى مدينة العريش حيث يسكن جزءًا من العائلة، كان الليل قد حلّ بوصولي، عاندته ونزلت إلى البحر أغسل عن روحي هذا الثقل، ثمّ نمت طويلًا.

مع الوقت والتجارب والتفكير على مدار سنوات، تحررت من كل ذلك، وظننت أني نسيت، حتى التقيت صديقتي التي وصفتني بـ"الناجية الأولى والأخيرة من معسكر التعذيب".