فندق ونتربالاس الأقصر. صورة برخصة المشاع الإبداعي: ويكيبيديا
-

لماذا يضع الخليج عينه على الفنادق الحكومية في مصر ؟

منشور الخميس 30 يونيو 2022

تستعد الدولة لطرح حزمة من الفنادق التابعة لها ضمن برنامج بيع الأصول المصرية الذي أطلق العام الجاري بهدف جذب 10 مليارات دولارات من الاستثمارات الأجنبية سنويًا، تساهم في تخفيف حدة أزمة ضعف تدفقات النقد الأجنبي.

واللافت أنه بمجرد إعلان الدولة عن نيتها طرح أصولها الفندقية، أبدى مستثمرون عرب، وعلى الأخص صندوق الثروة السيادي السعوي، حرصه البالغ على اقتناص الصفقة، وذلك بالرغم من أن عملية الطرح تأتي وسط تراجع نشاط السياحة في مصر لأسباب عدة أبرزها الحرب الروسية الأوكرانية.

قصة الشركة الجديدة

تخطط وزارة قطاع الأعمال العام – المالكة المباشرة للفنادق الحكومية عبر شركتها القابضة للسياحة والفنادق – لتأسيس شركة جديدة تجمع تحت مظلتها حزمة من الفنادق الحكومية، على أن يجري لاحقًا طرح 20% إلى 30% من أسهم هذه الشركة للبيع للمستثمرين.

وتعمل الدولة في الوقت الراهن على إشراك المستثمرين المحتمل دخولهم في هذه الصفقة في اختيار الفنادق التي ستقع تحت مظلة الشركة الوليدة، وبحسب حديث مسؤول قيادي بالشركة القابضة للسياحة والفنادق للمنصة فإن الفنادق التي استقر على ضمها تحت مظلة الشركة هي ماريوت القاهرة، ومينا هاوس الهرم، وكتراكت أسوان، ووينتر بالاس الأقصر، وموفينبيك أسوان، وسيسيل بالإسكندرية.

وبعد الطرح المرتقب، تؤول ملكية الشركة إلى المستثمر الفائز بصفقة الخصخصة، وشريكه الحكومي في الفنادق المتمثل في شركة "إيجوث" التي تمتلك حصصًا رئيسية في الفنادق المشار إليها.

وإيجوث هي الشركة المصرية العامة للسياحة والفنادق، التي تأسست في العام 1976، ويبلغ رأسمالها نحو مليار جنيه، وتمتلك 14 فندقًا، وتقع تحت سيطرتها الفنادق المقرر نقلها للشركة الجديدة، وجميعها من فئة الخمس نجوم، وتتمتع بعلامة تجارية شهيرة وتديرها شركات أجنبية، كما تبلغ قيمة الأصول المملوكة لإيجوث نحو 3.9 مليار جنيه وفقًا لبيانات العام المالي 2018-2019.

وتغلب على الفنادق المرشحة للخصخصة السمة التاريخية، ويعود بعضها إلى القرن التاسع عشر، مثل فندق ميناهاوس الهرم الذي تأسس عام 1869 ويقع على مساحة تتجاوز الـ 29 فدانًا، وفندق ونتر بالاس الأقصر الذي تأسس عام 1895، وسوفيتيل ليجند كتراكت أسوان الذي يعود إلى العام 1899 وجرت أعمال تجديده عام 1963، وماريوت القاهرة الذي أعيد افتتاحه في العام 1982، وموفينبيك أسوان الذي تأسس عام 1994.

 

فندق كتراكت أسوان. صورة برخصة المشاع الإبداعي- ويكيبيديا

وعلى الرغم من قِدم حالة الكثير منها، فإنها تمثل منافسًا قويًا لفنادق القطاع الخاص، بفضل أعمال تطوير جرت فيها خاصة خلال السنوات الأخيرة، إذ شرعت الدولة مؤخرًا في تطوير فندق ماريوت مينا هاوس، وتضمنت أعمال التطوير أيضًا سيسيل وونتر بالاس، كذلك في العام 2017 أجرت تطويرًا جزئيًا لفندق ماريوت القاهرة، وهي عمليات تُنفذ سواء بتمويل ذاتي من القابضة أو من خلال قروض بنكية لصالح الشركة المالكة للفندق والتي غالبًا ما تكون إيجوث.

كما تركت الدولة إدارة هذه الفنادق لشركات عالمية، وأولت لها مهمة تسويق غرفها الفندقية، ما جعلها في مستوى فنادق القطاع الخاص، وجميعها عوامل تعزز من فرص خصخصتها، لكن توقيت الخصخصة مع تأثر السياحة في مصر بالأجواء العالمية يثير الكثير من علامات الاستفهام؟

الخصخصة في زمن الركود

"الفنادق بتكسب" كما أكد لنا المصدر، وإن لم يذكر بشكل محدد حجم هذه المكاسب، فإنه أشار إلى أن فرصها في الربح تعتمد على انتشارها في مناطق جغرافية متنوعة ما يجعل لكل فندق موسم ذروة في وقت معين من السنة، "الشركة القابضة لديها محفظة كبيرة من الفنادق المنتشرة في أماكن مختلفة تُغطي طلبات المواسم السياحية المختلفة، لذلك فهي فرصة استثمار جيدة للغاية"، على حد قول المصدر.

وترى الدولة، بحسب المصدر، أن دخول مستثمر خاص في إدارة الفنادق يساعد على تجاوز مصاعب نشاط السياحة الراهنة، حاصة وأن الحكومة تعول على أن ينفذ المستثمر المزيدَ من أعمال التطوير في المنشآت محل التخصيص، ما يجعلها أكثر قدرة على جذب السياحة الوافدة.

وتعرضت السياحة المصرية لضربات متتالية أبرزها تحطم طائرة ركاب روسية في 2015، ثم انحسار حركة السياحة العالمية بسبب جائحة كورونا، وأخيرًا الحرب الروسية الأوكرانية التي تؤثر على تدفق الروس لمصر ، في ظل ما تمثله السياحة الأوروبية من نصف السياحة الوافدة تقريبًا.

وظهرت آثار تلك الأزمات على حجم النشاط السياحي، الذي تراجع وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء من 135.3 مليون ليلة سياحية في 2019 إلى نحو 43 مليون ليلة في 2020، وتراجعت السياحة الأوروبية في نفس العام إلى من 72.4 مليون ليلة سياحية إلى نحو 22 مليونًا.

وانعكست تلك التراجعات على البيانات المالية للشركة القابضة للسياحة، التي انخفضت إيراداتها في 2020-2021 بنحو 55%، كذلك تراجعت إيرادات إيجوث في العام نفسه بنحو 80% وتحولت إلى الخسارة الصافية.

لكن مصدر منفصل بشركة إيجوث قريب من إدارة الشركة، قال للمنصة، إن الشركة تعافت خلال العام المالي الجاري (ينتهي في 30 يونيو/ حزيران 2022)، وتمكنت من التحول للربح، بعد إلغاء العديد من الدول لقرارات الإغلاق بسبب جائحة كوفيد-19، لكن المصدر ذاته تحفظ على ذكر البيانات المالية حتى اعتماد قوائم الشركة.

وتراهن الدولة على تعويض تراجع السياحة الروسية من خلال استقطاب مزيد من السياح من دول الخليج العربي وبريطانيا وإيطاليا وألمانيا وإسرائيل، وفقًا لما قاله وزير المالية لقناة الشرق بلومبرج.

وبينما تقع العديد من الفنادق المرشحة للخصخصة في نطاق السياحة الثقافية، سواء تلك المطلة على أهرامات الجيزة أو الموجودة في صعيد مصر، فإن محمد عثمان، رئيس لجنة تسويق السياحة الثقافية في مصر (وهي مؤسسة مجتمع مدني تضم عددًا من المستثمرين)، يرى أن هذا اللون من السياحة معرض للصعود خلال الفترة المقبلة، ويقول "نحن أكثر دولة استقيظت بعد كورونا، الأقصر فيها طلب في موسم الشتاء وانعكس على نسب الاشغالات والإنفاق اليومي للسائح، ورجعنا لمستوى ما قبل الجائحة".

ويضيف "اليابانيون سيعودون بقوة إلى مصر خلال شهر أكتوبر المقبل، والسياحة الكورية الجنوبية التي اختفت منذ سنوات ستعود العام الجاري، كما أن فتح الطيران من قطر إلى الأقصر سيجلب السياح من الدول الأسيوية" بحسب عثمان.

هل نُعيد أخطاء الماضي؟

بصرف النظر عن اختلاف التوقعات بشأن مستقبل السياحة المصرية في الأجل القريب، فالمؤكد أن فنادق الدولة جذابة لأعين المستثمرين الخليجيين، ومثل هذه الصفقات المحتملة تثير الكثير من الشجون عن صفقات مماثلة جرت مع مستثمرين عرب، وأسفرت عن مشكلات لا يزال بعضها قائمًا حتى الآن.

ومع بداية برنامج الخصخصة في ثمانينيات القرن العشرين، كانت الفنادق من أولى أصول الدولة المرشحة للبيع، ربما بسبب عدم أهميتها القومية مثل الصناعات الاستراتيجية، وعلى الرغم من ذلك لاقت فكرة خصخصتها مقاومة قوية من داخل النظام الحاكم وقتها، ومن أشهر المشاهد الدالة على ذلك، تصدي رئيس مجلس الشعب الأسبق رفعت المحجوب لخصخصة فندق سان ستيفانو في الإسكندرية في العام 1988، قائلًا تعليقه الشهير خلال جلسة نهاية الثمانينيات "النهاردة حنسمح ببيع الفنادق، وبكرة حنسمح ببيع المصانع والشركات والمستشفيات".

ومع ذلك تمت خصخصة الفندق لصالح مجموعة تضم شركة المملكة القابضة والمملوكة للأمير الوليد بن طلال، قبل أن يُهدم المبنى الأثري للفندق ويُقام بدلًا منه البرج الشاهق المطل على كورنيش الإسكندرية.


اقرأ أيضًا| الرحلة نحو خصخصة "بوليصة" مصر لتأمينات الحياة

 

مقر شركة التأمين الأهلية في القاهرة. الصورة من ويكيميديا - برخصة المشاع الإبداعي

ومن الصفقات المثيرة للجدل أيضًا خصخصة فندق الميريديان القديم، الذي استحوذت عليه الشركة السعودية المصرية للتنمية السياحية، ولم تستثمر في المبنى التاريخي، لكنها تركته مغلقًا وركزت أعمالها على استثمار أرض الفندق في بناء البرج الفندقي الشاهق على ضفاف النيل، جراند حياة، ويرى الكثيرون أن غلق المبنى الأثري يعد إهدارًا لأصول تراثية مصرية.

لكن مصدرنا بالشركة القابضة يؤكد حرص الدولة على أن يكون دخول القطاع الخاص في الفنادق المرشحة للبيع، بهدف تطويرها وتعزيز قدرتها على المنافسة. ويضيف أنه من المقرر إجراء تقييم للأصول المقرر طرحها للبيع، ومراعاة تحقيق الدولة لأكبر عائد مالي ممكن، ويقول "التقييم الحالي للفنادق على أساس القيمة الدفترية، لكنه عند نقل الفنادق للشركة الجديدة سيتم تقييم الأصول بالقيمة السوقية، مع اﻷخذ في الاعتبار مساحة المبنى وتاريخه ومقتنياته، وقيمة المبنى المعنوية إذا كان قصرًا تاريخيًا".

وبحسب بيانات جهاز الإحصاء الرسمي فإن الطاقة الفندقية تضاعفت ثلاث مرات تقريبًا، خلال الفترة بين بدء برنامج الخصخصة حتى وقت قريب، وارتفعت من 51.2 ألف غرفة في 1990 إلى 163.6 ألف غرفة في 2019.

ويرى عثمان أن القطاع الخاص ساهم في تطوير مجال السياحة، ما يجعل المزيد من الخصخصة فرصة أكبر للتطوير، معتبرًا أن "مصر تنفست سياحيًا بسبب الأفكار التي جلبها المستثمرون الأجانب، والطيران العارض "شارتر" هو ما جعل الغردقة وشرم الشيخ معروفتين عالميًا، وهي باﻷص فكرة قدمها مستثمر ألماني".

و يرى عثمان أن إدارة المنشآت السياحية من قبل الشركات الخاصة يزيد من بريقها، ويضرب مثالًا على ذلك بفندق ماريوت الزمالك، ويقول "عاصرت الفندق عندما كان مسماه عمر الخيام، وأراه الآن بعد إدارته من شركة الماريوت العالمية، اختلف تمامًا وأصبح له بريق".

ويشير عثمان إلى أن القطاع الخاص يسيطر بالفعل على السياحة الثقافية في صعيد مصر، ما يؤكد على تميزه في هذا المجال، "نسبة الفنادق الحكومية في المنطقة ما بين المنيا إلى أسوان لا تتجاوز 15 – 20%، وفي الأقصر لدينا فندق حكومي واحد وهو وينتر بالاس، وفي أسوان فندقي كتراكت وموفنبيك".

أما في القاهرة، فتعتمد السياحة على سياحة المؤتمرات والسياحة التجارية (المعارض – الندوات – المنتدى) والوفود، "وهو موديل مرتفع التكلفة ويحتاج لكثير من الإنفاق، ولذلك فوجود مستثمر أجنبي يدعم تطوره" كما يضيف عثمان.