الساحل الشمالي، مصر. - موقع شركة إعمار

رحلة البحث عن الألف القادرين على شراء "الڤيلات"

منشور الاثنين 8 أغسطس 2022

بالمنطق الطبيعي في التفكير، فشلت في فهم أسباب ودوافع تملك بعض الأثرياء لڤيلات شركة إعمار الجديدة في الساحل الشمالي، نعم هي بالضبط: تلك التي يقترب سعرها من المائة مليون جنيه.   

سر عدم الفهم هو اعتقادي، منذ اللحظة الأولى، أن هؤلاء الذين فعلوا فعلتهم ليسوا بشرًا عاديين، بل خارقين للقواعد العادية الخاضعة للمنطق، التي تعتبر أن أحدًا، غير خارق، لا يمكن أن يملك نحو 88 مليونًا "على جنب"، يستطيع أن يشتري بهم ڤيلا لطيفة في مكان لطيف! 

وسط دهشة الحسابات وصدمتها وصلت إلى سؤال ثان: مَن هؤلاء؟ 

تقارير المؤسسات الدولية التي ترصد أعداد الأغنياء في أفريقيا يمكن أن تساعد قليلًا في البحث عن إجابة متماسكة لهذا السؤال. 

بحسب تقرير مؤسسة هينلي آند بارتنرز، المتخصصة في فرص الاستثمار عن الثروات في أفريقيا، الصادر في مايو/ أيار 2022، فإن مصر بها نحو 17 ألف مليونير. وهؤلاء، حسب المؤسسة، هم الذين يمتلكون من مليون وحتى 10 ملايين دولار، أي أن الـ17 ألف مليونير، حسب التقرير، هم من يمتلكون ثروة تبدأ من العشرين مليون جنيه تقريبًا وحتى المائتي مليون. 

إن صدقت الحسابات العادية في موضوع ليس عاديًا، فإن هؤلاء أبرياء من فعلة شراء هذه الڤيلات المليونية، فلا يمكن بحسابات العقل أن يشتري من يملك، في الحد الأقصى، 200 مليون ڤيلا يصل سعرها إلى نصف ثروته تقريبًا. 

الآن نستطيع أن نصل إلى المعلومة التالية في التقرير، لعلها تستطيع المساعدة في البحث عن هؤلاء الخارقين والخارقات.

فالفئة الثانية من أثرياء مصر هم من يطلق عليهم "المالتي مليونير" وهم الذين يملكون أكثر من 10 ملايين دولار وحتى 100 مليون دولار، ويبلغ عددهم، حسب التقرير، 880 شخصًا فقط. 

أي أن ثرواتهم تبدأ بنحو 200 مليون وحتى ملياري جنيه بالعملة المصرية. 

هؤلاء يستطيعون، بلا شك، شراء ڤيلات "إعمار" المليونية، فبعضهم تتعدى ثروته المليار جنيه بما يمكن وقتها تفهم التضحية بعشرة في المئة، أو أقل، من ثروته، للحصول على ڤيلا الأحلام على البحر المتوسط في ساحل مصر الشمالي.

يبدو الرقم الذي أعلنته المؤسسة حول أعداد الأغنياء في بلدنا صادمًا، ففي مصر أقل من 880 مواطنًا قادرين على شراء الڤيلا المليونية، بينما البقية الباقية من شعب يتعدى المئة مليون مواطن، سيتابعون عبر وسائل الإعلام والسوشيال ميديا احتفالات "وحجوزات" أهل الڤيلات في دولة مصر الشقيقة.

وطبعا لن ننسى أن هؤلاء ال 880 سيشاركهم في المقدرة على الشراء، حسب التقرير، 57 شخصًا تصل ثروتهم إلى أكثر من مائة مليون دولار، و7 فقط تتعدى ثروتهم المليار دولار. 

الثراء في حد ذاته ليس جريمة، ومن حق الجميع أن يسعى إليه، ولكن مع ضمان أن يكون هذا الثراء مشروعًا، وأن يبتعد من يحلم به عن كل صور الفساد والانحراف ومخالفة القوانين

بينما يرصد تقرير هينلي آند بارتنرز عدد الأثرياء في مصر، قدّر التقرير الأخير الذي أصدره جهاز التعبئة والإحصاء في أكتوبر/تشرين عام 2021 عدد الفقراء حتى نهاية عام 2020 بنحو 29.7% من المصريين، أي أن الأرقام الرسمية نفسها تشهد أن مصر بها أكثر من 35 مليون فقير، على فرضية ثبات نفس النسب في 2022.

فضلًا عمّا ذكره تقرير جهاز الإحصاء عن أن 4.5% من أبناء الشعب يعيشون في "فقر مدقع"، ويعرف الاقتصاديون من يعيشون في الفقر المدقع بأنهم المواطنون الذي لا يستطيعون توفير غذائهم اليومي بشكل منتظم، وبالأرقام الرسمية نفسها يصل عدد هؤلاء لنحو 5 ملايين مواطن.  

بمقارنة بسيطة، بين أقل من ألف مواطن يستطيعون شراء ڤيلات يصل سعرها لنحو مائة مليون، وبين ملايين الفقراء الذين يفشل بعضهم في توفير غذاءه اليومي، يبدو مشهد ڤيلات الساحل وإعمار صادمًا وكئيبًا لأبعد مدى.

السؤال حول مَن هؤلاء لا يمكن، ولا يجب، أن يتوقف عند حدود عددهم، فرغم قلة المعلومات التي يمكن أن نصل إليها في تلك الموضوعات، من الطبيعي أن تُثار أسئلة أخرى لا تقل أهمية. فإذا كان العدد لا يتجاوز المئات من القادرين على الشراء، نستطيع أن نفترض أنهم نخبة البلد الاقتصادية من رجال الأعمال مثلًا، وإذا كانت هناك طريقة للوصول لأعداد هؤلاء، فهناك صعوبة حقيقية في الوصول إلى أسمائهم وطبيعة نشاطهم الاقتصادي.

ولكن تبقى أسئلة أخرى: إذا كانت النسبة الأكبر من الوحدات ذهبت بالفعل لرجال الأعمال الذين يمتلكون الملايين، فهل هناك رجال أعمال من الحاجزين للڤيلات لهم تعاملات مع الحكومة أو الشركات والهيئات العامة؟ إذا كانت الإجابة بنعم، فالسؤال الذي يليه: هل تقدم هؤلاء بإقرارات الذمة المالية التي يفرضها القانون على كل المتعاملين من رجال الأعمال مع الشركات والهيئات العامة؟

وقتها يحق لجهاز الكسب غير المشروع، حسب القانون، مطالبة هؤلاء بتقديم إقرارات الذمة المالية ليراجع ثرواتهم ونسب زيادتها وطبيعة وكيفية الحصول عليها. 

الثراء في حد ذاته ليس جريمة، ومن حق الجميع أن يسعى إليه، ولكن مع ضمان أن يكون هذا الثراء مشروعًا، وأن يبتعد من يحلم به عن كل صور الفساد والانحراف ومخالفة القوانين. وقتها من حق الجميع الاستمتاع بما حققه بالشكل الذي يحلو له، لكن الطبيعي أيضًا أن البلدان التي تفتقد للشفافية وسيادة القانون يكون البحث والسؤال عن هؤلاء الأثرياء مشروعًا. 

الحقيقة أنه يبدو أننا مطالبون بالبحث أيضًا في موضوعات أعمق بكثير من قصة الڤيلات، موضوعات لا تبدأ عند أعداد الأثرياء في مصر، وتراكم الثروات في مواجهة نسب الفقر، وطبيعة وجود رقابة حقيقية على ثروات الأغنياء. رقابة نظمها القانون نفسه وشكّل العديد من الأجهزة الرقابية التي يقوم دورها أصلًا على مكافحة الفساد وفرض وتأكيد الشفافية، وضمان تكافؤ الفرص بين الجميع، وترسيخ نزاهة مجتمع الأعمال، وابتعاده عن كل صور الفساد والانحراف والاحتكار.