سهير فهمي بين أصدقائها وتلاميذها - أرشيف الكاتبة

سهير فهمي: في وداع صاحبة الابتسامة الأجمل

منشور الخميس 25 أغسطس 2022

في المقر المؤقت لـلأهرام إبدو قبل تدشين الصحيفة في 1994، كان العمل يسير كخلية نحل، كانت هناك... تناديها صحفيات شابات أصغر منها في العمر باسمها الأول: سهير، بدلًا من أستاذة سهير، فهي لا ترضى بالألقاب كما لا ترضى بأي مظاهر احترام مصطنعة؛ فصرتُ أناديها باسمها، قبل أن نصبح صديقتين وأناديها لاحقًا ودائمًا "سوزي".

كان ذلك بالنسبة لي هو أول كسر لتابو الألقاب في مؤسسة الأهرام العريقة، التي يتباهى الصحفي بانتمائه إليها وبحرف الألف المقرونة باسمه. ثم استمرت سهير في تجاوز الخطوط الحدية العقيمة بمرونة وسلاسة دون أي صدام، كأن تؤمن بشدة بمسؤولية صاحب القلم صحفيًا كان أو صحفية، كلاهما لديه مسؤولية احتراف المهنة، ولا يجوز أن تتبرم الصحفية من ساعات العمل وامتدادها لوقت متأخر أو من السفر لتغطية مهمة ما، أو أن تنظر إلى نفسها كفردٍ فاقد الأهلية يحتاج إلى الدعم والسند، "أنت صحفية"، تقولها بفخر كما لو كانت تتحدث مع ملكة متوجة.

بعد وفاتها، خصصت الإبدو ملفًا خاصًا نعت فيه الصحفية والمترجمة والناقدة السينمائية سهير فهمي، التي رحلت عن دنيانا، في التاسع الشهر الجاري، وكانت أحد أعمدة ومؤسسي الجريدة جنبًا إلى جنب مع الكاتب محمد سلماوي في التسعينيات.

في ذلك الملف الفاتن، لم تخلُ كلمة أو شهادة من شهادات الأصدقاء من ذكر ابتسامة سهير الآسرة، أو قل مفتاح شخصيتها، "العتبة" التي تستقبل بها الآخر وتدعوه بكرم للدخول إلى قلبها وفتح قلبه على مصراعيه لها، هل يمكن أن نصف الابتسامة بالكريمة؟ ابتسامة كريمة تمامًا مثل صفة الكرم لديها، الصفة التي لا تنبع من الوفرة؛ بل من محبة الآخر ومحبة العطاء.

الكاتبة سهير فهمي

تملك سهير وجوهًا عدّة، فهي المعيدة في قسم اللغة الفرنسية بكلية الآداب بجامعة القاهرة، التي شاركت في الحركة الطلابية في السبعينيات من القرن الفائت، وهي طالبة العلم التي جابت شوارع باريس والتهمت الثقافة الباريسية والفنون، وهي الوطنية الغيورة التي التحقت بلجنة الدفاع عن الثقافة القومية، التي تكونت في حزب التجمع من أجل التصدي للتطبيع مع العدو الإسرائيلي في بداية الثمانينيات، وهي التي قاربت المفكر الناصري والكاتب الصحفي المرموق محمد عودة، وصارت من أعز تلاميذه وأصدقائه وكونت صداقات تاريخية مع معظم مثقفي وكتاب الستينيات الذين تحلقوا جميعًا حول كاريزما "الأستاذ عودة" ورحابة عالمه.

هذه العوالم الثرية التي عاشتها فهمي تشابكت جميعها عندما احترفت الصحافة متأخرًا نسبيًا في مسيرتها، مع بداية تأسيس الأهرام إبدو، كما لو أنها خُلقِت لتكون صحفية تعي معنى الحرية المعجونة بالمسؤولية التي تتألف منها الصحافة، فكان وجه الصحفية المترجمة هو الوجه الذي عرفتها به عن قرب حين عملت معها في صفحات الأدب والفكر والفنون التي كانت تشرف عليها.

بالفعل كانت بوصلتها في الكتابة هي الفكر الحر، هذا الذي عرفته ومارسته من خلال تعمقها في المدارس الفلسفية المختلفة. فصفحات الإبدو مفتوحة لشطحات الشباب آنذاك ونقدهم اللاذع الجريء، مثلما كان قلب سهير مفتوحًا للجميع.

على مدى سنوات، مرّت على قسم الأدب والفنون أقلامٌ صار أصحابها من الكتاب الصحفيين والنقاد الراسخين مثل وائل رجب الذي رحل عن دنيانا في شرخ الشباب وفي قمة توهجه الإبداعي، وداليا شمس وأمينة حسن وأحمد عاطف ولمياء الساداتي وهيثم خشبة ونيفين لمعي وياسر محب ومي سليم وعمرو عبد المعطي حجازي.

في التسعينيات كانت الأهرام إبدو والأهرام ويكلي تقدمان صحافة مختلفة عن السائد، صحيح أنهما كانتا تتبعان مدرسة الأهرام في عرض الرأي الرسمي والاتجاه المعارض بنوع من التوازن والمحافظة، لكن تجربتيّ الابدو والويكلي أضافتا نوعًا من الانفتاح الفكري بسبب اطلاعهما واشتباكهما مع الصحافة العالمية.

وفي هذا الإطار كانت سهير ترحب بالكتابات الصحفية أيّا كان انتماؤها الفكري شريطة أن تكون كتابة مسؤولة وبها اتساق مع النفس.

قد يبدو الحديث عن الالتزام ورحابة الفكر يحمل كثير من الجدية، لكنّ الأمر لم يكن يخلُ من المرح في صحبة سوزي صاحبة الابتسامة الكريمة، ضحكنا كثيرًا في قسم يجمع محرري الأدب والفكر والسينما والفن التشكيلي والمسرح والموسيقى، قسم يجمع بين العديد من المتناقضات إلى درجة كان بعض الزملاء من أقسام أخرى "ثقيلة" يأتون لحضور الاجتماع الأسبوعي، مثل جمهور المشاهدين ويداعبون سهير قائلين "إحنا حاجزين تذاكر في الصفوف الأولى".

تضحك سهير ونضحك، وحين تأتي إليها صحفية شابة تحمل على كاهلها هموم العالم ولا تستطيع أن تشاركنا أوقات المرح ولا تلتقط الدعابة بسهولة، كانت سوزي تشفق عليها، إذ لم تكن تتخيل وجود شخص حُرم من نعمة الضحك والفكاهة، فصارت جملتها الشهيرة التي تختم بها حديثها "هاء.. هزار".

أما لحظات الضحك الصافي فكانت كثيرًا ما تحدث أثناء جلوسي معها لساعات أمام شاشة الكمبيوتر لمراجعة ترجمة أدبية (على مدى 18 عامًا قدّم الإبدو لقارئه ترجمة أسبوعية للفرنسية من قصص وفصول من روايات لأدباء عرب ومصريين عديدين) أقرأ النص الأصلي بالعربية بينما تدقق الترجمة الفرنسية، وعند جملة مقتطعة من سياقها لمشهد عاطفي ساخن، أو لشجار شعبي عنيف أو غيرها من الجمل الرنانة في النص الأدبي، يمر زميل في طريقه لمكتبه وتستوقفه الجملة وينظر إلينا في تعجب كمن يقول "ما هذا القسم الذي يعيش في كوكب آخر"، عند هذه اللحظة تنظر إحدانا إلى الأخرى وننفجر في الضحك.

أشرفت سهير  على ترجمة عشرات من النصوص إلى الفرنسية، كما ترجمت بنفسها قبل أن تتخفف الجريدة من الصفحة التي تقدم خدمة مميزة للقارىء، لو جمعت النصوص في كتاب لتكونت أنطولوجيا عظيمة للأدب العربي.

كما قدمت أيضًا للثقافة الفرنسية ترجمات روائية مميزة مثل لا أحد ينام في الإسكندرية لإبراهيم عبد المجيد، والحب في المنفى لبهاء طاهر، وشاركت في ترجمة ثلاثية جولبيري أفلاطون إلى العربية مع كل من نجاة بلحاتم وماجدة الريدي.

سهير فهمي ودينا قابيل

أثناء مرضها الأخير كان يأتيني صوتها على الهاتف بكل إشراق وحيوية تطمأنني أنها تتحسن وأن الأمور ستأخذ وقتًا، لكن المهم أن يكون هناك تغير في الحالة.

وفي إحدى جلساتنا الأخيرة ورغم صعوبة حركتها وجلوسها، لم تكن ترى في المرض عائقًا، بل كانت تستعد للمشاركة في تحكيم جوائز ساويرس الأدبية. كنتُ أستمع إليها بإعجاب وأقول في نفسي "سهير صديقتي لديها نعمة حب الحياة".

سلام يا صديقتي.. ستظل ابتسامتُك المضيئة نبراسًا يذكرنا بمعاني الإنسانية المفتقدة.