كان وعدي ناقصًا لأني لا أملك فعل الحياة نفسه، ولكني أملك الإرادة. - marta ... maduixaaaa فليكر- برخصة المشاع الإبداعي

كل عدة سنوات أجدد عقدي مع الحياة

منشور السبت 17 سبتمبر 2022

في عام 2014 تعرضت لأزمة صحية حادة بسبب خطأ طبي أثناء إجراء عملية بسيطة. ومنذ أيام تعرضت أيضًا لأزمة مشابهة بدأت بتشخيص حالتي: أنيميا حادة، ووصل منسوب الهيموجلوبين في الدم إلى 5.6، وهو منسوب منخفض جدًا بسببه تحول الجسم إلى كائن عاطل يتنفس نعم لكنه لا يقوى على الحركة.

بدأت في علاج الأنيميا بعمليات متكررة من نقل الدم والمبيت في المستشفيات لليلة واحدة، إضافة لأدوية ومحاليل الحديد، وغيرها، لكن سرعان ما ترتفع تلك النسبة وتعود تنخفض.

كان السبب في انخفاض في نسبة الهيموجلوبين، بحسب التشخيص، إما تكسير مناعي في كرات الدم الحمراء، أو تسريب في الدم في مكان ما في الجهاز الهضمي.

فجعني مصطلح "التسريب"، كما شبهته طبيبتي بـ"حنفية مفتوحة بتنقط". هذه النقاط المهدرة من دمي أين تذهب ومن أين تأتي؟ كان ذلك سؤالي ومصدر تساؤل طبيبتي أيضًا. السؤال الذي ظل طويلًا دون إجابة، حتى بعد إجراء تحاليل عدّة نفت وجود ذلك التسريب. خلال تلك الفترة احتلت جسمي حالة من الوهن المستمر، حتى لم أعد أتعرف عليه.

توصلت زوجتي، بعد استشارة قريبات لها يعملن في مجال الطب إلى ضرورة عمل منظار على الجهاز الهضمي، ورغم أن التحاليل تشير لعدم وجود التسريب، كنت أشعر أن جسمي يتسرب من ذلك الثقب ويسبح بلا رجعة مع قطرات الدماء التي لم تظهر في التحاليل.

لكن مع المنظار والدخول لعمق الجسم اكتشف وجود قرحة قديمة في المعدة ما زالت نشطة، خصوصًا بعد ظهور مرحلة التقيؤ الدموي. ومعها بدأت مرحلة جديدة من المواجهات سواء مع نفسي أو مع الجسم نفسه .

***

خلال تلك الفترة ومع كم التحاليل التي أجريتها، أصبحت على علاقة متوترة، صعودًا وهبوطًا، مع الأرقام خاصة رقم الهيموجلوبين في الدم. بعد أن تحولت علامات الصحة والمرض في جسمي إلى أرقام مجردة تسكن هذا الكون الغامض الذي اسمه الجسم، الذي نعيش بجواره أو متطفلين عليه دون أن ندري ما يجري بداخله.

كان ذلك الرقم هو بداية اكتشافي للثقب الذي أخذ يتسع في خيالي وتتسرب منه حياتي.

 كنت أشعر وقتها بعبثية ما يحدث وانخفضت نفسيتي إلى الحضيض مع شعور يلازمني بأني أقف على أعتاب متاهة طبية، فكنت أعيد السؤال على طبيبتي: هل مرت عليك حالة مشابهة لحالتي؟ فكانت تطمئنني بابتسامة حيرى.

يبدو أن الدم هو العنصر المشترك والمحايد بين جميع البشر، هو الذي يجمعنا ويساوي بيننا، وكل التشابهات الأخرى تأتي لاحقًا، فهو المادة السحرية للحياة، التي وهبها الله لنا جميعًا

***

أصبحت متعطشًا للدماء، وتحول الدم إلى مشروبي المفضل. أشعر بطعمه المعدني وهو يسري في أوردتي ليمنح جسمي بعض الانتعاش الاستثنائي. كنت أسخر من ذلك الشعور لمصاصي الدماء، وأقول لو كان هناك مشروب للدم مثل فامبير لكان أسهل عليَّ التعويض بعيدًا عن تكييف غرف مستشفيات الليلة الواحدة. أدركت عمق أسطورة فامبير، فعصير أو أكسير الحياة هو الدم ولا شيء آخر.

كنت أشعر بمسار كل نقطة تتحرك وتنضم لقبيلتي، وأخشى أن هذه اللترات من الدماء الغريبة يمكنها أن تغير هوية دمي وتكسبه هوية أصحابها المجهولين.

ولكن يبدو أن الدم هو العنصر المشترك والمحايد بين جميع البشر، هو الذي يجمعنا ويساوي بيننا، وكل التشابهات الأخرى تأتي لاحقًا، فهو المادة السحرية للحياة، التي وهبها الله لنا جميعًا.

***

"أرجوك انقذني من هذه المتاهة"

كانت الجملة التي أعددتها بمجرد دخولي وجلوسي أمام طبيب المناظير وجراحة الجهاز الهضمي الدكتور محمد توفيق الرويني، الذي كان قريبًا، من دون أن أعلم، لصديقتي الكاتبة عبلة الرويني.

كان يمثل لي الأمل المتبقي لاكتشاف ذلك الثقب الذي تتسرب منه حياتي. لم يبد اندهاشا من كلامي بل أشار بوجهه علامة "سنحاول".

حدد لي موعدًا سريعًا لإجراء عملية المنظار على المعدة بعد أن لاحظ انتفاخها، بجانب علامات القيء الدموي التي صاحبتني قبلها بأيام، فلم يعد هناك وقت للانتظار.

بعد إجراء عملية المنظار والإفاقة من البنج، قال الطبيب إن هناك طريقين للعلاج، فقد اكتشف وجود قرحتين كبيرتين تعملان بقوة مثل "الحرق"، على المعدة؛ أما العلاج لزمن طويل أو التدخل الجراحي.

لم أفهم وقتها معنى "التدخل الجراحي"، لكن بعد أن أخذت عينة من تلك القرحة النشطة، كما سماها، واكتشاف وجود خلايا سرطانية غير كاملة النمو لكن في طريقها لتصبح خلايا سرطانية مكتملة.

يبدو أن الأزمات وحدها لها القدرة على تجديد هذا العقد، لأنها تحصر مفردات الوجود تبعًا لأولويات منسية، تبعثرها وتعيد ترتيبها.

***

أخيرًا ظهر "الشبح" الذي كان يسكن جسدي ومخاوفي، الذي حاولت بكل جرعات الأمل والجرأة أن أدفعه طوال حياتي بعيدًا عني. أخيرًا أقف أمام السرطان وجهًا لوجه لأنه أصبح يسكن جسمي وليس خيالي فقط.

كان الحل الثاني الذي أسر به الطبيب "التدخل الجراحي"، يعني ببساطة استئصال كامل للمعدة؛ هو المناسب لحالتي.

لاشك كانت مفاجأة بالنسبة لي، أو قل صدمة، بعد أن جاءت نتيجة التحاليل لعينة من القرحة تؤكد إيجابية وجود خلايا سرطانية.

استعددت لهذا العضو المبتور الذي سيخرج من جسدي ويذهب بعيدًا في أكياس القمامة الحمراء الثخينة التي تملأ المستشفيات، ومنها لمحارق جماعية.

***

أمام هذه المفاجأة كان لابد أن أجدد عقدي مع الحياة. طوال العامين الأخيرين، بعد موجة كورونا، وأنا أشعر بحالة عدمية كأني استنفدت رصيدي من الحياة، وأستعد للنهاية أيًا كانت. عامان من التخبط في ظلام نفسي بلا نهاية، والذهاب للنوم كسير النفس، أود منه أن يبتلعني.

ربما اللحظات المنجزة بحق خلال هذين العامين؛ كانت كتابتي لروايتي الأخيرة وكتابة المقالات الأسبوعية.

كانا هما حبل الإنقاذ أمام موجات العدمية التي كانت تلطم نفسيتي بقوة.

جاء ذلك "التدخل الجراحي" ليجدد هذا العقد المستهلك ويفتح أمامي صفحة جديدة في كتاب الحياة.

يبدو أن الأزمات وحدها لها القدرة على تجديد هذا العقد، لأنها تحصر مفردات الوجود تبعًا لأولويات منسية، تبعثرها وتعيد ترتيبها، والتي كانت مصدر الطاقة للإنسان القديم. كل هذا لا يحدث إلا على حافة الخطر والتأرجح بين الموت والحياة.

أشعر الآن ببعث جديد لجسدي .

أشعر بهذا الجسد الرمزي القديم الذي تفرق في أنحاء مصر وأعيد تجميعه.

الحب هو ماجمع جسدي وبعثه من الفناء.

***

كنت أسير نحو العملية بقوة لا أعرف من أين جاءت. ليس هناك خوف مما بعد النهاية أو الجنة أو النار، كل هذا كان يقف بعيدًا.

ولكني كنت وعدت زوجتي بالبقاء... .

بالطبع كان وعدي ناقصًا لأني لا أملك فعل الحياة نفسه، ولكني أملك الإرادة. يبدو أنه حدث تماس بينهما، وكنت عند وعدي، الذي نقلني للعالم الجديد بعد أن فتحت عيني بعد عملية استغرقت ثمان ساعات.

عندها فقط شعرت بأن وعدي لها قد أصبح حقيقة وليس فقط أملًا. وكانت فرحتي الأولى.

***

كانت المفاجأة اللطيفة أن الطبيب أثناء إجراء الجراحة وجد أنه يمكن أن يحتفظ بنسبة خمسة وعشرون في المائة من المعدة بدلًا من عملية الاستئصال الكلي التي وقعت على إقرارها قبل الدخول إلى غرفة العمليات. فرحت جدًا لهذا الجزء الصغير من المعدة اعتبرته أثرًا قديمًا من مدينة قديمة تسكن داخلي، أو جزءًا من سيرة جسمي سيظل يحمل ماضي وذاكرة المعدة الأم، وهذا يكفي.

***

أخبرتني زوجتي أنها أثناء العملية كانت تستدعي جسدي في خيالها وتمرر يدها عليه كأنها تطببه بعملية موازية، وعندما وصلت بيدها إلى مكان الاستئصال؛ انفجرت بحيرتان من الدموع تحت يديها وفي عينيها.