- تصميم شريف سليمان- المنصة

الوهم المنسي في حكاية لغة الضاد

منشور الأربعاء 9 نوفمبر 2022 - آخر تحديث الأربعاء 9 نوفمبر 2022

صباح يوم شتوي مشرق حوالي الساعة التاسعة صباحًا في العام 2019، وفي قاعة محاضرات بكلية دار العلوم جامعة القاهرة، كان موعدي مع مفاجأة فجرتها أستاذة علم اللسانيات وفاء زيادة في محاضرتها عن علم الأصوات العربية: نحن جميعًا لا نعرف كيف ننطق حرف الضاد! موطن فخر لغة العرب لا يعرفه أبناء العربية في الوقت الراهن.

لمدة 10 دقائق ظلتْ الدكتورة تشرح لنا مَخْرَجَ كلَ صوتٍ عربي وفقًا للترتيب الألفبائي، الأمور تسير على نحو مستقر وأنا شبه نائم إلى أن وصلت زيادة إلى نطق الصوت رقم 15؛ الضاد. أخبرتنا أن النطق الذي ننطقه الآن ليس النطق القديم الذي لم يبقَ منه شيء، ونطقتْه بصعوبة شديدة بِنَاءً على ما سمعتْهُ من أستاذ علم الأصوات إبراهيم أنيس عندما كان يدرِّسها في مرحلة الليسانس.

في هذه اللحظة أظن أنني تنبهتُ كأني شربتُ لتر قهوة في جرعةٍ واحدةٍ وطار النومُ، وانصرف ذهني عن المحاضرة وانشغلت بسؤال وجهته لنفسي "هذا يعني أن مصطلح لغة الضاد ما هو إلا وهم، والعرب تفخر بشيء لا وجود له، كيف هذا، ومن أين أتى كل هذا الفخر بوهم أسطوري؟".

اندهشت كما لو كنت أجنبيًا، وقلت لنفسي إن التفاخر أمر مهم وعادة فطرية متأصلة لدى العرب منذ القدم، رغم أن بعض الأمور التي تعودنا الفخر بها لم تعد موجودة وانقطعت صلتنا بها أصلًا، وليس الضاد فقط.

مثل أن تكون مصريًا فتفخر بحضارة الفراعنة التي لا ناقة لنا فيها ولا جمل، أو أن نفخر بعلوم العرب القدماء في الطب والفلك والهندسة، ونتشدق بأن أوروبا أخذته عنا وتطورت بسببنا، رغم أن العلم الحديث تجاوز هذه العلوم القديمة ونحن لم نقدم جديدًا، ولا نقول إلا "كنا وكانوا" في الماضي دون جديد في الحاضر.

لم تعد خرافة وهم الضاد "سرية" أو متداولة على نطاق ضيق، فسبق أن تناولها أحمد غندور في برنامجه الدحيح، لكنّ السؤال اﻷكثر إلحاحًا، لماذا كل هذا الفخر بشيء لم يعد موجودًا؟ ومن أين جاء؟ هذا ما أثار فضولي أكثر من كيف كان يُنطق وأسباب انحراف النطق!

حلقة برنامج الدحيح عن لغة الضاد


أصوات فارسية

لو ابتعدنا قليلًا عن اللغة العربية، ورحنا للغة جيراننا الفرس، سنجد أن لغتهم تمتلك مجموعة أصوات غير موجودة في النظام الصوتي العربي رغم أنها متأثرة بالعربية في التراث الثقافي والديني وقواعد رسم الأحرف.

تتميز اللغة الفارسية بامتلاك نظام صوتي يضم صوت الضاد ذاته وينطق ظاض، وصوت الـ ڤ ينطق مثل صوت الـ V، وصوت الـ گ وينطق صوت حرف الجيم غير المعطشة، والـ پ ويسمى الباء المثلثة، وينطق مثل صوت الـ P الإنجليزي ويختلف عن صوت الباء العربي؛ لأنه يحتاج إلى شدّة تلفظ أكبر، وصوت الـ ژ ويسميه العرب الزاي المثلثة، وينطق مثل المقطع الصوتي SU، وصوت الـ چ الجيم المثلثة، وينطق مثل صوت المقطع الصوتي CH في اللغة الإنجليزية(1).

هل يعقل أن يفخر العرب بصوت واحد تمتلكه لغتنا ولا يخجلون من كل هذه الأصوات الغائبة عنا؟!

هذا بالإضافة إلى أن هناك لغات أخرى تمتلك صوت الضاد وليست العربية فقط، ومن هذه اللغات الألبانية والنيبالية والأردو فضلًا عن الفارسية، كما أن بعض اللغويين مثل ابن جني، ومكي بن أبي طالب، وابن جماعة، قالوا إن الصوت قليل الاستخدام في اللغات الأخرى(2).

إلى حدٍّ ما يمكن أن نتقبل فكرة أن يعبر مصطلح لغة الضاد عن اللغة العربية؛ لأن بعض العرب قديما كنَّ يظنن أن استخدامه قليل في اللغات الأخرى وكثير في العربية، إضافة إلى صعوبة النطق.

وبالعودة إلى عصور ما قبل انحرافات اللغة العربية عن أصولها الصوتية والإعرابية والدلالية القديمة، ستجد أن العرب كانت تقدر صعوبة نطق الصوت القديم، وتمدح من يحسن نطقه ويصفونه بالفصاحة، لكن لم يصل الأمر إلى الفخر وإضفاء الطابع الأسطوري على الصوت.

ويصف الجاحظ نطق عمر بن الخطاب بأنه من أشد العرب فصاحة، ويؤكد ذلك بأنه ينطق صوت الضاد بمهارة من أي جانب من فمه سواء كان الأيسر أو الأيمن.

أفصح من نطق الضاد

وتشير المراجع إلى أن أقدم أصل لقضية الفخر بصوت الضاد هو النبي محمد، المنسوب له "أنا أفصح من نطق الضاد بيد أني من قريش"، ويعتبرها البعض حديثًا شريفًاـ وأصبح مشهورًا رغم أنه ليس بصحيح سندًا ولا يعترف به كثير من علماء الحديث، حتى علماء السلف أنفسهم ومنهم في العصر الحديث الشيخ صالح المغامسي خلال لقاء تليفزيوني.

وتؤكد الأبحاث أن هذه الجملة وردت في التراث العربي بروايات متعددة بالزيادة تارة وبالنقصان تارة أخرى، وبصيغ مختلفة. كما أنها لم تُذكر إلا في كتب غريب الحديث مع تعدد آراء العلماء فيها بين منكر لها ومستأنس بها، ويرى البعض أن هذه الجملة ظهرت في القرن الثاني الهجري ونسبت للنبي(3).

تتبع حسن عبد المجيد عباس أصل هذا الحديث في المراجع التي ورد فيها مثل كتب الفقه والنحو والأحاديث، وتبين أن العلماء نقلوه على نحو 16 رواية مختلفة عن بعضها البعض، منها ما جاءت فيها كلمة الضاد مثل "أنا أفصح من نطق الضاد"، ومنها ما لم ترد فيه الضاد أصلًا مثل "أنا سيد ولد آدم بيد أني من قريش"، ورواية أخرى "أنا أفصح العرب بيد أني من قريش" ولا علاقة بين هذه الرواية والضاد، موضحًا أن الحديث هدفه تأكيد فصاحة النبي دون أي ذكر لصوت الضاد ولا أي صوت عربي آخر.

أما عن صحة الحديث فقد ذكر عباس مجموعة من العلماء الذين قالوا إن الحديث لا أصل له، ومنهم ابن كثير والشيخ علي بن برهان الدين الحلبي، والشيخ إسماعيل بن محمد العجلوني، وهناك من أنكر الحديث منهم الإمام جلال الدين السيوطي، والشيخ الصغاني الذي اعتبر الحديث موضوعًا بمعنى أن رجال الدين وضعوه ونسبوه إلى النبي محمد. والمؤكد أن فصاحة النبي محمد ظاهرة في أحاديثه الصحيحة المتفق عليها، وليس في قدرته على نطق صوت الضاد(4).

تعبيرية عن الخط العربي

ثوابت مغلوطة

عمومًا، يبحث الإنسان دومًا عمّا يفخر به. ومن ثمّ مرّ الفخر بصوت الضاد بمراحل ثلاثة؛ الأولى بدأت بالفخر بالفصاحة إذا تمكن أحد من نطق صوت الضاد عندما كان صعبًا، والثانية عندما اختفى النطق القديم الصعب وأصبح الأمر سهلًا فانحرف الأمر في ذهننا إلى فكرة أن الصوت غير موجود إلا في اللغة العربية فقط، وهذا ما أشارت المراجع إلى نقيضه، ثم تحول الأمر في المرحلة الثالثة إلى أن صار الصوت مفخرة للغة ذاتها حتى أطلقنا عليها "لغة الضاد".

يعني هذا أن الفخر كان مرتبطًا بصوت الضاد حقًا لكنه فخر لمن يقدر على نطق الصوت. لكن مع تغير الحياة ومرور السنين، تحول الأمر وانحرف من الفخر الفردي بالقدرة على النطق والفصاحة إلى فخر أهل اللغة نفسها بالصوت، وخلعوا على اللغة ذاتها وهم اللغة الضادية، وتحولت هذه الفكرة المغلوطة إلى أمر من الثوابت العقلية العامة التي ورثتها الأجيال جيلًا بعد جيل.


(1) محمد محمد يونس، يوسف عبد الفتاح فرج: اللغة الفارسية القواعد والنصوص، مركز جامعة القاهرة للطباعة والنشر، 2015.

(2) نضال أحمد الشريف: صوت الضاد في اللغة العربية دراسة وصفية تاريخية، رسالة ماجستير، الجامعة الإسلامية بغزة شئون البحث العلمي والدراسات العليا، كلية الآداب، 2017.

(3) منير تيسير شنطاوي: القول المأثور أنا أفصح من نطق بالضاد حقيقته ومفهومه وأثره في الدرس اللغوي، المجلة الأردنية في اللغة العربية وآدابها، جامعة مؤتة، 2009، الأردن.

(4) حسن عبد المجيد عباس: حديث الرسول أنا أفصح العرب بيد أني من قريش: سنده وروايته ورأي العلماء فيه، مجلة اللغة العربية وآدابها، جامعة الكوفة كلية الآداب، عدد 18، 2013، العراق.