- تصميم: أحمد بلال - المنصة

من الخاص إلى العام: الحرمان العاطفي في المجتمع المصري

منشور السبت 1 أكتوبر 2022

لا يخلو أي زمان أو مكان من حرمان عاطفي يكابده الناس على اختلاف أعمارهم، وبدرجات متفاوتة، وهو لا يقتصر على التجارب الذاتية التي تهز أعماق القلوب، إنما يمتد أيضًا إلى الحالة الاجتماعية التي قد تصاب بالجفاء والجفاف، بفعل العوز المادي وشيوع الأنانية، وانشغال كل امرئ بنفسه، يريد لها النجاة ولو على حساب غيره، ويزداد الأمر سوءًا حال وجود سلطة سياسية لا تنظر إلى الصالح العام.

والمجتمع المصري يعاني في أيامنا هذه من مثل هذا الحرمان الذي يتدرج من أعلى إلى أسفل، فيؤثر سلبًا على نظرة كل فرد إلى الحياة الآنية والآتية، وهي مسألة يمكن أن نستعرضها ونفحصها في أمور كثيرة بدءًا من سلطان الهوى أو الحب وحتى علاقة السلطة السياسية بالناس.

1 ـ سلطان الهوى: كما جرت العادة، وقضت الطبيعة البشرية، يكاد ألا يخلو قلب رجل من محبة لامرأة، وقلب امرأة من محبة لرجل، وقد يتكرر هذا عند أي من الطرفين مرات، أو يكون مرة واحدة حين تخفق يحاول المرء تعويضها أو نسيانها دون جدوى، وكأنه يمتثل لبيت الشعر الذي يقول:

"نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ** ما الحب إلا للحبيب الأول"

لكنَّ هذا الميل، لم يعد يجد في كل الأحوال طريقًا هينةً لينةً للتعبير عن نفسه والوجود في الواقع. ناهيك عن الحب الذي يضطرم في القلوب من طرف واحد، وهذا ليس بالقليل، فإن المحبة المتبادلة صارت تجد الكثير من العقبات أمامها، كي تنتقل بصاحبها أو صاحبتها من التمني إلى التحقق.

تمارس الأحوال الاجتماعية والاقتصادية دورها، فتعرقل هذا الانتقال تمامًا، أو تحد من انطلاقه على النحو الذي يجب أن يكون عليه. فمع الضغوط المادية القاسية لا تجد قصص الحب الجميلة دربًا ممهدًا لتتوج بجمع الحبيبين، فكم من فتى هام عشقًا بفتاة، لكنه لم يقدر على الزواج منها، لضيق ذات اليد. وكم من فتاة انتظرت من حبيبها أن يتقدم إلى خطبتها لكنه لم يجرؤ على هذا لعدم قدرته على الإيفاء بمتطلبات الزواج.

وتحول التعاليم الدينية والتقاليد الاجتماعية دون إيجاد مصرف لهذا المأزق، ويتدخل الأهل لكبح حالات التمرد التي يسلكها بعض الشباب، والتي تأخذ أشكالًا من الزواج العرفي والانفصالي والمساكنة والعلاقات الجنسية خارج الزواج.

وفي مقابلها تطرح الجماعة أفكارها من قبيل "ظل الرجل" و"زواج الصالونات" و"تحكيم العقل" والبحث عن العريس الجاهز، الذي أسماه المجتمع "الشاب الذي كوَّن نفسه"، أي تمكَّن من توفير متطلبات الزواج الرسمي، ولو بشق الأنفس، مراهنًا في هذا على ثلاثة أمور: فشل بعض الزيجات التي قامت على الحب، والرهان على ابتراد العواطف بعد التهابها، وانحياز المتزوجين فيما بعد الإنجاب إلى الأولاد والأسرة.

2 ـ رعاية الأسرة: وهذه الرعاية لا تقتصر على الجوانب المادية المربوطة بتوفير نفقات المعيشة، إنما قيام الأم والأب بما عليهما حيال أطفالهما من إبداء المشاعر الإيجابية الجياشة من حب، وتدليل غير مفرط، وقرب من مشاكلهم ومصالحهم واحتياجاتهم النفسية.

فمع اشتداد الأحوال الاقتصادية، أمسى أغلب الآباء يقضون أوقاتهم خارج البيت، ينتقلون من عمل إلى آخر، لتوفير نفقات الطعام والتعليم والتطبيب، فلا يرون أبناءهم إلا ساعات محدودة كل أسبوع، وخلالها قد لا يستطيعون الإصغاء إليهم جيدًا، للتعب الجسدي الذي يحل بهم، والشرود في مخاوف تنهمر من مستقبل معلق في مهب الريح.

ويزداد الوضع سوءًا إن كانت الأم تعمل أيضًا، فتقضي ساعات طويلة خارج البيت، فإن عادت فإن ما تبقى لديها وقت تخصصه للقيام بما عليها من مهام منزلية، ثم الخلود إلى النوم.

3 ـ تراجع الضبط الاجتماعي: من قبل، كان الناس يتشاركون في ممارسة هذا الضبط، لا سيما أهل القرى والجيران وسكان الأحياء الشعبية في المدن، بما يجعلهم شركاء في تربية أبنائهم، وكان مسموحًا لكلٍّ منهم أن يلعب هذا الدور دون تردد، بل يقسو إن اقتضت المصلحة هذا، وهي قسوة المحب التي يقبلها الناس، ويشدون عليها.

الناس لا يحيون بالطعام والشراب، إنما يجب أن تجيش في صدورهم عواطف حميدة، تجعل الحياة مستساغة، وتبقى النظرة إلى المستقبل غير محرومة من التفاؤل

لمست في طفولتي هذا الضبط، وكنت، كغيري من الأطفال، ننفر منه ونروغ، لكننا أدركنا حين طالنا الوعي أن الكبار الذين كانوا ينهروننا إن أوشكنا على الوقوع في خطأ كانوا يعملون لصالحنا، وأن أهلنا أنفسهم يمارسون الأمر نفسه على أطفال غيرهم، وأن الكل يتبادل رعاية الصغار في الشوارع والحقول وعلى الجسور وفي المدراس.

وكانت المدارس تشارك في هذا الضبط، يوم أن كان الناس يقتنعون بأنها ليست مؤسسات تعليم فقط، بل تربية أيضًا، وكانت هي كذلك. وطالما تحاور الأسر والمدرسون حول سلوك الأبناء، وكيف يمكن أن يستقيم.

اليوم صار أغلب الناس يضيقون بغيرهم إن تدخل في سبيل تقويم سلوك أبنائهم، وأصبح هذا التدخل يثير خلافات وغبن، حتى أن العلاقة بين المدرسة والأسرة صارت تقوم على التربص والصراع الممقوت، مع تخلي المدرسة عن دورها التربوي المقنع، وتعامل الأسرة مع التعليم على أنه مجرد أداة للحراك الاجتماعي على أسس مادية.

4 ـ فتور أصاب الصداقة: كثيرون يشكون من أن مفهوم الصداقة تغير إلى الأسوأ. فمع انشغال الناس كل الوقت بتدبير معاشهم، ندرت اللقاءات بين الأصدقاء، وإن التقوا لا تصفو أذهانهم إلى سماع الشكوى، والتقاط السلوى، وإن سمع أحدهم فلا يقدر على أن يستجيب لما ينتظره منه صاحبه من مساندة، عاطفية أو مادية.

وجدنا كثيرون يستملحون المثل الذي صار يسري في التفكير الجمعي "أخوك ذراعك، وصديقك قرشك". ووجدنا ترديدًا واسعًا لأغنية شعبية تقول "مفيش صاحب يتصاحب". ولم نعد نرى تعبيرًا فنيًا عن الصداقة التي تقوم على الإيثار والإخلاص، تقدم إلى الناس أمثولة يمكن استلهامها حسب ما كنا نشاهد بين عبد الحليم حافظ وعبد السلام النابلسي في الأفلام، حيث الصداقات الدائمة التي لا يدب بينها تنافس أو صراع.

6 ـ الجفاء بين السلطة السياسية والشعب: فمن يجلسون فوق كراسي الحكم، على اختلاف درجاته، يجب أن يلتزموا بالميل إلى الصالح العام، إن كانوا يمثلون حكمًا رشيدًا، يسهر على راحة الناس، بتأمينهم من جوع وخوف، ليس من خلال الإحسان والمن، الذي يتبعه أذى، إنما بإعطاء الحقوق المادية والنفسية. وعلى هذا تقوم الشرعية الحقيقية، ويستقيم الأمر على سنن العدل والرحمة.

عاش المصريون طويلًا تحت أيدي حكومات لم تنظر إليهم بعين الرأفة، ولم تتعامل معهم على أنهم أصحاب الأرض والمال والسيادة والشرعية، وأنهم هم أساس الدولة وركنها المكين، إنما نظرت إليهم على أنهم عالة عليها، عقولهم قاصرة عن إدراك المصلحة، وجيوبهم الخاوية مفتوحة دومًا على دفع الإتاوات، تحت مسميات رسمية عديدة.

لقد أنصت المصريون جيدًا إلى العبارة التي وردت في البيان الذي أصدره المجلس الأعلى للقوات المسلحة، قبل إطاحة حكم جماعة الإخوان المسلمين، وقالت "إن الشعب لم يجد من يحنو عليه، ويرفق به"، وانتظروا ترجمة  القول إلى فعل، لكن هذا ذهب سدى، وراح بلا جدوى.

والمصريون يعانون الآن من حرمان عاطفي حيال السلطة القائمة، ربما أكثر من أي وقت مضى، بعد أن وجدوها لا تعاملهم بأي حنو أو رفق، مع اتساع فرض الضرائب، واستحواذ الكبار على بعض مصادر الرزق، ورمي الشعب بأنه السبب في الإفقار، تارة لأنه يتوالد بلا حساب، وطورًا لأنه ثار من أجل الحرية والكرامة والكفاية والكفاءة فعطل عجلة الإنتاج.

ومن دون شك فإن المجتمع الذي يعاني من حرمان عاطفي، أيًا كانت أسبابه، هو مجتمع في خطر، فالناس لا يحيون بالطعام والشراب، إنما يجب أن تجيش في صدورهم عواطف حميدة، تجعل الحياة مستساغة، وتبقى النظرة إلى المستقبل غير محرومة من التفاؤل.

هذا الحرمان يجب أن يضيق إلى أدنى حد، حين يجد من الأقوال والأفعال ما يمنعه من التحول إلى طاقة سلبية جبارة، إما تقود المجتمع إلى تآكل داخلي صامت، يقوض أركانه، أو تدفعه ذات يوم إلى انفجار رهيب، يقضي على الأخضر واليابس.