آني آرنوعام 1984 - دائرة المعارف البريطانية

آني إرنو: أن نكتب فضيحتنا

الكتابة كسجل للحقيقة الشخصية.. ضد النسيان ضد العطب

منشور الاثنين 10 أكتوبر 2022

في بدايات 2022، عرضت السينمات الفرنسية وثائقيًا بعنوان "أحببتُ الحياة هناك" (J'AI AIMÉ VIVRE LÀ)، لريجي سوديه. كان الفيلم الذي تدور معظم مشاهده في مدينة سيرج الصغيرة بفرنسا، بطيء الإيقاع نسبيًا، ربما مناسبًا للحياة بعيدًا عن ضوضاء باريس، حيث تعيش الكاتبة آني إرنو.

رغم ذلك تتجدد الحياة في تلك المدينة، كل عام، كل يوم، كل ساعة، وفي ذلك التجدد تغيب أشياء، لتحلّ أخرى محلها، ربما ننساها، ولكن تجبرنا المقاطع التي تقرؤها آني إرنو بصوتها من نصوصها، أو يقرؤها أبطال الفيلم الخارجين من الحياة الحقيقية، على الانتباه لذلك الإحلال والتبديل، تدفعنا إلى الاستمتاع أحيانًا بمحض المراقبة، تقول إرنو "أرغب في نقل مشاهد، كلمات، وإيماءات الأشخاص الذين لا نعرفهم ولن نراهم مرة أخرى، الجرافيتي على الحيطان وسوف ينمحي هو الآخر، كل ما مِن شأنه بطريقة أو بأخرى أن يستدعي بداخلي إحساسًا، ثقبًا، أو شعورًا بالثورة".

أذكر من الفيلم، الذي عجزتُ عن الكتابة عنه وقتها، الوحشة المحفورة في ملامح المهاجرين بمراكز الإيواء، وأمل الشباب القادم من بلاد بعيدة بحثًا عن موطن بديل في تلك المدينة من فرنسا. يقرأ الأبطال العابرون سطورًا من أعمال الكاتبة التي أُعلن عن فوزها قبل أيام بنوبل في الآداب، مثل "المكان"، "الحياة الخارجية"، و"السنوات"، مُعتقدين أنها تُعاونهم على احتمال تقلبات الحياة.

تكمل هي هذه العبارة بصوتها الرقيق، الهشّ، والحكيم، وهي جالسة تتأمل حركة أوراق الشجر، أو تتمشى على مهل "اليوم لبضع دقائق حاولتُ أن أرى كل الشخوص الذين صادفتهم، وجميعهم غرباء، بدا لي أن حياتهم، عبر الملاحظة التفصيلية لحضورهم، قد صارت فجأة شديدة القرب مني، كأني أستطيع أن ألمسها؛ لو تابعتُ التقدم في تجربة مماثلة، فإن رؤيتي للعالم ولنفسي سوف تتغير بشكل جذري".

عُرِفت إرنو بشجاعتها في كتابة تجاربها الشخصية، كما هي، والحديث عنها أمام الكاميرات، ومثلما استطاع هؤلاء المهاجرون العثور في كتاباتها على ما يخصهم، نستطيع نحن أيضًا العثور على ما يخص حميميتنا، بعض التجارب التي عشناها ودفناها عميقًا كي نتخلص من مذلتها تأخذها آني إرنو وتعرضها للعلن، بسكين الكتابة كما تعنوّن أحد كُتبها "الكتابة كسكين" (L'écriture comme un couteau) وهنا مكمن جاذبية نصها.

أن نكتب فضيحتنا

في مقال له يشير الدكتور وليد الخشاب، أستاذ الدراسات العربية بجامعة يورك في كندا، إلى أن الالتزام السياسي اليساري لإرنو بالإضافة إلى موقفها الداعم للقضية الفلسطينية كانا دافعا الدكتورة أمينة رشيد والدكتور سيد البحراوي إلى ترجمة كتابها "المكان" (La place)، وتعريف قارئ العربية بها. بالنسبة إليّ، ولكاتبات غيري لم تكن تلك نافذتنا للعبور إلى آني.

الشاب.. آخر عمل منشور لآني إرنو

على العكس، قرأتُ "شغف بسيط" (Passion simple)، وأنا في طور تعلم اللغة الفرنسية، بعد أن استعرته من مكتبة المعهد الفرنسي بالمُنيرة، لم أصدق أن هناك مَنْ تستطيع أن تصف ما أمر به شخصيًا في علاقات الشغف العنيف، التي تخلف فوضى كاملة تمنعني عن الكتابة. من وراء ذلك الكتاب، ترسخت لدي قناعة أن الكاتبات الفرنسيات شجاعات، صريحات، لا يخجلن من كشف الحقيقة أمام أنفسهن. وتأكدت هذه القناعة لي أكثر في الواقع على مدار السنوات.

يتكرر الأمر في كتابها "الحدث" (L'Événement) حين تروي تجربة الإجهاض، على إثر علاقة غرامية عابرة، وهي الآتية من عائلة مُحافظة وعاشت في زمن لم تكن مثل تلك العمليات مُباحة قانونًا، ينتهي الكتاب العاصف الذي ينقل التجربة بكل ألمها، على استخلاصها حقيقة أن التجربة جعلتها تُقدّر أكثر وجود الأطفال في الحياة، ليس حياتها فقط، بل في الحياة الكبيرة. أتذكر ذلك النص، كلما سمعتُ أن صديقةً تعرضت للتجربة نفسها، فأشعر أني شاركتها إياها.

في كتابها الأخير، الذي لا يتجاوز عدد صفحاته 48 صفحة، والصادر في فرنسا شهر مايو/ أيار الماضي عن دار نشر جاليمار، بعنوان "الشاب" (Le jeune homme) توغل آني (المولودة في 1 سبتمبر/ أيلول 1940) بعيدًا في أرض الحقيقة، حين تُقرر الحكي عن علاقتها وهي في سن الخمسين بطالب كان يصغرها بثلاثين عامًا، تصف أحساسيها معه، الأحاسيس الأكثر أنانية ونرجسية وتتأمل العلاقة الجنسية الآن من بوابة الزمن: بدايات الشيخوخة، والانتماء الكامل إلى الكتابة. تقول مثلًا "بدا لي، أنني لم أنهض قط من هذا السرير، منذ كان عمري ثمانية عشر عامًا، لكن في أماكن مختلفة، ومع رجال مُختلفين لا يُمكن تمييز أحدهم من الآخر".

تصف التفاصيل التي ينسجها الفارق العُمري قائلة "انتزعني من جيلي، من دون أن أنتمي إلى جيله". تستدعي الآخرين، وهي تعرف الآن أنها موضع إدانتهم، لأنها تظهر مع الشاب في العلن، تتعرض لذلك الرفض وهي مُدرِكة ما يقولون في أنفسهم إنها على علاقة مع شاب "في سن ولديها"، وتلك حقيقة تُثبتها في موضع آخر من الكتاب، حين تقول إنها عاشت معه مجددًا أشياء كانت عاشتها مع ولديها؛ غير أنها لا تنسى أن تستنكر إدانتها هي، مقابل التسامح الكامل مع الرجل الخمسيني الذي يمكن أن يتناول العشاء أيضًا مع فتاة من "سن ابنته"، من دون أن يكون هدفًا لمثل هذه النظرات.

كتاب يقلب الحال، كلما تمادينا في القراءة، ويدفعنا إلى سؤال أنفسنا: هل تُكتب فعلًا هذه الأحاسيس والأفكار والعلاقات؟ هل يُمكن إلى هذا الحد أن نكتب فضيحتنا، ما يُشيننا في عيون الناس؟ عند آني إرنو، لا يوجد ما لا يُمكن كتابته، إنها في حالة سعي دائم خصيصًا إلى كتابة ذلك الذي لا يُقال L’indicible.

هي التي قالت "مثل الرغبة الجنسية، لا تتوقف الذاكرة أبدًا"، رافضة الاكليشيه التقليدي عن انعدام الرغبة الجنسية للنساء في الشيخوخة.

 في السعي إلى عدم التوافق

غلاف كتاب السنوات

على الرغم من أنه يُمكن أن يُهيأ إلينا أن كتابات مثل تلك، سوف يتلقاها الناس بالتصفيق على الشجاعة لأنها تصدر في فرنسا، فإن الحقيقة ربما تكون غير ذلك. هوجمت آني على كل شيء، قلة عدد صفحات الكتاب (بل حتى على سعره)، هوجمت على تلك العلاقة التي شُبهت بزنا المحارم، واستُدعيت في رواية لوليتا لـنابوكوف. لكن مَنْ قال إن على الكاتب أن ينال رضى الجميع، بمَنْ في ذلك حتى القراء، هل كان يُمكن لآرنو، ولكاتبات وكُتّاب آخرين أن يتركوا بصمة حقيقية في الأدب لو كانوا تمسكوا بالسعي إلى موافقة الناس؟

عام 2018 حصل الروائي الشاب نيكولا ماتيو على جونكور الرواية (أهم جائزة أدبية فرنسية) عن كتابه "أطفالهم من بعدهم Leurs enfants après eux"، وفي زيارته للقاهرة، خلال الندوة التي أقامها له المعهد الفرنسي بالمُنيرة، أشار تحديدًا إلى كتاب إرنو "السنوات Les années"، باعتباره الكتاب الذي دفعه إلى الإيمان بأهمية أن يكتب، هو أيضًا القادم من محافظة بعيدة عن باريس، وتدور أعماله حول مرحلة المراهقة (يُنتقَد لتمسكه بالكتابة عن هذه المرحلة)، محاولًا استبقاء الزمن، وفحص الذاكرة الشخصية/ الجماعية، موضوع ولع آرنو.

في كتابها "ذاكرة فتاة Mémoire de fille" تثور آني إرنو على علاقتها بأحد الرجال عام 1958، ليس على العلاقة بحد ذاتها، لكن على ما أدت إليه تلك العلاقة بعد انتهائها، من تغيير تام في شخصها، دفعها لأن تتجاوز القصة سريعًا.

في سبيل التجاوز، تنسى آني هذه الفتاة التي كانتها، تصبح الشابة القديمة غريبة عنها. لتُقرر أن تكتب بعد خمسين عامًا من مرور الحدث "لأن الحدث دائمًا يتضمن قبل/بعد" مدفوعةً برغبتها، كما تعترف في الحوار التلفزيوني مع فرنسوا بونيل، في أن تثور على نسيانها لنفسها، وفي الوقت نفسه أن تنسى بشكل أفضل ما جرى من قبل، لكن أليست الكتابة نفسها اعترافًا باستحالة النسيان، وتمردًا خالدًا عليه؟

بحثًا عن الحقيقة الشخصية

الكتابة بالنسبة إلى إرنو "رحلة البحث عن الحقيقة التي لا يمكن أن تبزغ سوى عبر الكتابة، لأن الذاكرة وحدها عاجزة عن استحضار الحقيقة". وعندما يسألها فرنسوا "ألا تقود الذاكرةُ الكتابةَ، أليست الذكريات هي التي تستدعي الكتابة"؟، تجيب "إن الذاكرة ليست الذكرى، الذكرى ليست سوى صورة، وينبغي الإحاطة بهذه الصورة، ومحاولة فهم ما تقوله لنا، كما هو الحال مع فيلم، أفكك صوره واحدة تلو واحدة، ومثل الفيلم تتضمن الذاكرة قطع ناقصة، فراغات، وليس مُجديًا محاولة ملئها".

حوار إرنو مع فرانسوا بونيل


تُردد إرنو "أنا لا أكتب خيالًا، أنا لا أشيد، على العكس من ذلك أسعى إلى التفكيك، كي أبحث عن هذه الذات القديمة، في محاولة لفهم ما حدث". هكذا، تحرضنا نحن أيضًا على مواصلة العمل على ذاكرتنا، وصيانتها، بأي طريقة مُمكنة، تسجيل الصالح والطالح من الحياة.

هكذا يصبح منطقيًا أن يلجأ أبطال فيلم "أحببتُ الحياة هناك" إلى أعمالها بشكل خاص، في زمن ضياعهم بين الهويات، واستغراقهم في التعامل مع التكنولوجيا الحديثة ووسائل الإعلام الجماهيرية، التي تختصم أولًا وأخيرًا الذاكرة الإنسانية مُباشرة، محولةً إياها إلى مجرد ترند.

من أجل هذا أيضًا، وتكريمًا لسنوات طويلة من التكريس للكتابة، وعدم الاستسلام للخوف من العواقب، يصبح منح آني إرنو نوبل الآداب هذا العام مفاجأة سعيدة، للكاتبة، لأصحاب الكتابة التي تنتهج الدرب نفسه من كل اللغات، وللقراء الذين سيكونون على موعد لاكتشافها من جديد.

من قبل أن تحصل على نوبل، كانت تُدرّس أعمال آني إرنو في المدارس الثانوية الفرنسية، وهي مرجع مُحبب لمَنْ يود تعلم اللغة الفرنسية على أرفف المكتبات. كأنها مرحلة من مراحل تطور الحِسّ اللغوي، وبلا شك الحِسّ الإنساني اليومي بالزمان والمكان والشخوص.