علي قنديل من إحدى حفلاته - صفحته الرسمية على فيسبوك

مع علي قنديل| الاستاند أب كوميدي المعجون بالفلسفة

هل ما زال هذا الفن ناشئًا في مصر؟

منشور الثلاثاء 29 نوفمبر 2022

عام 2010، أرسل لي صديق مقطعًا قصيرًا لشخص أصلع بذقن "دوجلاس" يتحدث عن الفارق بين استخدام جهاز آبل ماك وأجهزة نظام تشغيل ويندوز. أعجبني المقطع وقتها للغاية، حتى أنني بحثت عن هذا الشخص، الذي اتضح أن اسمه جورج عزمي، ثم شاهدت مقاطعه جميعها في برنامج "موجة ستاند أب" الجزء الثاني.

أغلب من ظهروا في البرنامج اخترقوا مجالات أخرى، مثل إسلام إبراهيم ووليد فواز وتامر فرج وعلا رشدي احترفوا التمثيل، ومحمد أنديل احترف رسم الكاريكاتير. حتى جورج عزمي فضّل الرسم وكتابة السيناريو. أما الآخرون فاختفوا، ولم يبق منهم حاليًا إلا علي قنديل ونهى كاتو فقط. لذلك تحدثت مع قنديل، في هذا الحوار، لمحاولة الوصول إلى إجابة على السؤال، هل لا يزال الاستاند أب كوميدي فنًا ناشئًا في مصر؟

نقطة البداية

قنديل، ستاند أب كوميديان وممثل، وشارك في كتابة عدد من مسلسلات الست كوم، مثل تامر وشوقية وجوز ماما وحرّمت يا بابا. أخبرني أنه بدأ يمارس ذلك اللون من الفنون في أواخر 2009، وأن، حسبما يتذكّر، أول حفلة ستاند أب كوميدي في مصر كانت لفريق Axis of Evil، المكوّن من 3 أفراد، أحمد أحمد، وهو أمريكي مصري، وماز جيراني، أمريكي إيراني، وآرون قادر، أمريكي فلسطيني، وكانت عام 2007.

بعد ذلك، كان رأس الحربة، بحسب تعبير قنديل، هو جورج عزمي، لكن توقفه السريع أثّر سلبًا على الفن بأكمله، وأدى لتأخر تطوره. 

مقطع كوميدي لجورج عزمي


ولكن، قبل ذلك كان سمير غانم أول فنان قدّم فقرات من الاستاند أب كوميدي على المسرح بشكل أقرب لصورته الحالية، حين قدم فقرات كوميدية منفصلة في مسرحية المتزوجون (فقرة الفول)، وأهلًا يا دكتور (فقرة لقاء عمر الشريف).

هل الاستاند أب كوميدي تطوّر للمونولوج؟

يخلط كثيرون ممن تحدثت معهم بين الاستاند أب كوميدي والمونولوج، وهو فن ظهر في القرن العشرين، بداية من سيد سليمان وإسماعيل يس وشكوكو وثريا حلمي، مرورًا بسيد الملاح وأحمد حداد ثم حمادة سلطان، وصولًا إلى عزب شو وفيصل خورشيد وعادل الفار.

وبسبب هذا التاريخ الممتد من أوائل القرن العشرين إلى بدايات القرن الحادي والعشرين، مقابل التاريخ القريب للاستاند أب كوميدي، يخلط كثيرون بينهما، لأنهم في النهاية كوميديانات يهدفون إلى إضحاك الجمهور.

لكن الفارق أن المونولوج الكوميدي يعتمد على النقد الفكاهي من خلال الغناء والموسيقى والرقص، وأيضًا إلقاء النكات بصورتها المعروفة لدينا، مثل "مرة واحد جه يقعد على قهوة قعد على شاي"، أو "مرة واحد طلع على المعاش ما عرفش ينزل"، والنوع الاخير انتشر بكثرة خلال الثمانينيات. 

لكن الاستاند أب كوميدي في الأغلب لا يعتمد على الموسيقى والغناء، بل على قدرة الفنان على الحكي، أو كما قال قنديل "يوظّف الاستاند أب كوميديان مهاراته التمثيلية والمسرحية للإضحاك وعرض فكرة فلسفية أو همٍّ، من خلال قصص ومواقف كوميدية على الأرجح تعرَّض لها أو شاهدها بنفسه، لا نكتة خيالية تحدث لشخص غيره".

ناشئ أم راسخ؟

يختلف قنديل مع فكرة أن الاستاند أب كوميدي فن ناشئ، فهو يراه فنًا راسخًا له جمهوره، وهو ما يؤكده وصول عدد حفلاته إلى 530، آخرها في مكتبة الإسكندرية، والتي تخطى عدد حضورها عدد التذاكر المباعة. 

إذًا لماذا يبدو أن بعض كوميديانات الاستاند أب يعتبرون المجال جسرًا يعبر بهم إلى مجال فني آخر، تمثيل أو كتابة أو إخراج، دون أن يكون هو في ذاته وجهة للمحترفين؟

يختلف علي قنديل مع هذا الطرح، ولا يرى أن التمثيل أو الكتابة أكثر رسوخًا منه، بالضبط مثلما يفعل المطربون عند دخولهم مجال التمثيل، فلا أحد يقول إن التمثيل في هذه الحالة أكثر رسوخًا من الغناء، هو فقط نوع مختلف من الفنون، ولا مانع أن تتعدد مجالات الفنان طالما بجيد العمل في هذه المجالات.

ثم ناقشته حول نقد صادفته كثيرًا على مواقع السوشيال ميديا، وهو أنه لا يوجد استاند أب كوميديان، عدا قليلين، يقدم عروضًا منفردة. إذ يُعلَن عن الحفلات بمجموعة من الاستاند أب كوميديانز، وهنا رد قنديل "الاستاند أب كوميدي فن فردي بالأساس، فأنا مش مستوعب إن يقوم بيه مجموعة. لكن مع الوقت والتمرين مستواهم هيتطور ويقدر كل واحد فيهم يعمل حفلة لوحده الفترة اللي جاية".

هل خفة ظلي كافية؟

يرى قنديل أن الاستاند أب كوميدي فن خاص بذاته، فهو لا يعتمد على خفة الدم وحدها، بل الجهد الكبير في التحضير والكتابة وترتيب الأفكار. 

إذًا، علام يعتمد الاستاند أب كوميديان غير خفة الظل؟ يقول قنديل إن الفقرة يجب أن تكون "معجونة" بالفلسفة، وليست مجرَّد مواقف مضحكة. واستشهد بحفلات الراحل جورج كارلين وديف شابيل، وحتى كيفين هارت، الذي يبدو محتواه أبسط من سابقَيه، لكنه يحمل فلسفةً وهمًا.

مقطع لجورج كارلين


يفرّق قنديل أيضًا بين الاستاند أب كوميديان والكوميديان، فالأخير يمكن أن يبتكر شخصية خيالية بهدف الإضحاك، أو يمكنه تقديم مايم صامت، أو عرض ترابيز، أو أي شيء مُضحك، دون الحاجة إلى الفلسفة أو الهموم الشخصية والمجتمعية.

لكن الاستاند أب كوميديان يصعد إلى المسرح بشخصيته؛ يتحدث عن أشياء تخصه، معتمدًا على الملاحظة والقدرة على تضفير المواقف تحت عنوان كبير، يريد من خلاله التعبير عن فكرة ما.

لماذا تتفوق النسخة الأمريكية؟

خلال بحثي عن زاوية لتناول هذا الموضوع، صادفت عددًا من الانتقادات الموجهة للاستاند أب كوميدي على مواقع التواصل الاجتماعي، إحداها أنهم يتواصلون ويستمتعون بالعروض الأمريكية والإنجليزية أكثر من المصرية، رغم اختلاف اللغة والثقافة والظروف الاقتصادية وغيرها. بل إن بعضهم اعتبر العروض المصرية مجرد نسخة رديئة من الأمريكية.

يختلف قنديل مع هذا الطرح ويقول إنه يعتبر النسخة المصرية قوية على المستوى العربي والعالمي، رغم صعوبة تقديم الفن في ظل المحاذير المفروضة على الحديث في الدين أو الجنس أو السياسة، وهي التربة الأكثر خصوبة للضحك.

 يستكمل قنديل حديثه بقوله إن الاستاند أب كوميديانز المصريين قادرون على المنافسة إذا مُنع الآخرون من الحديث عن نفس المحاذير. لكنه يضيف أيضًا أنه بشكل شخصي قادر على منافسة أي شخص على المسرح، سواء فُرضت عليه محاذير أو لم تُفرض.

ولكن، هل من الصعب إضحاك الجمهور المصري؟ يقول قنديل إنه لا يوجد شيء يُدعى "جمهور ثقيل" أو يضحك بصعوبة، لأن نفس الجمهور قد يضحك من غيرك، أو حتى قد يضحك من نكتة واحدة فقط خلال العرض، معنى ذلك أن الجمهور على حق، والمشكلة في المادة المقدمة له. الجمهور الذي لم يضحك ليس ثقيلًا، إنه فقط لم يعجبه عرضك.

في هذا السياق يتحدث قنديل عن ضرورة إيجاد أرضية مشتركة بجانب اللغة والثقافة وتشابه المشكلات التي نواجهها. الأغلبية تواجه ضغطًا شديدًا في عملها، لكنهم يعملون في قطاعات ومجالات مختلفة. دور الاستاند أب كوميديان هنا أن يجعلهم يتأثرون ويضحكون بما يقوله حتى لو لم يمروا به كما حدث معه (بإختلاف تجاربهم). 

يقول قنديل إن الجمهور لن يضحك إذا لم تتمكن من جذب تركيزهم بالكامل، لأن مدى انتباه الجمهور في ظل وجود هاتف محمول بين أيديهم أصبح قصيرًا، مما يصعِّب من مهمة الاستاند أب كوميديان، الذي لا يمتلك سوى قدرته على الحكي والإضحاك.

دور الجمهور في تطوّر الفن

لكن رغم كل ذلك، لم يعفِ قنديل الجمهور من دوره الهام في تطوير فن الاستاند أب كوميدي. يقول قنديل إن دور الجمهور ينقسم إلى نقطتين أساسيتين، أولهما تصفية ما يُقدّم لهم، أو بتعبيره "اسأل نفسك كـ'إنسان' استفدت إيه من العرض؟ فكرت في إيه؟ حسيت بإيه؟ لأن المسرح في النهاية لازم يخدم الإنسانية". 

يرى قنديل أن الاستاند أب كوميدي ليس هروبًا من الواقع، بل انغماس بداخله، محفزًا على التفكير فيه والإحساس به. لكنه يؤكد أن ذلك كله يجب أن يحدث دون أن يتحول العرض إلى وعظ مباشر أو عرضًا مدرسيًا تعليميًا.

من إحدى حفلات علي قنديل


النقطة الثانية في دور الجمهور من وجهة نظر قنديل هي احترام المسرح. بدءًا من محاولة الوصول قبل بداية العرض، ووصولًا بالالتزام بالتعليمات الخاصة بعدم التصوير خلال العرض وغيرها.

هل تساعد المنصات على الانتشار؟ 

فكرت في هذا السؤال بعد أن شاهدت عرضًا لمجموعة The Elite على إحدى المنصات الرقمية، وهي من الحفلات الكاملة القليلة جدًا المتاحة على الإنترنت، وأغلب ما ستجده مقاطع قصيرة لكل كوميديان.

حتى الحفلة المذكورة عُرضت بطريقة شديدة الغرابة، وجرى تقطيع عرض كل كوميديان إلى مقاطع قصيرة، وكل حلقة ننتقل من مقطع كوميديان إلى آخر في الحلقة نفسها، دون الحفاظ على وحدة السياق لكل منهم. لذلك لم تكن تجربة المشاهدة بالنسبة لي جيدة.

عندما تحدثت مع علي قنديل عن هذا الأمر قال إنه يرفض منح حق العرض المباشر لحفلاته للمنصات، فهو يرى أن الأمر سيكون كارثيًا لأن "الجمهور هيكسل يروح المسرح، وهيبقى قاعد في البيت مستني"، مما سيؤثر بالسلب على المسرح الذي يعاني بالفعل.

في نهاية الحوار أخبرني قنديل أنه يعمل حاليًا على كتاب عن فن الاستاند أب كوميدي، وهو أول كتاب باللغة العربية عن هذا الفن. أضاف أيضًا أنه يعمل عليه منذ 6 سنوات تقريبًا، لكنه سيكون متاحًا العام المقبل. لكن، هل سيأتي وقت ويصبح فيه هذا الكتاب الجديد مرجعًا يؤرخ لمرحلة قديمة أقل تطورًا مما سيكون عليه فن الاستاند أب كوميدي في مصر؟ هذا ما سيكشف عنه المستقبل.