تزوير فى أغنيات رسمية: كيف تحول عوض الدوخي إلى السنباطي ليغني مع أم كلثوم؟

منذ خمس سنوات انتشر فيديو مسجل عليه مقطوعة لا يتعدى زمنها عشر دقائق بعنوان "دويتو أم كلثوم ورياض السنباطي"، ثم أعيد نشرة مرة تلو أخرى، بل وتفتق ذهن بعض المستخدمين عن استخدام كلمة "نادر جدًا" كنوع من التسويق للفيديو.

على يوتيوب، رفع مستخدم قبل نحو سبع سنوات نسخة من أغنية أنا في انتظارك لأم كلثوم، بصوت مطربة أخرى، قال إنها المطربة السورية ماري جبران. ولكن التسجيل نفسه موجود على ساوندكلاود، قالت المستخدمة التي رفعته إنه بصوت مطربة سورية أخرى هي زكية حمدان.


لو تجولنا أكثر في يوتيوب وساوندكلاود فسنجد عدة نسخ من التسجيل نفسه، ولكن بتسميات مختلفة، فتارة تنسب إلى زكية حمدان وتارة اخرى إلى ماري جبران، في حالة تشتت واضحة جدًا للمستمع العادي الذي لا يعرف إلى أي منهن ينتسب هذا التسجيل.

يأتى اللغط هنا لأن كل واحدة منهما غنت تلك الأغنية في فترة من فترات حياتها، بحسب المؤرخ الموسيقي صميم الشريف في كتابه أعلام الموسيقى في سوريا، لذا لن تستطيع الاعتماد على الكتاب لمعرفة هوية المطربة ولا حل سوى أن نستمع إلى كل واحدة منهما تؤدي أغنية أخرى، ونحاول تمييز الصوت، فلو أستمعنا إلى أغنية خليك يا بدري لماري جبران وأرى سلمى لزكية حمدان، يمكننا تمييز أن من تغني في هذا التسجيل هي زكية حمدان.


إلى من نحتكم؟

تظل عملية توثيق الأعمال الفنية، على أهميتها، مقتصرة على المتخصصين وبعض المهتمين فقط، أما باقي المستمعين -وهم في الغالب لن يكونوا مهتمين بتوثيق كل تسجيل وجمع المعلومات حول من يغنيه ومتى سُجّل- فإنهم في الغالب سيكونون ضحية معلومة خاطئة أو مرتبكة، خاصة وأنهم يعتمدون غالبًا على محركات البحث على شبكة الإنترنت، ويثقون فيما يحصلون عليه من نتائج، ولكن على المحتوى الموسيقي العربي على الإنترنت موثق كما ينبغي؟

في فترة ما قبل انتشار الفضائيات والإنترنت ظل عبده السروجي مطربًا مجهولًا رغم أن أغنيته غريب الدار كانت منتشرة على نطاق واسع، حتى أعيد إليه بعض حقه في زمن الإنترنت، وعُرِف لاحقًا أنه جد الفنان أحمد السقا كما ذكر في أحد حوارته المتلفزة.

غياب المصادر الحقيقية والثقافة الموسيقية الضحلة، قد تشتت المستمع عندما يجد أكثر من معلومة متناقضة تخص نفس التسجيل، فتجد مستخدمًا ينسبه لأحد المطربين بينما ينسبه آخر ينسبه إلى مطرب ثانٍ وهلم جرا.

أحد الأخطاء الموسيقية الشائعة على الإنترنت نسب لحن أغنية حلوة يا بلدي إلى بليغ حمدي كما هو منشور على إحدى صفحات ويكيبديا. الأمر لم يتوقف على ويكيبيديا بل تناقلت عدة مواقع صحفية إلكترونية هذه باعتبارها "معلومة"، دون أن يكلف أحد نفسه بأن يشاهد غلاف ألبوم داليدا حيث لا وجود لاسم بليغ حمدي كملحن لأي أغنية .

غلاف البوم داليدا 

الأغنية من ألحان الفرنسي جيف بارنيل، وأغلب من يقول إنها لحن لبليغ حمدي يستند إلى ويكيبيديا أو من نقل عنها، حتى صار الخطأ شائعًا والصواب ضائعًا، رغم محاولات التصحيح العديدة إلا أن هناك إصرار عجيب على نسب الأغنية لبليغ حمدي وقلما ما تجد من ينسبها إلى ملحنها الحقيقي.

الحقيقة أن تلك الإشكالية تعكس غياب أي جهد لرقمنة تاريخ الموسيقى العربية وإبقاءه حبيس المطبوعات والكتب.


هوس المشاهدات

منذ خمس سنوات انتشر فيديو مسجل عليه مقطوعة لا يتعدى زمنها عشر دقائق بعنوان "دويتو أم كلثوم ورياض السنباطي"، ثم أعيد نشرة مرة تلو أخرى، بل وتفتق ذهن بعض المستخدمين عن استخدام كلمة "نادر جدًا" كنوع من التسويق للفيديو.


هناك لقاءات فنية تعتبر حدثًا فريدًا من نوعه، محاورة غنائية بين أم كلثوم ورياض السنباطي، إذا حدثت، كانت لتبقى أمرًا هامًا، موثقًا، ومُلهمًا، ولظل الناس يستذكرونه ويعودون إليه، غير أنه ببساطة، أمر لم يحدث على الإطلاق سوى في التسجيلات الرديئة لبعض البروفات.

وتاريخيًا، فإن أم كلثوم لم تغنٍّ أي دويتو في أي حفل من حفلاتها على الإطلاق، بل إنها حتى لم تستعن بأي كورال منذ أن تخلت عن بطانتها في العشرينيات بعد أن تعرفت إلى محمد القصبجي وخلعت الجبة والقفطان وارتدت زي الآنسات.

المحزن فى القصة هو عدم قدرة كثير من المستمعين على التمييز بين صوت السنباطي وصوت المطرب الكويتي عوض الدوخي صاحب الصوت الشجي الذي يغني في التسجيل الذي أدمج فيه صوته مع صوت أم كلثوم من إحدى حفلاتها، وإن كان سبب ذلك هو رحيل الدوخي في أواخر السبعينات بينما لم تكن الموسيقى الخليجية منتشرة بكثرة داخل مصر، في عصر ما قبل الفضائيات والإنترنت.


الدوخي مسيرة فنية كبيرة، صاحب نبرة صوت مميزة أعطته تفردًا بين مطربي عصره، كون ثنائيًا فنيًا مع أخيه الملحن يوسف الدوخي، وصنعا شعبية كبيرة داخل الخليج بأغنيات مثل صوت السهارى وقل للمليحة، وحققت موسيقاهم طفرة كبيرة في الموسيقى الكويتية، وغنى العديد من الألوان الموسيقية مثل أغاني الصوت وأغاني البحر والنهمة والأغاني العاطفية وأغاني الطنبورة والأغاني الوطنية.

تأثر عوض الدوخي بأم كلثوم كثيرًا وغنى العديد من أغنياتها، وفي لقائه الوحيد بها أثنت على صوته كثيرًا، و يُنسب تصريح على لسانها عند سؤالها عن غناء عوض لأغانيها "لم يشوِّه أغانيَّ، بل قدمها بخليجيته، ولم يكن مقلدًا لي في كل أعمالي".



حيرة بين سيّدين

كنت شاهدًا على تعليق لأبنه الموسيقار الراحل سيد مكاوي وهي تشكو من أن الأغلبية تنسب أغنية الصهبجية إلى المؤسس خالد الذكر الشيخ سيد درويش، وأنها تعبت من تصحيح تلك المعلومة في كل مرة تراها منشورة على مواقع التواصل الإجتماعي.

الغريب أن الأغنية غناها الممثل محمود عبد العزيز في داخل فيلم الكيت كات، وكتب على تتر الفيلم أنها ألحان سيد مكاوي و كلمات صلاح جاهين، ولم يستخدم ناسب الفيديو إلى سيد درويش عقله ولو لبرهة ليلاحظ أن صلاح جاهين ولد بعد وفاة سيد درويش بسبع سنوات كاملة.

وقعت قناة الحياة فى نفس الخطأ بنسب الأغنية إلى "سيد درويش" بعد نشرها لفيديو من مسلسل "هى ودافنشي" وفيه يغنى الممثل خالد الصاوي الأغنية .


حفيد سيد درويش نفسه، المطرب إيمان البحر درويش، غناها في أحد ألبوماته ونسبها إلى صناعها الحقيقيين، ولكن مع الأسف فنسبة كبيرة من المستخدمين ينسبوها إلى سيد درويش، والطامة الكبري فى بعض الفنانين الهواة الذين يعيدون غنائها يقعون فى نفس هذا الخطأ.


مودي ليس مدحت

من ضمن مشاكل المحتوى العربي الموسيقى على الإنترنت هو غياب البحث الجدي عن هوية من يغني، فتختلط الأمور ويعتمد المستخدم على أذنه أثناء رفع الأغنية على الإنترنت بدلًا من البحث على المعلومة الصحيحة.

من فيلم زكي شان حصدت أغنية "ما تحلمشي" لمغنٍّ شاب اسمه مودي إعجاب من شاهدوا الفيلم. ولكن لسبب ما فإن الأغنية مسجلة على يوتيوب وغيره باعتبارها للمطرب مدحت صالح.


التتر غناه المطرب الشاب مودي جمال وهو الاسم الذي كان حاضرًا في الموسم الأول من برنامج المواهب نجم الخليج عام 2009، ونظرًا لأن البرنامج كان مختصًا بالغناء الخليجي فقط فلم يكن الجمهور المصري شغوفًا بمتابعته مثل برامج المسابقات الأخرى.