- تصميم أيمن يوسف- المنصة

الموسيقى تلد شعرًا

كيف تُكتب اﻷغنيات على ألحان موجودة مسبقًا؟

منشور الأربعاء 31 أغسطس 2022

في زيارة لمعهد الموسيقى العربية، التقت شادية بالملحن الشاب وقتها إبراهيم رأفت يدندن أغنية، فأعجبها اللحن ولم ترق لها الكلمات، فطلبت من عبد الوهاب محمد كتابة كلمات جديدة على اللحن نفسه.

وقتها كانت شادية تستعد لإحياء حفل أرادت أن تغني فيها أغنيتها الجديدة، وهو ما كان، وإن اضطرت وقتها لأن تقرأ الكلمات من نوتة وضعت أمامها خلال الحفل الذي قدمه الفنان سمير صبري، مبررًا الموقف بارتباك شادية وخوفها من النسيان.

الحكاية السابقة ليست اﻷولى ولا اﻷخيرة في مسار الكتابة الغنائية المعكوسة، أي التأليف الشعري على لحن معد مسبقًا، على غير المعتاد أن يضع الشاعر نصه تعبيرًا عن أحاسيسه وأفكاره، ثم يتلقفه الملحن من بعده، ليصبح التحدي أمام الشاعر هو: كيف تكون الكلمات ذات معنى وقيمة كشعر، وفي الوقت نفسه تصلح للغناء على اللحن الموجود مسبقًا؟

 

 أنا وقلبي يا روح قلبي

اللعبة ليست سهلة بالطبع، فاﻷمر يحتاج إلى التمرس، ومعرفة بعروض الشعر وبحوره من جهة، ومن جهة ثانية معرفة موسيقية دقيقة، اﻷمر الذي يبدو متوفرًا في النماذج التي نتوقف أمامها في هذه السطور.

في أغنية شادية يبدأ عبد الوهاب محمد بـ "أنا وقلبي يا روح قلبي حياتنا ليكْ.. وقد الحب والعشرة عشمنا فيكْ"، ببيت مبني على قافية الكاف الساكنة، وفقًا للعامية المصرية، والأهم أن الحرف الذي يسبق الكاف، المسمى في الشعر بـ"الردف"، هو "الياء الممدودة"، واستخدمه الشاعر ليناسب قفلة البيت اللحنية التي بها "تخافض" يصل لقرار الجملة "الصوت الأقل انخفاضًا"، ويناسبه حرف مد مكسور، فكان حرف الياء السابق للكاف المسكونة.

ويتألف لحن البيت يتكون من مازورة "وحدة قياس موسيقية.. بالتقريب: هي جزء من الجملة اللحنية يتكون من مجموعة نغمات"، وفي البيت المشار إليه تتكرر ست مرات، مقسمة على شطري البيت الشعري بالتساوي، بواقع 3 مرات لكل شطر. ليصبح البيت 6 موازير هي أنا وقلبي، يا روح قلبي، حياتنا ليك، وقد الحب، العشرة، وعشمنا فيك.

ويقول الشاعر "ومهما أنسى مابنساشي.. ما بنساشي ولا ثانية"، اتساقًا مع آلية الكتابة في مطلع اﻷغنية، لم يكتب محمد وفقًا للمعتاد "ما بنساش" إنّما أضاف الياء وأعاد تكرارها، حتّى لا يختل اللحن في الحالتين.

ليلي يا ليلي ع الهو... واللي جرالي/ دوا الهوا برده الهوا.. مين فينا خالي

الأغنية في أغلبها مونولوج، أي غناء فردي وأصل الكلمة مونو أي واحد ولوجوس أي الكلمة، أي حديث النفس والنجوى، وخلالها تخاطب شادية ذاتها وطيف حبيبها الغائب. لكن الشاعر في السطرين الشعريين السابقين يدخل عنصرًا جديدًا على تركيب المونولوج، استدعاء أصوات الكورال بجانب صوت المغنية، لتنكسر الثيمة الرئيسية للأغنية فنيًا، ونصبح الكلمات المُغنّاة مناسبة لحالة التضاد الموسيقي أو الحوار بين التصاعد اللحني كريشندو Crescendo في أول كل بيت، وبين التخافض ديكرشندو Decrescendo، في الشطر الثاني من كل بيت.

ففي الشطر الأول من السطرين "ليلي يا ليلي ع الهوا" و"دوا الهوا برده الهوا"، يتصاعد صوت الكورال، فترد شادية بتخافض "واللي جرالي" مرة و"مين فينا خالي” مرة أخرى، ليأتي تصاعد الكورال الذي يُحَدّث شادية بانبهار وسعادة تعليقًا على حديثها السابق في الأغنية "تعالى نجدد الذكرى"، وكأن الكورال هم مجتمعها أو أصدقاؤها الذين يحسدونها على حبها، لتكن إجاباتها المنكسرة "واللي جرالي" و"مين فينا خالي"، التي تتكرر ثلاث مرات تهبط تدريجيًا منكسرة، لتصل لقرار الجملة اللحنية.

هذا التكرار لعبارتي "واللي جرالي" و"مين فينا خالي"، ضبط وزن وقافية الجملة الشعرية مع الجملة اللحنية، وأفاد اللحن والمعنى أيضًا، فمن ناحية ناسب الهبوط على السلم الموسيقي، ومن ناحية أخرى رسخ المعنى، وبَيّن مدى الألم الذي يعتري شادية؛ فالإنسان حين يتأثر بكلمة قد يكررها أكثر من مرة.

الرحبانية وموزارت

للرحبانية وفيروز مجال واسع في اقتباس ألحان غربية وتأليف كلمات تناسبها، ومن أشهرها أغنية "يا أنا يا أنا"، المبنية على لحن الحركة الأولى من السمفونية 40 لموزارت، التي نتوقف أمام مذهبها (مقطعها الافتتاحي)، لتبيان ما فعله الأخوان منصور وعاصي الرحباني في تأليف الكلمات.

في النسخة الرحبانية يبدو الإيقاع داخليًا نابع من الموسيقى نفسها، لا من آلات النقر، من خلال الاستعانة بالتامبورين بشخاليله "آلة تشبه الرق لكن بلا جلد للنقر عليها– شخاليل فقط"، وكما في اللحن اﻷساسي تعاد الجملة الموسيقية الأساسية مرتين، إحداهما "الجواب" متصاعدة، والثانية "القرار" متهابطة.

وبالجملة الأولى سكتات خفيفة بين الموازير، وفي الثانية يبدو زمن السكتات بسيطًا جدًا، وكأنها متصلة، هكذا صاغ الأخوان رحباني كلماتهما "يا أنا يا أنا أنا وياك.. صرنا القصص الغريبة".

واعتمد اﻷخوان على تكرار "يا أنا" للاتساق مع عدد النبضات وتكرار الموازير اللحنية عند موزارت، مع الاعتماد على قافية مبنية على ألف المد، المفتوح بالتبعية، وهو الفتح الذي يُعطي انطباعًا بالصعود لأعلى كما هو حال الجملة اللحنية الصاعدة "الجواب".

وتركيب العبارات مناسب لتركيب اللحن، فالسكتة الخفيفة بعد كل مازورة لحنية، انسجمت معها السكتة الشعرية غير المستهجنة بين "يا أنا" "يا أنا"، وهي سكتة لازمة للتمكن من نطق همزة القطع في "أنا" بعد الألف الممدود في "يا"، كذلك تلاءم مع نطق الألف الممدود -المفتوح بالتبعية- في "أنا" و"وياك" مع الصعود اللحني في الجملة.

أما عبارة "صرنا القصص الغريبة"، فنجد تخافضًا متصلًا في اللحن، بلا تقطيع يُذكر، وينتهي هذا التخافض بكسر الباء والياء "غريِبِي".

وفي ميزان الشعر تُقاس الحروف الأخيرة بنطقها لا برسمها، فالتاء المربوطة في "غريبة" تنطقها فيروز ياء مكسورة بما يناسب الهبوط اللحني الذي ينتهي إلى قرار الجملة.

ويختتم الأخوان رحباني مذهب الأغنية بـ"وعرفوا إنك حبيبي .. عرفوا إنك حبيبي"، مع تكرار "عرفوا إنك حبيبي"، وتقسيم نطق حبيبي الأولى إلى مقطعين متصلين "حا - بيبي"، وذلك بمد الحاء المفتوحة. كذلك التلاعب بكلمة "حبيبي" الثانية، وتحديدًا بالياء الوسطى، بمدها الزائد مع تعريجها ومطها، للتناغم مع عدد الموازير والقفلة اللحنية للجملة.

ومن الواضح هنا أن الأخوين رحباني اللذان كانا يلحنان ويكتبان شعرًا في الوقت نفسه، استغلا ما لديهما من خبرة لحنية في كتابة الأغنية، فالكلمات لم تكن لتنساب بسهولة على اللحن، لولا الاضطرار للتكرار والتلاعب بنطق الكلمات، وبالطبع ساعدهما في ذلك نعومة الإيقاع وعدم وجود آلات نقر تغطي على الغناء.

يوم تلات

يرتبط الملحن عزيز الشافعي بعلاقة وطيدة مع الشاعر تامر حسين، خلقت تفاهمًا بينهما، ونتجت عنها أعمال قد تبدأ بفكرة لحنية من عزيز، ويضع تامر عليها الكلمات بعد ذلك.

ومن أشهر هذه الأعمال أغنية يوم تلات التي غناها عمرو دياب، ولم يؤلف لحنها فقط قبل كلماتها، بل اضاف ملحنها أسطرًا شعرية على نص حسين، وتحديدًا جملة "فتفتوا الفتافيت وفتنوني".

جاء الشعر ببيتين متماثلين بين شطريهما، وزنًا وقافية؛ فقد بُنيا، أي الشطرين، على قافية النون المكسورة الممدودة بالياء، وردفها الواو الممدودة، مع تماثل شبه كامل لحركات المد في كلمات البيتين. وحافظ إضافة شطر "فتفتوا الفتافيت وفتنوني" على هذا التماثل، كما ضبط قفلة الكوبليه، وجعله ينتهي بقرار الجملة اللحنية.

فاللحن يبدأ بأسلوب تقريري في أول بيت، ليس به صعود ولا هبوط، يمشي مستويًا، يحكي الحكاية بلا انفعال، ثم يبدأ الصعود للجواب في الشطر الأول من البيت الثاني "قعدة وانبساط" فكان لزامًا قفله بقرار من وزنه نفسه، فأضيف شطر "فتفتوا الفتافيت"، ولولا هذا الصعود والهبوط (الجواب والقرار) لخرج الكوبليه باردًا، خاليا من العاطفة الطربية، أو السلطنة، لأنه كان سيصير بلا قفلة.

تماهى تامر حسين مع الجملة اللحنية للأبيات، التي هي نفسها المقدمة الموسيقية للأغنية، لمن يريد أن يستمع إليها بلا كلمات. وتنقسم لموازير متماثلة -تقريبًا- متقطعة، تسكن فيما بين كل مازورة وأخرىن ووصل التماهي إلى أن جعل كلمات "تلات، تلات 3، بنات" التي ينتهي كل منها بحرف التاء الساكن، ما يعني اتحاد الكلمات واللحن، فمع كل مازورة ودقة "دم" على الإيقاع نجد حرف تاء ساكن، يناسب النهاية ويناسب "دم" الإيقاعية.

الأمر نفسه في الشطر الثاني "البساطْ، بصّاطْ، ناسْ"، حيث نجد 3 كلمات تنتهي بحرف ساكن، يسبق نهايتها نفس المد بالألف.

فيما لم يشمل البيت الثاني "قعدة وانبساط غدا وعزموني.. فتفتوا الفتافيت وفتنوني" على السواكن بين كلماته، وإن بُني على الوزن والقافية المستعملتين، وذلمك لاحتوائه صعودًا وهبوطًا لحنيًا يستلزمان إلغاء السكتات في الغناء، فالموازير هنا متصلة وليست متقطعة، لتمكين المطرب من الصعود والهبوط بحرية، وتنفيذ القفلة الطربية المطلوبة، وهو أمر لا يستقيم مع التسكين والتقطيع.

السر في الإيقاع

يتضح مما سبق أن الإيقاع أهم خيط يمسك به الشاعر للكتابة على لحن مسبق، فهو الوحدة الرتمية التي يسير عليها اللحن أو الشكل الزمني الذي يختاره الملحن في صياغة الموسيقى، ويعرف باسم "الوزن"، حسبما يوضح مجدي إسحاق. والمثير أن "الوزن" هو ضابط الشعر أيضًا، التي تشبه وحداث الميزان العروضي في الشعر، الحركة والسكون، فالدُّم تماثل الحركة والتك تقابل السكون.

والشعر قد يتجلى أولًا على هيئة إيقاع بعينه الذي يولِّد بدوره فكرة أو صورة، حسبما نقلت هيلن جاردنر Helen Gardner في كتابها فن تي إس إليوت (The Art of T.S. Eliot). وترى جاردنر أن قراءة القصيدة تكون أكثر وقعًا حين تُقرأ بصوت مسموع، لما في ذلك من وقع موسيقى يؤثر في تذوق القصيدة.

هذه النقطة تقربنا من الجذر المشترك بين الموسيقى والشعر في أذهاننا، فمخ الإنسان يحتفظ في جزء منه بذاكرة بدائية تعيده بشكل لا شعوري إلى طفولته، والطفل قبل أن يتكلم لغة يصدر أصواتًا، تعبيرًا عن مشاعره أو أفكاره، ثم تتطور  إلى شبه كلمات ثم إلى كلمات، وهذه الأصوات كالموسيقى البحتة في عقولنا، تعبر بلا كلمات، حسبما نفهم من الفيلسوف الراحل فؤاد زكريا في كتابه مع الموسيقى.

إذًا، الكلمات البشرية المنطوقة كانت في الأصل أصوات موسيقية، فما المانع أن يعود صانعُ الكلمات إلى التماهي مع بدائيته الطفولية؟ هذا ما يحدث مع الشعراء الذين يستعينون بالألحان لتأليف أشعارهم.