زاب ثروت.. وجه المهرجانات الوسيم

أغنية "ولا يا ولا" لعبد الغني السيد والتي لا تهدف لأي شىء تسعدني وأكررها مرات ومرات أكثر من دروس زاب الهادفة التي تحارب التحرش!

في الأيام الماضية ظهرت أمامي أغنية جديدة للفنان زاب ثروت تحت عنوان "الصحاب" يشاركه فيها الغناء حمزة نمرة، ظهرت مرة وثانية وثالثة حتى بدا وكأن الطبيعة تتآمر من أجل أن أستمع للأغنية، لبيت النداء بالفعل واستمعت، وبعيدًا عن إعجابي بالأغنية من عدمه، فإن كل ما لفت انتباهي أنها ردتني لماضٍ قريب عندما كنت في الصف الثاني الإعدادي، أكتب كلامًا شبيهًا جدًا بهذا الذي كتبه ويغنيه زاب.

كنت أسمّيه شِعرًا!


في البداية، أنا لست من "مهاويس" فن الراب، لذلك فإذا كنت سترفض كلامي من منطلق أنني "مبفهمش حاجة في الراب"، فعلى الرحب والسعة.

كنت قد سمعت بعض أغنيات زاب ثروت قبل ذلك، ولكن حين شرعت في كتابة هذا المقال سمعت أكثر وأكثر، أعجبتني الموسيقى في كثير من الأغاني، وأيضًا التصوير، ولكن جمهور زاب الواسع يعشق الكلمات أكثر من أي شيء، وصدقًا لم تبهرني الكلمات التي يكتبها زاب قدر انبهاري بانبهار جمهوره بها.

دعونا نقوم بتجربة، اخرج صباحًا من منزلك، مارس يومك كما العادة، وبعد أن تعود أخرج ورقة وقلم أو حتى على الوورد واكتب ما حدث معك في اليوم كاملًا كما هو على هيئة أسطر مع إضافة ألفاظ الحب والصدق والاحترام، ستجد أمامك شيئًا ما، حاول أن تضبط أواخر حروف كل أربع أو خمس جمل – قدر استطاعتك، ثم ابحث عن تراك موسيقي من المئات التي تغمر الإنترنت، قم بإلقاء هذا الشيء والتراك في الخلفية.

هنيئًا، فقد أوشكت أن تصبح زاب ثروت، لا ينقصك سوى أن تلقي كلماتك داخل استوديو، حينها ستصبح زاب ثروت تمامًا بلا نقصان.

لا أبالغ لو قلت إن زاب ثروت هو المعادل الوسيم لأشباح المهرجانات، فإذا كان جيل المهرجانات هو نتاج ظروف اجتماعية وتراكمات في الطبقات الشعبية، فسنجد ما يقابلها في الطبقات الأكثر تعليمًا؛ زاب ثروت وأمثاله.

أدرك تمامًا الفارق بين الفن المسموع والفن المقروء، حيث ليس كل ما يكتب يُسمع والعكس أيضًا، فما تسمعه تسمعه وتتفاعل معه في حينه، عكس ما تقرأ، إذ يتطلب الأمر هنا جزءًا أكبر من التركيز والتمعّن، مما قد يدفعك أحيانًا للرجوع بعينيك إلى ما قرأت وإعادة قراءته مرة أخرى لفهم المعنى كاملًا، لذا فمن المؤكد لا أطالب أن يغني زاب ثروت كلمات ذات عمق فلسفي متسع الأفق، وحتى سأتغاضى عن كسر الوزن في كثير من أغانيه، فقط أقصد الحد الأدنى من الجودة، استمع إلى مونولوجات إسماعيل ياسين، هي مقارنة غير عادلة حيث نوعين من الفنون لا يعرفان بعضهما كالراب والمونولوج، ولكن أشير هنا لفكرة القالب الذي يستوجب كلامًا سهلًا يصل سريعًا فيصُب فيك شيئًا في حينها، هي الخط الرفيع الفاصل بين ما هو جميل لسهولته، وما هو تافه بسهولته.

أنا كده عال أوي.. انا كده مرتاح..

ولا عمري رأيت ورقة بمية

وبنام والباب من غير مفتاح..

واتحدى جميع الحرامية

ولا شرب يخسر أخلاقي..راح أجيبه منين وأنا مش لاقي

ولا ثروة تزود أعدائي

وفي ستين داهية توديني..

اللهم افقرني كمان..

اللهم اغني عدويني!


يقول سارتر في كتابه "ما الأدب" إن الشاعر والكاتب الجيد خارج عن نطاق اللغة، يرى الكلمات من جانبها المعكوس، كأنه من غير عالم الناس.. وبما أنه يضع نفسه خارج نطاق اللغة، فإن الكلمات التي تبدو لغيره دوافع تقوده إلى معرفة ما حوله وتزج به وسط الأشياء، تظهر في عينيه هو فخًا لاصطياد حقيقة أبية المراس، وموجز القول إن اللغة بالنسبة إليه هي مرآة العالم وبهذا يجري لديه في ذات الكلمة وفي استعمالها تغيرات على نحو جديد.

رهان زاب مستمر على قوالب صدق حلمك وقيم الصداقة والرجولة ونوستالجيا الطفولة المستهلكة، أخرِج لي يا زاب أي جديد، أي جديد وهذا كل ما في الأمر.

حتى هذه المبررات التي تصنع دفاعًا ضد نقد زاب ثروت بأن أغانيه تقدم رسالة، من قال لك أني أحتاج رسالة؟ من الذي فرض أصلًا التقييم من باب تقديم تلك الرسائل الوعظية أو عدم تقديمها؟ عزيزي المستمع يسرني أن أخبرك أن أغنية "ولا يا ولا" لعبد الغني السيد والتي لا تهدف لأي شىء تسعدني وأكررها مرات ومرات أكثر من دروس زاب الهادفة التي تحارب التحرش!


زاب ثروت بعيد كل البعد حتى عن الجدلية الشهيرة التي تُفتتح بمحاربة النجوم الواعدة والنماذج المختلفة عن الساحة الفنية، وأمثلة اجتاحت الأرض نجاحًا كانت قد تعرضت لتعسف فني ونقد عنجهي في البدايات كعبد الحليم وعدوية وغيرهم، صدقني لا أتحدث من فوق برج عاجي باسم العارف بالفن ولكن فقط هي بعض الومضات أود أن أثيرها، دعوة إليك أن تتأمل هذا (الكلام) ثم تحكم.

يا بخت عم محمد البقال اللي تحتيا، خلصت فلوسي كلها على البوظو واللوليتا، مبروك البوية الجديدة مكتوبة على كل حيطة، ذكريات كتير عبيطة بس كانت أيامنا حلوة، أيوة كانت أيامنا حلوة والمشاكل كانت بسيطة


الحد الأدنى من الجودة، الخط الرفيع الفاصل بين ما هو جميل لسهولته، وما هو تافه بسهولته!

لذلك فكل كلامي هنا عن الكلام؛ كلام زاب، لا يهمني في مقامات أخرى اسمه أو شخصه أو أداءه كـ"رابر"، وقد يكون متفوقًا في هذا الجزء بشدة ويُقدّر على هذا، لكن فيما يخص الكلام فللحديث أوجه مغايرة، والشيء بالشيء يذكر فحتى اختياره لاسم زاب لا يضيقني إطلاقا، على العكس؛ فالاسم الغريب أو المتفرد هو أحد عوامل النجاح الهامة ولعل شكوكو وأسمهان وأبو تريكة وغيرهم دليل على ذلك. زاب ثروت هو مثال لأثلاث وأرباع الموهوبين لكن الاجتهاد دينهم وديدنهم، ونحن في عصر اللعنة للموهوبين الكسالى والمجد –كل المجد- للمجتهدين.

وحتى أكون أكثر إنصافًا فجزء كبير من شجاعتي تلك نحو زاب ثروت قامت حين أقبل هو على تجربة النشر الورقي، وكعادة مراهقي الفن فهو لا يسمي ما ينشره شعرًا ويحاول مداراته مرة تحت مسمى محاولات شعرية ومرة بلا مسمى أصلًا، والسؤال هنا إن كنت لا تمتلك الجرأة على تسمية ما تكتب لماذا إذا تنشره؟

من ديوان أجندة، أو كما أسماه زاب "محاولات شعرية"؛ "عيش الحياة بروح الطفل اللي جواك وخلي الابتسامة حاجة مش مفارقاك".

أعتقد أنك تعبت في قراءة هذا المقال أكثر مما تعب زاب في كتابة هذا الكلام.