من اعتصام يوليو 2011 بميدان التحرير. تصوير: حسام الحملاوي.

من السماء للأرض: كيف أضرّت الثورات العربية بفلسطين؟

مستقبل القضية الآن مجهول، لكنه -على الأغلب- كان سيصبح أفضل وأجمل بدون ثورات الربيع العربي

كنت أتوقع أن تسهم الثورات العربية في إحداث تحولات جذرية في الفكر العربي، تسهم بشكل أو بآخر في تقدم القضية الفلسطينية خطوات إلى الأمام نحو الحل، والتخلص من الاحتلال.

وقد كان التصور حيال أحداث الربيع العربي أن الحكام الفاسدين سيسقطون، وستسقط معهم مشاريع التطبيع والاستسلام للاحتلال. كما كان متخيلًا أن الثوار الشباب الذين أسقطوا تلك الأنظمة الفاسدة سيتحولون إلى نخب حاكمة. وبحكم وعي هؤلاء الشباب الفكري والثقافي الذي ثار على الظلم، فإنهم سيسهمون في تغيير الآلية التي تتعامل من خلالها الأنظمة العربية الجديدة مع القضية الفلسطينية، بما يمكن أن يؤدي إلى إحداث تحول جذري في سير القضية الفلسطينية، وبالتالي تحسن حالة الفلسطينيين بشكل مباشر.

لقد كان الوعي الذي يحمله الثوار بالنسبة لكثير من الفلسطينيين، وعيًا ثوريًا يخرج على الظلم كما يخرج على الاستعمار، لأن الوعي الذي يرفض، والذي يخرج بشجاعة إلى الشارع، لا يمكن له أن يرضى بالخنوع للاستعمار، أو للاحتلال؛ فالمنظومة التي يخرج منها الظلم، هي ذاتها التي يخرج منها الاستعمار.

كانت الثورات العربية تنذر بآمال كبيرة، خصوصًا في الفترة الأولى لاندلاعها. وقد بات الفلسطينيون يتطلعون إليها باعتبارها حجرًا في المياه الفلسطينية الراكدة، لأنها ستؤثر، عاجلًا أم آجلًا، على مجريات الأحداث في المنطقة، وعلى الفلسطينيين بشكل خاص.

كان الفلسطينيون يرون أن أي تغير نحو الديمقراطية في الدول العربية، سيؤثر إيجابيًا على فلسطين، لأن الفلسطينيين الذين اكتووا بنار الظلم والفساد، هم أكثر من عانى من استبداد وفساد تلك الأنظمة.

اليوم وبعد موت الثورات، وسيطرة قوة الثورة المضادة على تحركات الشباب، أصبح الحديث عن القضية الفلسطينية حديث ثانوي.

الانشغال بالقضايا الداخلية

أدى اندلاع ثورات الربيع العربي إلى انشغال كل دولة في قضاياها الداخلية، وباتت كل دولة تعطي الأولوية لمشاكلها الجديدة، على حساب القضية الفلسطينية التي كانت جوهر الفكر العربي. لم تعد فلسطين ضمن حسابات السياسيين العرب، ولم يعد لفلسطين حصة كبيرة من انشغالات الرأي العام العربي، إلا في حال حدوث أحداث كبيرة تتعلق بفلسطين مثل الحرب الإسرائيلية على غزة عام 2014، وأزمة البوابات الإلكترونية في المسجد الأقصى عام 2017.

ما دون ذلك، انشغلت الشعوب العربية في الأزمات السياسية الداخلية، وأصبح النشطاء السياسيون أكثر حراكًا في القضايا التي أحدثتها الأزمات العربية داخل بلدانهم، بعيدًا عن الهم العربي الموحد.

وعلى الرغم من وجود بعض العلاقات المتوترة مع بعض الأنظمة العربية خلال هذه الفترة أو تلك، إلا أن الفلسطينيين كانوا يشعرون بتضامن الشعوب العربية الدائم مع قضيتهم. أما مع انشغال هذه البلدان بأزماتها الداخلية، فلم يعد الفلسطيني يشعر أنه يشكل جزءًا من الأولويات العربية، لا على مستوى الأنظمة، ولا على مستوى الشعوب.

وقد شهدنا ذلك، في آخر تجلٍ له، مع ذكرى يوم الأرض الخالد في الـ30 من مارس/آذار الماضي، الذي اقتصرت فعالياته على الفلسطينيين وحدهم. العادة جرت أن الشعوب العربية تشارك، ولو بشكل رمزي، في تنظيم المظاهرات المتضامنة مع فلسطين من بلدانها، لكن هذا لم نشهده خلال هذا العام، وخلال السنوات القليلة الماضية.

خارج التغطية

انعكس انشغال الشباب العربي بأزماتهم الداخلية على تغطية وسائل الإعلام العربية؛ فقد كانت وسائل الإعلام العربية، قبل "الربيع" تخصص كثيرًا من ساعات بثها، ومن صفحات جرائدها، للقضية الفلسطينية، فتنشر تقارير موسعة ومعمقة حول القضايا الإنسانية الفلسطينية، باعتبارها قضية العرب والفلسطينيين.

لكن مع أحداث الربيع العربي، بالكاد أصبحت القضية الفلسطينية تحظى بتغطية إعلامية عربية، بما في ذلك أوقات الأزمات الكبيرة التي شهدتها فلسطين بعد عام 2011. وقد أدى ذلك، بطبيعة الحال، إلى صناعة رأي عام عربي غير مكترث بالقضية الفلسطينية، لدرجة أن كثيرًا من العرب باتوا يشنون هجومًا على الفلسطينيين، الذين تحولوا إلى أهداف للتحريض من وسائل إعلام كثيرة. كما تجرأ البعض على اتهام الفلسطينيين بالخيانة، ولم يعودوا يخجلون من التغزل بإسرائيل ومن محاولات التقرب منها.

حتى على المستوى العالمي، لم يعد تركيز وسائل الإعلام الأجنبية على تغطية أحداث فلسطين، وأصبحت حرارة الأحداث في دول "الربيع" تستأثر بمعظم حجم التغطية الذي تقدمه وسائل الإعلام الغربية؛ خصوصًا أن بعض الدول في منطقة أصبحت تشهد أحداثًا شبه يومية من الحروب والصراعات السياسية، كما يحدث في سوريا ومصر واليمن.

خريف سيناء وغزة

لقد كانت الأحداث في مصر على وجه الخصوص محرّكًا لمشاعر كثير من الفلسطينيين، لأن مصر، صاحبة أكبر دور سياسي تاريخي في فلسطين، خصوصًا عبر حالات الوساطة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وفي المصالحة الفلسطينية. لقد لعبت مصر الدور الأبرز في بعض القضايا السياسية، بما في ذلك الوساطة في صفقة الجندي الإسرائيلي الأسير لدى حماس جلعاد شاليط، التي شملت الإفراج عن أكثر من ألف أسير فلسطيني من سجون الاحتلال الإسرائيلي.

كما أن مصر، بحكم امتلاكها للحدود المشتركة مع فلسطين، كانت تلعب الدور الأكبر في التنفيس عن الفلسطينيين في غزة، المحاصرين منذ عام 2006 من إسرائيل. وقد شعر الفلسطينيون لوهلة بأن سقوط نظام حسني مبارك سيكون له تأثير مباشر على فتح معبر رفح، الذي أغلقه مبارك في وجه الفلسطينيين لمدة طويلة، في خطوة متواطئة مع الحصار الإسرائيلي.

لكن السياسة الجديدة التي انتهجتها القيادات المصرية التالية لمبارك، لم تعطِ أولوية لقضية معبر رفح، واستمر حال الفلسطينيين على ذاته، لكن مع شعارات رنانة تدّعي أنها تعمل من أجل فلسطين.

وعلى العكس من ذلك، ازدادت الأمور سوءًا؛ فقد بات الإعلام المصري أكبر مروّج لعلاقات حماس بهجمات إرهابية حدثت داخل سيناء، مستهدفة جنود الجيش المصري. ورغم أن خطأ هذه الاتهامات تبين بعد ذلك، إلا أن بعض وسائل الإعلام المصري لا تزال حتى الآن تنادي بضرورة عقاب حماس، ومن ورائها الغزيين، على علاقاتها مع جماعة الإخوان المسلمين.


لقد أدى تصاعد نفوذ الجماعات المسلحة، بما في ذلك "أنصار بيت المقدس" التابع لتنظيم الدولة الإسلامية- داعش-، وأنصار الإسلام، وغيرها من الجماعات المتطرفة، في شبه جزيرة سيناء، إلى تزايد العداء المصري ضد الفلسطينيين، واتهامهم في بعض الأحيان بالانخراط في جماعات متشددة إرهابية تستهدف أمن واستقرار مصر، بسبب انضمام بعض الشباب الفلسطينيين إلى صفوف هذه الجماعات.

وقد أدى ذلك أيضًا إلى استمرار إغلاق معبر رفح –إلا في حالات نادرة- بحجة سوء الأوضاع الأمنية في شبه جزيرة سيناء، والعمليات الأمنية التي يقوم بها الجيش المصري من أجل تطهير المنطقة. هذا الأمر من شأنه أن يزيد من معاناة الغزيين الذين يعانون من الحصار الإسرائيلي بشكل كبير جدًا، إلى درجة وفاة الكثيرين بسبب نقص الأدوية وعدم القدرة على الخروج من غزة للعلاج.

الاصطفافات الحزبية واللاجئين

على غرار تقارب حماس السياسي مع جماعة الإخوان المسلمين، انحازت "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة" إلى النظام السوري في حربه ضد ثوار الربيع العربي. وقد أدى ذلك، بدون شك، إلى قيام الكثيرين بتعميم الحالة على الفلسطينيين ككل، محولّين مثل تلك الأحزاب والحركات إلى ممثل عام للشعب الفلسطيني؛ وهكذا، أصبح استعداء الفلسطينيين ضربًا من الثورة الشعبية في تلك البلدان على الفساد.

ومع اندلاع الحروب الطائفية والحزبية والأهلية في دول "الربيع"، وجد بعض الفلسطينيين أنفسهم متورطين في صراعات لا علاقة لهم بها، بعيدةً كل البعد عن الهدف الذي أنشئت من أجله – تحرير فلسطين.

كما تعرض اللاجئون في الشتات إلى مزيد من النكبات، حين اضطروا إلى اللجوء مرة أخرى، ومغادرة مخيماتهم في سوريا، إلى مخيمات أخرى بعد أن تهدمت مخيماتهم. وقد وجد الفلسطينيون أنفسهم بين نار النظام السوري، ونار المجموعات المتطرفة التي تقاتل ضد النظام.

مستقبل القضية

منذ اندلاع "ثورات الربيع العربي"، شعرنا كفلسطينيين بخيبة أمل كبيرة، بعد أن لمسنا أن الفلسطيني هو آخر شيء يفكر به الثائرون في الميادين. لقد كانت فلسطين بعيدة كل البعد عن أحداث الربيع، الذي لم يثمر عن أي نتيجة لصالح القضية الفلسطينية؛ فلم تعد القضية الفلسطينية قضية العرب، ولم يعد للقيادة الفلسطينية سند عربي لمجابهة المشروع الصهيوني، عبر خوض معارك سياسية أو عسكرية ضد الاحتلال الإسرائيلي.

وبعد الإعلان الرسمي –المجازي- عن موت الربيع العربي، أصيب الفلسطينيون بخيبة أمل مضاعفة، لأنها جاءت بعد أمل كبير، وبعد بروز بعض الإرهاصات لحدوث تغييرات جذرية.

مستقبل القضية الآن مجهول، لكنه -على الأغلب- كان سيكون أفضل وأجمل بدون ثورات الربيع العربي.