ميناء عكّا - تصوير: رشا حلوة

نيوزفيد النكبة: نقط جوهرية وسينما ولوز

كل الحياة مسخرة ما عدا اللوز الأخضر.

لاحظت مؤخرًا، أو بالنسبة لي على الأقل، بأن الانستغرام يتيح إمكانية مشاركة "مزاج اليوم". هكذا أقنعت نفسي. في خانة الـ Story، أنشر كل صباح، وأنا ما زلت في السّرير، مزاجي لهذا اليوم. بالأمس، كان بالإمكان اعتبار مزاجي "مش رايق" على أقل تقدير. يوم أمس كان الرابع عشر من مايو/ أيار 2018؛ موعد نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، قتل أكثر من 50 فلسطينيًا على يد جيش الاحتلال وعشية الذكرى السبعين للنكبة.

سأتحدث عن يوم أمس. لكن اليوم لم أستيقظ بمزاجٍ مختلف عما سبق، لكني أردت أن فقط أشارك أغنية عبر الانستغرام. لم يأخذ مسار البحث مدة طويلة، على الفور، اخترت أغنية جديدة، تحمل الاسم "إجرمن عنهن" للمغنّي مسلّم بالتعاون مع كرست الزعبي، حيث يقول الأخير في أحد أبياته: "خمرة الحب يلا إسقنيها/ بلد بلا بحر عيشة مافيها/ طالعين لنعيش ونرجع عليها/ ولكم طالعين لنعيش ونرجع عليها"، وما زلنا نقول: "آمين".



15.5.2018

تصلني رسالة من صديق، مرفقة برابط لمقطوعة موسيقيّة، ويقول فيها "هذه المقطوعة هي الساوند إفكت لحياتي خلال السبع سنوات الأخيرة". لم تكن الأغنية سياسيّة مباشرة، كما اعتقدت، إلا أن صديقي اللاجئ الفلسطيني في سوريا والسّوري في أوروبا اليوم، كل ساوند تراكات حياته هي سياسيّة، لكن ليست بالضرورة مباشرة، إنما سياسيّة شخصيّة، تمامًا، كما علاقتنا مع الاحتلال.

اللعنة على الأخبار والتقارير وكل شيء، أشتاق لجدّي في هذا اليوم كثيرًا، جدّي الذي طُرد من قريته شابًا عام 1948، ولم يعد إليها إلا ميتًا في تابوت. صديقي أيضًا مشتاق لوالديْه في سوريا، اللذين لم يرهما منذ سنوات. نحن جيل كل مشاكلنا مع الاستعمار والأنظمة الديكتاتوريّة، هي شخصيّة. "أشتاق لحضن أمّي"، يقول صديقي عند كلّ فرصة.



قالت خالتي الصّغيرة قبل سنوات، وغالبًا قبل العام 2010، ومع وصول ربيع اللوز الأخضر "كل الحياة مسخرة ما عدا اللوز الأخضر". على الرّغم من أن اللوز الأخضر ارتبط عندي بوالدتي وعائلتها، والجبل تحديدًا، حيث أمّي لاجئة من قرية جبليّة اسمها إقرث ووُلدت في قرية جبليّة أخرى اسمها الرامة التي تقع في الجليل الأعلى، ووالدي ابن البحر، عكّاوي. بالمقابل، كانت وما زالت رام الله مرتبطة بموروث اللوز وزهره، من قصص حسين البرغوثي ومحمود درويش.


13.5.2018

في حديقة في برلين، التقيت صدفة بفلسطيني لاجئ من قضاء صفد. عندما عرف بأني جئت من عكّا، من قلبها، طلب أن يحضنني كي "يشم ريحة البلد"، ضحكت لطلبه، واستجبت له، وابتسم ابتسامة أملٍ على وجهه ابن الستين عامًا، وأنا خجلت قليلًا.



كنت عندها قد انتقلت للعيش في رام الله، أردت أن أوقف علاقة السائحة مع الثُلث الآخر من بلدي، الذي يمكنني الوصول إليه والتحوّل إلى تفصيلة يوميّة منه. كانت تلك أوّل ذكرى للنكبة بعد بداية الثورات العربيّة. يوم سقوط حسني مبارك في 11 فبراير/ شباط 2011، كنت نجلس في نفس البيت الذي كتبت فيه التدوينة أعلاه، عندما وصل الفلسطينيون والسوريون إلى الحدود مع الجولان السوري المحتّل. مع مشاهدة التلفاز، خرجنا نركض من البيت باتجاه "المنارة"، للاحتفال. كانت النساء ترمين الأرز والحلويات من شبابيك وشرفات بيوتهن علينا، ونزغرد سويةً، ونبكي من الفرح، كأننا كنا متأكدين من أن تحرير مصر سيؤدي إلى بالضرورة تحرير فلسطين في اليوم التالي.




حقيقة

في إحدى السهرات مع أصدقاء من الجليل، كنا نغني أغاني من لبنان وسوريا والعراق ومصر وتونس، كانت الأغاني أكبر سنًا من كلّ شخص في المجموعة. 64 عامًا، لم يستطع أحد أن يمنع أم كلثوم وعبد الوهاب وفيروز من أن يعيشوا في بيوتنا، عندها لم يدخلوا إليها/ إلينا من شبابيك الإنترنت. كانت "صوت القاهرة" تُبث من حيفا، ولا زالت، بهيئة جديدة. فليذهب الاحتلال إلى الجحيم.

"الكبار يموتون والصغار ينسون"

بن غوريون

- هل أخبرَهُ أحد، بالإضافة إلى أنه مجرم، بأنه أصبح مسخرة التاريخ؟


14.5.2018

الصّور تصل من كل مكان. أعداد الشهداء تزداد مع مرور النهار. بعض الأصدقاء ينشرون أسماء الشهداء كي نتذكرهم. الكل يعرف بأن وحدها أمهاتهم سوف تنادي على اسمائهم كل صباح. لكننا، كما منذ 70 عامًا، نعزي أنفسنا.

الساعة الآن تُشرف على السابعة مساءً، اتجه من بيتي نحو ساحة "هرمان بلاتس" في برلين، للمشاركة في مظاهرة إحياء ذكرى النكبة السبعين، وتنديدًا بمجزرة غزّة الأخيرة. أعلام فلسطين، بالونات بألوان العلم، بعض الكوفيّات ولافتات. خارطة فلسطين، أسماء القرى المهجرة، صديق من غزّة يحكي بالإنجليزيّة للحضور عن أصدقائه الذين قتلتهم قوات الاحتلال جميعهم. وصديق آخر، فقد رجله في أحد اجتياحات إسرائيل لقطاع غزّة، يقرأ أسماء الشهداء الذين وُثقت أسماؤهم حتى السّاعة الثانية ظهرًا. البعض يهتف للقدس، الآخر لحرية فلسطين وغزّة، بالعربية، الإنجليزية والألمانية. وبعض الأغاني. كل شيء حزين ونحن عاجزون، نلفّ أجسادنا التي بدأت تبرد أثر انخفاض الحرارة، بغطاء اسمه الأمل.




15.5.2018

السّاعة الآن الثامنة صباحًا. في غرفتي في برلين. أطلّ من شباكي على آثار متخيّلة لمدينة دمرتها الحرب. وهي، بالرغم من كل شيء، تحاول أن تطلّ على خراب بلدي البعيد. لكن، هنالك ساعة في المطبخ، معلقة على الحائط، وكل ساعة فيها على صورة عصفور، ومع تغيّير السّاعة، نسمع في البيت صوت عصفور ما. السنونو، البلبل... تقريبًا كل العصافير موجودة، حتى تلك التي لم أعرفها من قبل أن آخذ درسًا في أنواع العصافير مع تعرفي على ساعة المطبخ. البومة موجودة، يبدو أنها رمز للخير في هذه المدينة التي مرّ عليها الأشرار جميعهم ودمروها. لكني لم أجد غرابًا ضمن سرب عصافير السّاعة.

أنا أحبّ الغراب، أو بدأت أن أحبّه منذ أن حطّ على شباك شرفتي في أحد بيوتي في حيفا يومًا ما، كنت عندها أتحدث مع والدتي عبر الهاتف، وهي بدورها وضعتني على السماعة الخارجيّة، وصل الغراب، تغيّر صوتي، أخبرت أمي عن الكارثة التي حلّت عليّ، أو ستحلّ. سمعني أبي، وقال لها "قولي لرشا، إنه أبوكِ بحب الغراب". ومنذ تلك اللحظة، كلما رأيته، كان خيرًا. ومثل كل ذكرى، أشتاق لأبي كثيرًا.


15.5.2014

صديقتي يارا من بيروت، تكتب عبر صفحتها:

#عائدون إلى عكا، تأعمل صبحية عالبحر أنا ورشا حلوة (ورسمت قلب حبّ).


31.5.2018

مات والدي.




15.5.2018

على خلفيّة أصوات الشباب والشابات تغنّي "وين عَ رام الله"، من باحة "هرمان بلاتس" في برلين، ولا زالت بعض الأعلام مرفوعة. تركنا أنا وأصدقائي المظاهرة. بالصدفة، كنا مجموعة من الفلسطينيّين، من غزّة والخليل وعكّا. حيث لا مدينة في بلادنا، وغالبًا لا من مكان في العالم، يستطيع أن يجمعنا كلنا فيه، بنفس اللحظة. دخلنا إلى مطعم عربي، ومن حسن حظنا أننا أنهينا الطعام قبل أن تشتغل أغنية "بشرة خير"، لكن هذا لم يمنع عنا شعور تمزق المعدة.




12.5.2018

إسرائيل تفوز بمسابقة اليوروفيجن.


14.5.2018

أعلام إسرائيل ترفرف في شوارع القدس العتيقة.

صديقي محمد من غزّة، كتب على صفحته "خلال ال120 دقيقة الماضية، أصابت إسرائيل بالرصاص الحيّ واحد بالألف من إجمالي عدد سكان غزة. 2000 من 2 مليون".

الساعة 19:30، بدأ عدد المتظاهرين يزداد. لا من هتافات غاضبة. نحضن بعضنا البعض، ونبكي. فتاة تقف عند منتصف الدائرة وتهتف "الحرية لفلسطين"، ومع كل هتاف، تميل ظهرها إلى الوراء وتنظر إلى السماء، وتصرخ بوجهها، كأنها تقول "ساعدنا هذه المرة يا الله!"، نحن الذين نصلي من مواقعنا الآمنة، ونخاف من أشياء تافهة كل يوم.

كنا نبكي بالأمس. نحن نبكي منذ أن اعتقدنا بأن العالم سيتغيّر قبل سنوات قليلة. ما أهبلنا.


بالعودة إلى الصّباح

في صباح 14.5، وبعد أن نشرت مزاجي علنًا عبر الانستغرام. تذكرت أن مهرجان كان السينمائيّ يحتفل بسينما فلسطين. وذلك بمجهود من سينمائيّين وسينمائيّات من فلسطين ومتضامنين معها. عدتُ لأكون متفائلة، نحن نعاني من انفصام مزمن، بالأمل أيضًا إن شئتم. فلسطين في مهرجان كان، هي كصفعة بوجه كل من راهن على أن بعد 70 عامًا من النكبة، سوف "يموت الكبار وينسى الصّغار"، وهو رد من الردود تجاه ما يحدث اليوم في القدس المحتلّة: نحن موجودون، وسنبقى، في قصص الحياة كلّها، ونقاوم، بالأغنية والفيلم أيضًا.


70 عامًا من النكبة

في حرقة قلب موروثة، سمعناها بأصوات جداتنا اللي مسموعة تناويح وهني يحكوا أي حكي عادي، ورثناها من غصّة أجدادنا اللي بتطلع على أوّل مفرق قرية انمحت ذكرياتها بالعشب المزيّف. في حرقة قلب أكلناها من حليب أمهاتنا، شميناها بروائح آبائنا اللي جاي من تعبهن وهني يدوروا على مرافئ، منشان نعرف ننام وسط الضجة اللي قرأنا عنها بالكتب، أو عشناها. حرقة القلب هاي، اللي بتتحوّل مع الوقت من موروثة لكل إشي عم منعيشه اليوم، لوجع الأصدقاء في الشتات، لحسرة أب على ابنه، لحبّ خلص لأنه الطرق بين إسكندرية وعكّا اتسكرت وما عرف البحر يسعفنا، لبلاد قريبة 3 ساعات بالسيارة وبعيدة 70 سنة، لروائح بتوصل على بيوتنا ومنخاف نشمها، عشان ما نصدق قصص جداتنا عن إنه أيام زمان عنجد كانت أحلى من اليوم. وتنحرق قلوبنا أكثر.


15.5.2018

"محكومون بالأمل" – سعد الله ونوس (27 مارس/ آذار 1941 – 15 مايو/ أيار 1997).