أزمات الوقود: ثلاثة شروط لرفع الدعم نهائيًا بدلًا من تقليصه

رفع الدعم بشكل نهائي يتطلب بالطبع تلبية بعض الشروط المبدئية لنستطيع السير في نفس طريق العديد من الدول ذات الاقتصادات المتقدمة.

اتساقاً مع الواقع ومن باب إيماني بأن تجاوز المفردات الحقيقية من حولنا لمجرد التشبث الراديكالي المستمر بمجموعة من القيم الأيديولوجية المجردة لا يمكن أن تكون له نتيجة في النهاية سوى هدر الكلام والأفكار في الفراغ، يأتي هذا المقال من منطلق ليبرالي، مائل لفكر السوق الحر لأتمكن من طرح رؤية لها حيثيات بالنظر إلى ما هو موجود وقابلة للتطبيق عملياً، رغم أنني ومن حيث المبدأ أختلف على التصورات الليبرالية في الاقتصاد اختلافاً جذرياً وأعتبرها أبواقًا لفكر طبقي لا يمت لأسس العدالة الاجتماعية بصلة من قريب أو بعيد.

ولكن على الجانب الآخر فإنني أرى أن تناول موضوع مثل دعم المحروقات من هذه الزاوية بات ضرورة ملحة لتفنيد الحجج التي تسوقها الحكومة عادة في مثل هذه المواقف، وهي حجج من المفترض أنها تعبر عن اليمين الاقتصادي، أي الرأسمالي، أو يمين الوسط في أفضل تقدير، وإن كانت في الحالة المصرية تأتي على خلفية سياسات تتسم بانعدام الشفافية والوضوح ولا لها توجه فعلي، بل وكثيراً ما تقترب من السذاجة المُفرطة.

وبمناسبة التقليص الجديد للدعم على المحروقات تقول الحكومة إنه، أي هذا الدعم، أصبح يُكلف الخزانة العامة ما لا طاقة لها به وأن استمرار الوضع على ما هو عليه بات من رابع المستحيلات لضعف الموارد من ناحية والاحتياج لسد الفجوة التمويلية وتقليص عجز الموازنة بمعنى خفض المصروفات في مقابل زيادة الإيرادات من ناحية أخرى.

وأنا أتفق مع الحكومة تماماً فى أن دعم السلع (وفي القلب منها المحروقات) بشكل عام وفي صيغته المصرية خصوصاً مُشوه للأسعار ولتركيبة الأسواق برمتها، لأنه يؤدي إلى عرض المنتجات المختلفة بغير قيمتها الحقيقية، ما يتسبب لاحقًا في تضاربات عبثية لأسعار كل السلع، المُدعمة والحرة على حد سواء.

كما أتفق مع الحكومة أيضاً على أنه غالباً ما تستحوذ على الجزء الأكبر من الدعم فئات غير مُستحقة له من الأساس وأضيف على ذلك أن حتى تطبيقه في دول أوروبا الشرقية وقت تبنيها النهج الاشتراكي كان في إطار مختلف تماماً عن الحالة المصرية، الآن أو في أي وقت مضى، بما فى ذلك عصر جمال عبد الناصر نفسه، لأنه كان إطاراً متكاملاً ومتسقاً مع نفسه من جوانبه المختلفة وليس مُشتتاً بين عدة مذاهب في نفس الوقت.

أما ما لا أتفق فيه مع الحكومة فيه موضوع "تقليص" الدعم، بل أطالبها أن تقوم "برفع الدعم نهائياً وبالكامل" عن كل أنواع المواد البترولية ومنتجاتها ومشتقاتها بصفة فورية ودون تأخير إن كانت هناك جدية حقيقية تجاه الإصلاح الهيكلي للاقتصاد المصري، وهذا ما سيزيل -على حد قول الدولة- عبئاً كبيراً في الموازنة العامة التي تعاني الأمرّين منذ عشرات السنين، ويتيح لها إعادة توجيه أجزاء ضخمة من مواردها لقطاعات الصحة والتعليم والبحث العلمي وتحديث البنية التحتية كما تدعي دائماً.

ولكن رفع الدعم بشكل نهائي يتطلب بالطبع تلبية بعض الشروط المبدئية لنستطيع السير في نفس طريق العديد من الدول ذات الاقتصادات المتقدمة.

الشرط الأول هو الخروج الكامل غير المنقوص للشركات والهيئات والكيانات المملوكة للدولة أو التابعة لها كافة من منظومة إنتاج وتوزيع وتسويق المنتجات البترولية ومشتقاتها باستثناء تلك التي تختص بإصدار القواعد التنظيمية.

ويكون ذلك إما عن طريق تعديلات تشريعية تصب في هذا الاتجاه أو عبر خصخصتها بالكامل وليست فقط حصص أقلية منها تتراوح ما بين 15 إلى 30% كما تنتوى الحكومة أن تفعل في طروحات البورصة المرتقبة مع شركات مثل "الهندسية للصناعات البترولية والكيماوية" (أنبي) و"الشرق الأوسط لتكرير البترول" (ميدور) و"المصرية لإنتاج الميثانول" (إيميثانكس) و"المصرية لإنتاج الألكيل بنزين" (إيلاب) وغيرها.

بالتأكيد ما ستوفره الدولة جراء رفع الدعم عن المحروقات بالكامل بدلاً من تقليصه فقط سيفوق كثيراً ما تكسبه من وراء هذه الشركات وإلا لما كانت أعلنت رسمياً أن مثل هذا الإلغاء الكامل هو هدفها النهائي.

أما الشرط الثاني فهو إنهاء سيطرة وهيمنة شركات "وطنية" و"التعاون" و"مصر للبترول" على قطاع توزيع وتسويق الوقود وشبه احتكارها له بحصة سوقية تفوق 60% نظراً لكونهم تابعين بطريقة أو بأخرى نفس الجهة المنوط بها تنظيم القطاع، وهي الهيئة العامة للبترول، والتي تحدد كذلك كيفية التوزيع وكمياته، ما يقضي على أسس المنافسة العادلة وبالتالي أرضية السوق الحر الذي تقول الدولة إنها تريد إقامته.

ثالث الشروط هو إصدار ما يلزم من تشريعات وضوابط تضمن عدم خلق أوضاع احتكارية متنكرة من قِبل مؤسسات القطاع الخاص المصري أو الأجنبي مثلما حدث مع شركة "توتال" الفرنسية التي اشترت في السنوات القليلة الماضية محطات شركتي "شل" و"كالتكس" وبعض من محطات "أكسون موبيل" ووصلت حصتها السوقية إلى 15% بينما جلست الجهات الرقابية التي كان مفترضًا بها التدخل فى تلك اللحظة، على مقاعد المتفرجين وكأن لا شيء يحدث من الأساس، علماً بأنه حتى عتاة الدول الرأسمالية وأكثرها تطرفاً فى مناصرة السوق الحر ما كانت ستسمح بذلك من باب منع الاحتكار وحماية المنافسة.

تيسير وتبسيط الإجراءات وتقديم محفزات لعودة الشركات الأجنبية التي تركت السوق المصري في الفترة الماضية لأسباب مختلفة وأيضاً دخول لاعبين محليين ودوليين جدد لضمان مُناخ يتسم بالتنافسية ويضمن للمستهلك أفضل سعر مُمكن للوقود وفقاً للأسعار العالمية للبترول بالإضافة إلى التكلفة (وكليهما معروف ويسهل حسابه)، مع وضع سقف لهامش الربح تزداد من بعده الشريحة الضريبية التي تخضع لها الشركة، وهو بدوره إجراء ليس بالأمر الجديد، ومُطبق في دول عدة ولا يتعارض مع السوق الحر في شيء. ويأتي هذا أيضاً منعاً لأي اتفاقات سعرية غير معلنة خلف الأبواب المغلقة قد تعقدها الشركات الكبرى مع بعضها البعض.

معالجة صداع دعم الوقود المزمن دون الإضرار بالمستهلك وبسطاء المواطنين ليس بالأمر المستعصي إذن أو الصعب حتى، إذا توفرت لدى الدولة الإرادة الحقيقية لفعل ذلك ولو وافقت على التخلي عن دعم مجموعات المصالح ومجموعات الضغط على مختلف أنواعها وجنسياتها.

نعم، توقفوا عن دعم الوقود ودعوه يحدد سعره بنفسه ووفقاً لألياته الخاصة. فنحن لو أخذنا سوق الوقود فى الولايات المتحدة معياراً سيصل سعر اللتر إلى حوالى 13.70 جنيه من حيث المبدأ ولكن هذا محسوب أولاً على سعر عالمي مرتفع للغاية لبرميل خام برنت القياسى يبلغ قرابة 77.00 دولار وسعر صرف للجنيه المصري أمام الدولار يبلغ 17.91 جم.

ولكن سعر برنت شهد فى أوائل عام 2016 أيضاً مستويات ما دون الأربعين دولاراً أي نصف السعر الحالى، ولو افترضنا فقط هبوطه إلى مستوى 60 دولاراً للبرميل في ظرف سنة (وهو افتراض واقعي جداً بالنظر إلى أن اتفاقية تخفيض الإنتاج التى عقدتها أوبك لن يمكنها الاستمرار إلى الأبد) ونزول سعر الدولار إلى حوالى 16 جنيهًا (وهو ما تتوقعه معظم بيوت الخبرة وبنوك الاستثمار العالمية) سيصل سعر اللتر الواحد إلى حوالى 9.30 جنيه وذلك حتى قبل خصم انخفاض تكلفة العمالة في مصر عنها في الولايات المتحدة بشكل ملحوظ، وهو ما سينعكس مرة أخرى على السعر بما لا يقل عن جنيهين لكل لتر.

أي أننا هنا نتحدث عن حد أقصى حوالى 7.30 جنيه للتر وهو تقريباً متوسط السعر الجديد لوقود 92 و95 بعد "التقليص" الأخير للدعم. والأهم من هذا كله أننا سنكون قد تخلصنا من الزيادات التدريجية غير المحسوبة كل حين وآخر.

هذا مع العلم بأن السياسة التسعيرية للشركات الكبرى غالباً ما تعتمد على متوسطات ولا تعكس في أغلب الأحوال القيمة الفعلية، أي أن شركة ما قد تثبت سعر اللتر لفترة من متوسطة إلى طويلة الآجل حول منطقة 11.55 جنيه مثلاً وتخسر وقتها في اللتر الواحد 2.15 جنيه وفقاً للأرقام المُبالغ فيها لمثالنا بأعلى معتمدة في ذلك على توقعاتها – التي غالباً ما تكون دقيقة بدرجة كبيرة – بانخفاض سعر برنت مستقبلاً لتربح في حينها 2.25 جنيه زائدين عن المعدل الحقيقى، أي أن تحرير أسعار المنتجات البترولية ليس معناه بالضرورة تحريك السعر كلما طرأ تغيير على سوق الخام العالمي بما يُمكن القوى الفاعلة بالسوق من وضع خطط طويلة المدى لأنشطتها.

كما يُمكن للحكومة في هذه الحالة تقديم بعض المُحفزات الضريبية للشركات العاملة في القطاع وهو ما سينعكس إيجاباً وليس سلباً على الإيرادات السيادية للدولة لأن انخفاض سعر الوقود سيزيد من الحصيلة الضريبية حتى لو تم تخفيضها نسبياً لأن هذا في سياقه العام سيمنع لجوء المواطن إلى خطط تقشفية وبالتالي خفض الاستهلاك ومن ثم تقليل متحصلات الدولة إجمالاً وسيظل الوقود وقتها أسفل حاجز 7.00 جم وهو ما لن يتحقق طيلة ما يتم الإبقاء على هيكل السوق والقطاع الحاليين.

باختصار: التحرير الكامل لسعر الوقود ولكن مع تلبية الشروط المُشار إليها هو الحل الأمثل الآن حتى لو كان يضر بزمرة المنتفعين.