غلاف فيلم الجوكر من الصفحة الرسمية للفيلم على فيسبوك

الجوكر: عن جنون المجتمع الذي يفقد القدرة على تصحيح المسار

ينتمي فيلم الجوكر إلى نوع يمكن وصفه بـ"الاستقطابي"، إما أن تحبه وإما أن تكرهه، إما أن تجده مزعجًا وإما أن تجده تجربة سينمائية ممتعة.

رغم مضي ثلاثة عقود، لم أنس وقائع الليلة التي شاهدت فيها فيلم Batman للمخرج الأمريكي "تيم بيرتون" في السينما.

شهدت تلك الليلة بداية وعيي بطقوس صالة السينما. قبلها بأسبوع شاهدت فيلم "الإمبراطور الأخير" للمخرج الإيطالي، برناردو برتلوتشي، وبعدها بأسبوع شاهدت فيلم "إمبراطورية الشمس" لستيفن سبيلبيرغ، ثم فيلم "ذهب مع الريح" للمخرج، فيكتور فلمينج، والذي عرض لأول مرة عام 1939.

لفترة طويلة من الزمن ظلت الأفلام الأربعة، على تنوع مواضيعها، الأساس الذي يحكم قدرتي على تقييم الأفلام.

لكن ليلة مشاهدة فيلم باتمان ظلت تحمل ذكرى خاصة. ربما لارتباط الفيلم بفكرة الإبهار بحجم شاشة السينما الكبيرة. ومن بين كل مشاهد الأكشن التي ظهر فيها باتمان والذي لعب دوره "مايكل كيتون" احتفظت ذاكرتي بمشاهد "جاك نيكلسون" في دور الجوكر.


أضفى "نيكلسون" على الشخصية ملمحًا كوميديًا لطيفًا، جعل الشر في الفيلم ملائمًا لطبيعة قصص الكوميكس التي تعتبر باتمان عملاقها الثالث إلى جانب شخصيتي سوبرمان وسبايدرمان.

في الأفلام اللاحقة من سلسلة "باتمان" بدا الفراغ الذي تركه "جاك نيكلسون" كبيرًا، حتى جاء الممثل الراحل "هيث ليدجر" في عام 2008 وأخذ شخصية الجوكر إلى مناطق أكثر سوداوية ودرامية من "نيكلسون"، لكن ليدجر ظل وفيًا لملامح الشخصية كما وردت في قصص الكوميكس التي تناولتها.

تحذير: إذا لم تشاهد الفيلم وتنوي مشاهدته لا تكمل القراءة. أما إذا لم تشاهد الفيلم ولا ترغب، فالأمر متروك لك.

لا يمكن اعتبار فيلم The Joker الذي لعب بطولته "واكين فينيكس" وأخرجه "تود فيلبس"، استكمالًا لمسيرة أفلام باتمان لأنه لا ينتمي إلى قصص الكوميكس المعتادة.

فالفيلم أعاد زيارة جذور قصة باتمان من خلال شخصية الجوكر حيث يظهر كشاب محطم، يعاني من مشاكل نفسية وعقلية، ويسعى لمقاومة الجنون الذي يحيط به في مدينة "جوثام" خلال ثلاث مراحل: تبدأ من تجنب العنف، ثم ممارسته، وصولًا لقيادته.

هذه المراحل هي التي جعلت شخصية الجوكر هذه المرة أكثر قربًا من مساحات الدراما في الواقع، وبالتالي أكثر بعدًا عن طريقة قصص الكوميكس في رسم الشخصيات الرئيسية.


الجوكر هذه المرة ليس الشرير الذي اعتدنا رؤيته في أفلام الكوميكس، وإنما نسخة معاصرة من شخصية "ترافيس بيكل" التي جسدها روبرت دي نيرو في فيلم "Taxi Driver" لمارتن سكورسيزي عام 1976. شخصية تعاني الوحدة والعزلة وتقاوم واقعها القاسي من خلال تخيل علاقات ومواقف لم تحدث. لكن هذه المرة فإن شخصية "آرثر فليك"، التي تحولت إلى الجوكر لاحقًا، هي شخصية أكثر اضطرابًا من شخصية "ترافيس بيكل". شخصية قادرة على إثارة الرعب من خلال ردود أفعال غير متوقعة، مثل الرقص في حمام عمومي بعد قيامها بأول جريمة قتل في المترو، بدلًا من محاولة التخلص من آثار الجريمة والهرب.


من المفارقات أن مخرج الفيلم "تود فيلبس" كشف أن هذا المشهد لم يكن مكتوبًا على النحو الذي شاهدناه في صالات السينما.

كان من المفترض وفق السيناريو أن يذهب آرثر إلى حمام عمومي ويغسل وجهه من مساحيق وجه البهلوان، وهو يتصبب عرقاً، وذلك كي يستطيع الهرب من كاميرات المراقبة بعد قتل ثلاثة شبان في المترو. لكن قبل تصوير المشهد، قام تود فيلبس بإسماع واكين فينيكس الموسيقى المصاحبة للمشهد والمكتوبة قبل تصوير الفيلم، على غير العادة، فقرر واكين بالتنسيق مع تود أن يرقص في الحمام كرد فعل لشخصية آرثر واحتفالها بارتكاب أول جريمة قتل.

خلال رحلة شخصية الجوكر وصراعاتها مع الذات ومع المدينة، نتابع تقاطع مصائر الجوكر/آرثر فليك مع "توماس واين"، الملياردير الذي يريد الترشح لمنصب عمدة مدينة "جوثام". لا يظهر توماس باعتباره شخصية الفيلم الطيبة ووالد شخصية "بروس واين" الذي سيتحول لاحقًا إلى باتمان، وإنما يظهر كشخص يعتقد أن سبب فقر وبؤس سكان المدينة هو استسلامهم لواقعها.

يبدو توماس واين خلال مشاهده في الفيلم كشخص شبيه برموز النخبة المالية المنفصلة عن واقعها والتي تؤمن أن الفقر في المجتمع سببه سلوك الفقراء وليس اختلال معادلات توزيع الثروة أو حجب فرص الحراك الاجتماعي عن قطاعات واسعة من المجتمع، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على آرثر الذي يتوقف عن تلقي جلسات العلاج والدعم النفسي التي كان يتلقاها بعد إيقاف التمويل من قبل سلطات مدينة جوثام.

هنا يقسّم الفيلم مدينة جوثام إلى عالمين؛ عالم النخبة التي تقود المدينة أو تلك التي تسعى لقيادتها ويمثلها توماس واين، وعالم طبقة المهمشين والفقراء ويمثله آرثر فليك.

يظهر في الفيلم أيضاً روبرت دي نيرو في دور "موراي فرانكلين"، مذيع برامج التلفزيون الليلية التي تعتمد على اسكتش "ستاند آب كوميدي" قصير ثم مجموعة من الحوارات. في الفيلم يزور دي نيرو من خلال دوره شخصية "روبيرت بابكين" في فيلم "King Of Comedy" الذي أخرجه مارتن سكورسيزي عام 1983.

لكن الاختلاف بين الشخصيتين يأتي من خلال النهاية الصادمة لشخصية موراي فرانكلين، والتي تجد في السخرية من المهمشين مثل آرثر فليك وسيلة لإضحاك الجمهور. يقتل آرثر موراي أمام الجمهور وعبر شاشات التلفزيون بعد ملاسنة معه بسبب اعترافه بقتل الشبان الثلاثة في المترو.

هذا المشهد الصادم يقودنا إلى مشهد النهاية حين يخرج آرثر من سيارة الشرطة التي كانت تقله بعد اصطدامها بسيارة إسعاف يقودها رجال يرتدون قناع الجوكر.

يقف آرثر/الجوكر على إحدى السيارات المحطمة ويحيي الجماهير الغاضبة التي بدأت في حرق المدينة وهي ترتدي قناع الجوكر.

نهاية الفيلم بدت وكأنها الإعلان الرسمي لميلاد عصر الجنون والعنف الذي سيجتاح جوثام سيتي، والتي ستحتاج بطلًا خارقًا من أبنائها لإنقاذها وهو "بروس واين" المتخفي وراء قناع باتمان.

ومن الطريف ملاحظة أن بروس واين، ابن الطبقة الغنية الذي يأتي في مهمات لإنقاذ المدينة، لا يعيش فيها وإنما في قصر معزول يقع خارجها. بينما سوبرمان يعمل كمصور صحفي واسمه "كلارك كنت" ويعيش داخل مدينته ميتروبولس، التي لا تبعد كثيرًا عن جوثام سيتي. أما سبايدرمان أو بيتر باركر فهو ابن الطبقة العاملة في نيويورك.

لا يقدم فيلم الجوكر تشريحًا لجذور العنف والجنون لدى شخصية الجوكر فقط. ولكن يقدم حالة تفسر صعود نزعات الغضب والعنف في المجتمعات التي تفقد القدرة على إعادة تصحيح مسارها ذاتيًا، خاصة عندما تفقد هذه المجتمعات قدرتها على نقل صراعاتها الطبقية إلى ساحات الصراع السياسي السلمي. وبالتالي يقدم الفيلم محاولةً لتفسير انحياز قطاعات من المجتمعات الغربية للتيارات الشعبوية المتطرفة.

ينتمي الفيلم إلى هذا النوع الذي يمكن وصفه بـ"الاستقطابي"، إما أن تحبه وإما أن تكرهه، إما أن تجده مزعجاً وإما أن تجده تجربة سينمائية ممتعة.

بالنسبة لي كانت مشاهدة الفيلم تجربة صعبة ومربكة، فقد شعرت وكأن الفيلم قد انحاز لفكرة تدمير المدينة دون أن يقدم بديلاً للحفاظ عليها أو إعادة بنائها بشكلٍ مغاير عن ماضيها. شعرت أيضاً أن الفيلم أدان النخبة المالية والسياسية ولكنه في نفس الوقت لم يعلن انحيازاً للفقراء والمهمشين. هذه المشاعر المزعجة هي التي جعلت الفيلم يبدو بالنسبة لي كرسالة تبرير لصعود التيارات الشعبوية، والتي أنتجت ظواهر سياسية مثل دونالد ترامب.

المخرج الأمريكي مايكل مور، على سبيل المثال، وجد أن الفيلم صرخة ضد "المؤسسة الحاكمة" وضد البنوك والمؤسسات المالية التي قامرت بأموال الطبقة الوسطى، وصرخة ضد السياسات التي تجعل ملايين المواطنين الأمريكيين بلا تأمين صحي، ورسالة احتجاج ضد الإعلام الذي يوجه الجماهير لصالح "المؤسسة"*.

على الرغم من المشاعر التي انتابتني بعد مشاهدة الفيلم، لكن ذلك لم يؤثر على تقديري العميق لأداء واكين فينيكيس في دور الجوكر، والذي بدا وكأن روح آرثر فليك قد اختطفته وجعلته يقدم شخصية مضطربة، باردة، قاسية، هشة، مزعجة، رقيقة، حنونة، وعنيفة في نفس الوقت.

موسيقى "هيلدر جوناناتير" عكست السمات المتناقضة لشخصية الجوكر ببراعة. ربما لأنها ألفت قبل صناعة الفيلم. ثم المفاجأة الكبرى التي تمثلت في قدرة "لورانس شير"، كمدير للتصوير، وتود فيلبس في إخراج فيلم شديد القتامة والسوداوية والرعب بعد أن تعاونوا من قبل في صنع سلسلة أفلام كوميديا العبث "The Hungover".

إذا كنت من محبي دخول السينما لمشاهدة الأفلام الممتعة والترفيهية، فإن هذا الفيلم لن يحقق لك ذلك، فهو فيلم بعيد عن المتعة والترفيه المصاحب لأفلام الكوميكس والتي أصبحت الأكثر اجتياحاً لصالات السينما حول العالم. لكن إذا كنت من محبي الغوص في الشخصيات المركبة فإن هذا الفيلم سيلبي لك ذلك، حتى وإن بدا ثقيلًا على النفس.


* المؤسسة: هي نخبة أو مجموعة مهيمنة تملك السلطة أو مصادر القوة والسيطرة داخل الأمة، وهي أيضًا مجموعة اجتماعية مغلقة تختار أعضائها بنفسها، سواء داخل الحكومة أو في القطاعات التي تهيمن على الأنشطة الأخرى في المجتمع.