من مظاهرات العاصمة الجزائر. الصورة: ليديا سعيدي- بإذن خاص للمنصة

بين إحياء ذكرى "ثورة التحرير" وتجاوزها: الجزائر تنتظر أول نوفمبر

هذه الثورة لا تزال حاضرة وحيّة حتى بعد سبعة عقود من حدوثها، وحتى عند أجيال تبعُد عنهم هذه الثورة بجيلين أو ثلاثة، هي مفخرةٌ للكثيرين ولكنها أيضا ثِقلٌ يحملونه على أكتافهم.

بعد الأسابيع الأولى من الحراك الشعبي في الجزائر الذي انطلق في 22 فبراير (فيفري)، كتب صحفي عربي على حسابه في فيسبوك "الجزائر لم تعد فقط بلد المليون ونصف شهيد، بل هي أيضًا بلد المليون ونصف متظاهر سلمي". وواصل قائلًا أن الجزائريين يُعطون صورة جديدة عن بلدهم وعن أنفسهم. تساءلتُ وقتها: هل هذا صحيح؟ بمعنى؛ هل استطاع الحراك الشعبي تجاوُزَ السردية الثورية الكُبرى، ثورة التحرير 1 نوفمبر 1954، والمُؤَسِّسَة لدولة الاستقلال؟

الأكيد أن هذه الثورة لا تزال حاضرة وحيّة حتى بعد سبعة عقود من حدوثها، وحتى عند أجيال تبعُد عنهم هذه الثورة بجيلين أو ثلاثة، هي مفخرةٌ للكثيرين ولكنها أيضا ثِقلٌ يحملونه على أكتافهم، وهذا ما يُبيّنُه الترقّب والحماس والخوف الذي يتقاسمه الجزائريون خلال هذه الأيام التي تسبُق الجمعة رقم 37 من الحراك الشعبي، والموافقة لـ 1 نوفمبر 2019.

علم جزائري قديم مكتوب عليه "الجمهورية الجزائرية 1958". الصورة: محرز رابيا- بإذن خاص للمنصة

لكن دعونا نعود قليلًا في الزمن حتى نرسُم صورة تقريبية (ومُختصرة) لما وصل إليه الحراك الشعبي.

فبعد ثمانية شهور من الحراك الشعبي، يجد المتظاهرون الجزائريون أنفسهم أمام سلطة هي فلول النظام تسيرُ بسرعة جنونية نحو انتخابات رئاسية، أكثر مرشحيها حظا هم وزراء سابقون لدى نظام بوتفليقة. النظام وآلياته لا يزال هنا يقمع ويسجن المتظاهرين السلميين والمعارضين. رئيس الدولة بالنيابة هو أحد رجال الرئيس السابق، والوزير الأول (رئيس الحكومة) هو وزير داخليته وهو من عيّنه وحكومته قبل أن يستقيل. وفوق كل هذا، مشهد إعلامي مشلول إلى أبعد الحدود، تخلّى عن تغطية المظاهرات والحراك الشعبي منذ أشهر، بل وساهم في تشويهه وقذف بعض وجوهه.

"الانتخابات، وتخوين الشارع، والأزمة الاقتصادية المُنتظرة، والقوى الخارجية المُتربّصة" هذا هو الحقل اللغوي لخطاب الدولة اليوم، سواء كان مدنيًا أو عسكريًا. أسقط الحراك موعدين للانتخابات، ولا يبدو أن السلطة/ العسكر يقبلون أن يسقط الموعد الثالث الذي اختاروا له تاريخ 12 ديسمبر 2019.

ماذا بعد 36 أسبوعًا من التظاهر؟

المتظاهرون في الحراك يرفضون الانتخابات الرئاسية الحالية، ويرفضون وصول وزراء بوتفليقة السابقين لنفس منصبه بنفس دستوره إمبراطوري الصلاحيات، في حين تُروِّج السُلطة (وحتى المواطنون الذين يخافون الانزلاق رغم رفضهم للسلطة الحالية) أن عدم وجود قيادة للحراك منذ ثمانية أشهر جعله عُرضةً للاختراق وتحوير ما يسمّونه بـ "المطالب الأولى" والتي كانت تقتصر، حسبهم، على تنحي بوتفليقة ومحاسبة عصابته.

في حين أن العديد من الناشطين الذين برزوا في الحراك أو حتى بعض الباحثين في علم الاجتماع والقانون، وبعض الأحزاب، قدّموا تصوّرات عن كيف يُمكن إدارة المرحلة القادمة بعيدًا عن سيناريو الانتخابات، فطرح البعض فكرة المرحلة الانتقالية التي تُسيّرها شخصيات وطنية توافقية، بعضها أبدى دعمه للحراك وأصدر بيانات أو مقالات يدعم فيها طرح مرحلة انتقالية تشرف عليها شخصيات توافقية تجتمع مع كافة الفاعلين في المشهد وعلى رأسهم قيادة الأركان.

فيما طرح البعض الآخر حل المجلس التأسيسي، بكل ما يلقاه من رفض واستحسان، كبديل سياسي يُعيد التأسيس لجمهورية ثانية بشكل جذري.

التفاوض على الطريقة السودانية

فكرة التفاوض، نِدًا لنِد، وليس الحوار (مثل الذي قامت به السلطة خلال الأشهر القليلة الماضية، والذي لخّصه البعض في أنها حاورت نفسها) مع المؤسسة العسكرية، كانت مطروحة وفي روح شعارات الحراك التي استهجنها البعض، وعلى رأسها "مدنية ماشي عسكرية"، خاصة بعد رؤية تطوّر الأمور في الثورة السودانية حيث تفاوضت "قوى الحرية والتغيير" مع العسكر هناك، وتدخّل أكثر من طرف على أكثر من مرحلة لمحاولة إيجاد صيغة تُدار بها المرحلة الانتقالية.

في نفس الوقت كان المثال السوداني إشكاليا بالنسبة للجزائريين، سواء كانوا مع المظاهرات أو ضدّها، وذلك بسبب وجود قيادة قوية ومُنظّمة دعَت منذ البداية لانطلاق المظاهرات، قيادة تأتي من القطاعات المهنية والنقابية، مُتمرِّسة في العمل النضالي، في حين أن المثال الجزائري يرى البعض أنه محكوم بالفشل وعدم وجود قيادة مُنظّمة هو ما جعل الحراك يواصل هربه إلى الأمام لمدة ثمانية أشهر، وهو ما جعل السلطة (عسكر ومدنيين) يتجاهلون مظاهرات لا رأس لها ليُحاوروه.

هناك وجهة نظر أخرى، تقول أن وجود الرأس، ووضع كل ما بَذَله الجزائريون في رأس واحدة يعني الحكم على الحراك بالموت، فالسلطة ستقطع هذه الرأس أو ترشيها وتخنق الحراك. ويرى أنصار هذا الرأي أيضًا أن الاحتجاجات/الثورات الأفقية وغير المُمَثّلة بقيادات هي نوع جديد يُعيد اكتشافه العالم اليوم. وهنا نُقطة أخرى لا يتقاطع فيها حراك فيفري/فبراير مع ثورة نوفمبر ذاتُ القيادة الشهيرة والخالدة في كُتب التاريخ المدرسي.

تجاهل رسائل وبيانات الشخصيات التوافقية، وغلق الباب أمام أي تصوّر يُخالف تصوّر قيادة الأركان، ومواصلة الاعتقالات التعسّفية والممارسات الأمنية، دفع بالجزائريين للتمسّك بالشارع، كآخر فضاء يُمكنهم الردّ من خلاله على خُطب ومُناورات السلطة.

التخلص من إرث الثورة بالانغماس في شعاراتها

قضى الناس 36 أسبوعًا من المظاهرات السلمية والاعتقالات التعسّفية. نزلوا بقوّة شيوخًا وشبابًا وأطفالًا يهتفون مع الجموع أو ينامون في حُضن أبائهم. وطيلة هذه المدة، كان الإرث الثوري حاضرًا في الشعارات واللافتات، وكان الانتساب لثورة التحرير ردًا على الخطاب التخويني للسلطة، وكذلك على التيار اليميني الشعبوي المحافظ والذي سمّى نفسه بـ "النوفمبري-الباديسي"[*] الذي أعلن دعمه غير المشروط لقيادة الجيش بعد استقالة بوتفليقة وسجن بعض رموز نظامه، وتفنّن في خطابات التفرقة والتخوين تُجاه كل من يتظاهر ضد "السلطة الجديدة".


هتاف: يا علي لابوانت.. لالجيري ولات (الجزائر رجعت)

ليأتي ردّ الحراك طيلة المظاهرات الأسبوعية بحمل صور شهداء ثورة التحرير مرفوعة لتُعلِنَ انتماء المتظاهرين لهذه السلالة من المناضلين، وسمعنا وشهدنا شعارات واستعادات لمشاهد كاملة من الفيلم/المرجعية "معركة الجزائر"، وصولا إلى المتظاهرين الذين ينادون وسط المظاهرات على الشهيد علي لابوانت (1930-1957) بـ "يا علي"، رافعين لذكراه وروحه شكواهم ومواصلتهم للنضال أمام من باعوا البلاد وظلموا العباد.

اللاّفت أنه في كل هذه النقاشات والمعارك، الدائرة منذ ثمانية شهور، وسواء من خلال خطابات السلطة أم من خلال خطابات المعارضة والشخصيات التوافقية وقبل كل هذا من خلال شعارات ولافتات الحراك، هو أن "نوفمبر" حاضر كمرجعية شبه وحيدة للجميع، "علينا تشريفه وليس خيانته".

إرثُ ثورة التحرير في الجزائر هو إرثٌ ثقيل، يحتفل الجزائريون منذ الاستقلال بـ"الفاتح من نوفمبر" على أنه "عيد الثورة، عيد أول رصاصة، عيد بداية انجلاء ليل الاستعمار الطويل". ومع تراكم خيبات دولة الاستقلال، من فشل السياسات الاشتراكية حتى الجمهورية البوتفليقية المُقعَدة ومرورًا بالحرب الأهلية؛ صار الجزائريون متمسّكون أكثر فأكثر بهذا المَعلَمْ، يقفون مرة في العام عند تاريخ اندلاع الثورة ليندبوا حظّ بلادهم و"ضياعها بين أيدي الفاسدين والمجرمين والورثة غير الشرعيين للثورة" وإلى ما ذلك من الأوصاف.


مشهد اغتيال علي لابوانت من فيلم معركة الجزائر

تجاوز الثورة القديمة لا القطع معها

لأنّ الفاتح من نوفمبر هو أعلى نقطة في تضاريس التاريخ الرسمي للجزائر، يُؤرّخُ له دائما كقطيعةٍ (لا كتراكُم) وحدٍ فاصل بين ما سبق وما تلاه، لحظة اندلاع الثورة، لحظة ولادة جيل الثورة (من العدم؟) الذي قتل أباه وخطف الحركة الوطنية نحو مُنعرجِ الكفاح المُسلّح الذي أفضى للاستقلال. الجيل الذي حكمنا على اختلاف ألوانه 57 سنة، ولا يزال، باسم الشرعية الثورية، مُحتكرًا الوطن والوطنية، والثورة وفِعْلها، كأنّ لا ثورة بعده ولا ثورة تُماثل ثورته المُسلّحة ضد الاستعمار.

وربطًا بما سبق نجِدُ أن تاريخ 1 نوفمبر، ومظاهرته المُرتَقبة، بقدر ما هو موعدٌ لتأكيد قوّة الحراك واستمراره ورفضه لرئاسيات 12 ديسمبر وتأكيده على ضرورة التفاوض على تصوّر عقد اجتماعي جديد، هو أيضا اختبار لقدرته على تجاوز الثورة الكُبرى/الأولى واحتواءها والمُضيّ قُدما.

التجاوز ليس كقطيعة كما تقرأها الدولة وتاريخها الرسمي، بل التجاوز كاستيعاب لإرثٍ ثقيل والتسليم بأنّ علينا طيّ الصفحة لكتابة أخرى جديدة. التجاوز كمحاولة لصياغة واقع يجمعُ كل من نزلوا المظاهرات ومن لم ينزلوا، حيث تتحرّر الجماعة من شبح الحرب الأهلية وانقساماتها ولكن أيضا من سردياتها الوطنية الثقيلة والتي استعملها النظام ولازال ليشحذ الشرعية التي نقصته.

وطبعا، التجاوز لترسيخ وتعريف الثورة وفعلها من جديد، تعريفها لا حصرها وتثبيتها في الزمن، لأن الثورة ليست الأمس، ولا اليوم حتى، بل هي الغد. الثورة صيرورة لا تتوقّف. والأطفال النائمون على أكتاف أبائهم وأمهاتهم في المسيرات السلمية، هم أبناء المستقبل وليسوا أبناء نوفمبر ولا فيفري/فبراير، هم أبناء الغد الذي يستمر الحراك لأجله، ونومهم الهادئ وسط صخب المسيرات هو ما يربطنا بالواقع الجديد وأحلامهم خلال هذا النوم هي هذا الواقع الذي نتطلع إليه.


[*] نسبة إلى ثورة 1 نوفمبر 1954، وإلى عبد الحميد بن باديس (1889-1940) وهو رجل دين إصلاحي جزائري، ويرى البعض أن النوفمبرية/الباديسية هي نسخة يمينية محافظة تستعمل الخطاب الوطني/الإسلامي، فيما يذهب آخرون إلى أنها صنيعة مخابر أمنية لخلق تيار سياسي فضفاض يحمل خطاب الثورة المضادة وسط الحراك الشعبي. ثورة مُضادة جرَت بشكل أساسي على وسائل التواصل الاجتماعي من خلال الصفحات والحسابات الشخصية المزوّرة، يسمّيها الجزائريون "الذباب الإلكتروني"، روّجت على مدى أشهر لبروباجندا تخدم وتدعم كل خيارات وخطابات قيادة الأركان ومن ورائها حكومة تصريف الأعمال غير الشرعية.