أسرة إماراتية بينها طفلة (داون) تغني النشيد الوطني للإمارات احتفالا باليوم العالمي لمتلازمة داون - الإمارات هي الدولة العربية الأكثر اهتماما بمتلازمة داون

متلازمة داون في العالم العربي: تعتيم ونقص دراسات وتجاهل حكومي

لكن كل هذه الدراسات، على أهميتها في المساعدة على تحسين صحة ونمو المولودين بمتلازمة داون؛ لا تجري ضمن منظومة متكاملة لرعايتهم وتوفير المعلومات لهم ولأسرهم.

بداية للقارئ أن يعرف أن هذا التقرير القصير استغرق العمل على إنهائه أربعة أيام. لا لتباطؤ الإنترنت، ولا كسل المحررة؛ ولكن لأن البحث عن أرقام ومعلومات موثقة حول أعداد وأحوال المصابين بمتلازمة داون، أو الحصول على أرقام موثقة عمومًا متعلقة بذوي الاحتياجات الخاصة أمر شبه مستحيل في العالم العربي، رغم أن بيانات الدراسات العلمية المعتمدة، تؤكد أن المنطقة العربية هي واحدة من المناطق التي ترتفع فيها معدلات الإصابة بالأمراض الوراثية والمتلازمات النادرة الناجمة عن خلل وراثي أو خلل صبغي يحدث أثناء الحمل، لكونها من أكثر مناطق العالم ممارسة لزواج الأقارب.

البحث المعمق على الإنترنت وفي المراكز البحثية المحلية والإقليمية ذات المصداقية لم يسفر عن نتائج، بينما البحث القصير على شبكة التواصل الاجتماعي فيسبوك يظهر العديد من المجموعات والصفحات المهتمة بتجميع أسر المصابين بمتلازمة داون، وتسهيل التواصل بينهم للحصول على الخدمات والمعلومات وتنسيق الجهود من أجل حقوق أطفالهم.

اقرأ أيضًا: في عيد الأم ويوم "متلازمة داون".. أنا أب محظوظ

وفي المقابل، وبينما احتفل العالم أمس باليوم العالمي لمتلازمة داون وأطلقت الامم المتحدة بالتزامن مع اليوم برنامجًا للتوعية والتعريف بالمتلازمة، لم تعلن وزارتي الصحة والتضامن الاجتماعي في مصر عن أية برامج أو أنشطة تتعلق بالتوعية بالمتلازمة.

متلازمة داون هي خلل صبغي يحدث في الكروموسومات أثناء عمليات انقسام الخلايا لتكوين الجنين داخل الرحم. تحتوي الخلية في جسم الإنسان على 32 زوج من الكروموسومات، ما يحدث عند الإصابة بمتلازمة داون؛ أن الكروموسوم رقم 21 لا يكتفي بنسخ نفسه مرة واحدة ليصير زوجًا من الكروموسومات، لكنه ينسخ نفسه مرتين فتصبح هناك ثلاثة نسخ من الكروموسوم نفسه. وأحيانًا تهاجر نسخة من الكروموسوم رقم 14 لتستقر بجوار زوج الكروموسومات رقم 21، وأحيانًا يحدث ازدواج في توليد صبغيات أخرى على غرار ما يجري للكروموسوم 21، وبهذا تحدث متلازمة داون.

يحتفل العالم سنويا باليوم العالمي لمتلازمة داون بالدعوة لارتداء جوربين مختلفين (فردةوفردة) في إشارة لنمط ارتباط كوروموسوم 14 و21 المتسبب في بعض حالات الداون سيندروم

ويتخذ اليوم العالمي لمتلازمة داون في عامه الحادي عشر شعار الاحتفاء بالاختلاف، للتأكيد على أن المصابين بالخلل الصبغي المسبب لمتلازمة داون لا يقلون عن أقرانهم الأصحاء وأن اختلافهم لا ينتقص من قدرتهم على العيش والتميز والنجاح. وتطالب الحملة سنويًا بإظهار التضامن مع المصابين بالمتلازمة، من خلال ارتداء زوجًا متنافرًا من الجوارب (فردة وفردة)، لبيان فكرة الخلل الصبغي. لكن الصفحة التي تضم الدول المشاركة في الاحتفال باليوم العالمي لمتلازمة داون على الموقع الرسمي لليوم لا تضم أسماء أي من الدول العربية على الإطلاق.

تظهر البيانات ليبيا ودول المغرب العربي والسودان وسوريا والعراق، باعتبارها بلادًا خالية من المصابين بالمتلازمة، في الوقت الذي تتواجد فيه صفحات لأسر وجمعيات مهتمة بالمصابين بالمتلازمة في مصراتة الليبية، والرياض السعودية، والمغرب. وثلاثتهم من الدول التي تشير بيانات المركز العربي للدراسات الجينية لخلوهم من الحالات.

ويهتم مركز وحيد في العالم العربي بإجراء الأبحاث المتخصصة في مجال الأمراض الناتجة عن الاختلالات الوراثية الجينية، أو تلك الناتجة عن اعتلالات صبغية (كروموسومية) أو مؤثرات بيئية تتدخل في التسبب في خلل المورثات، وهو "المركز العربي للدراسات الجينية" CAGS ومقره دبي في الإمارات العربية المتحدة.

وتحوي قاعدة بيانات المركز بعض المعلومات عن حالات الخلل الصبغي المتسبب في متلازمة الداون في مصر والإمارات والسعودية ولبنان فلسطين وقطر والكويت وسلطنة عمان. بينما تظهر البيانات ليبيا ودول المغرب العربي والسودان وسوريا والعراق، باعتبارها بلادًا خالية من المصابين بالمتلازمة. مما يشير إلى غياب وجود بيانات عن المصابين بالمرض في هذه البلدان، في الوقت الذي تتواجد فيه صفحات لأسر وجمعيات مهتمة بالمصابين بالمتلازمة في مصراتة الليبية، والرياض السعودية، والمغرب. وثلاثتهم من الدول التي تشير بيانات المركز العربي للدراسات الجينية لخلوهم من الحالات.

خريطة بالدول العربية التي سجلت فيها إصابات بمتلازمة داون من موقع المركز العربي للدراسات الجينية

ووفقًا لأبحاث المركز والبيانات التي حصل عليها من سلطات الدول المرصودة ومؤسساتها البحثية؛ تبلغ نسبة الإصابات بين مواطني البحرين 0.9 في الألف، ويرجع تاريخ الإحصائية لعام 1999، ولا توجد إحصائيات أحدث. البيانات نفسها جمعت وفقًا لما تم تسجيله في المستشفيات في الفترة من 1989 حتى 1993.

أما الباحثون في الكويت فقد أجروا أبحاثًا متقاربة في أعوام 1970، ثم من 1987 حتى 1992 ثم في 1998 و2000 و2006. وركزت الدراسات على الخصائص السكانية للأباء الذين أنجبوا اطفالاً مصابين بالخلل الكروموسومي المسبب لمتلازمة داون. ووجدت الدراسة التي أجريت عام 1989 أن 15% فقط ولدوا لأسر بدوية، رغم أن البدو يشكلون 80% من سكان البلاد. وخلصت الدراسة التي أجريت عام 1989 أن نسبة الإصابة بمتلازمة داون تبلغ 1.1 لكل ألف طفل.

أما مصر على كبر حجم سكانها، ووجود مجتمع راسخ للمصابين بمتلازمة داون وأسرهم فيها؛ إلا أن تاريخ أقدم الدراسات المسجلة بها يعود إلى عام 1991 فقط.

ويسجل المركز دراستان أجريتا في لبنان، أولاهما نُشِرَت 2001 والثانية في 2005، الأولى كانت تركز على الاختلالات الكروموسومية عمومًا، والثانية على التشوهات والاختلالات في القلب والشرايين لدى المصابين بالخلل الكروموسومي المسبب لمتلازمة داون. في سلطنة عمان أجريت ثلاث درسات، قام بها باحثون غربيون، أوسعها نطاقًا وأكثرها تفصيلاً في النتائج هي التي أجريت عام 2003، حول أنماط الأمراض القلبية والشريانية التي أصيب بها أطفال مولودون بمتلازمة داون بين عمري الثانية والسابعة.

أما مصر على كبر حجم سكانها، ووجود مجتمع راسخ للمصابين بمتلازمة داون وأسرهم فيها؛ إلا أن تاريخ أقدم الدراسات المسجلة بها يعود إلى عام 1991 فقط. أولى الدرسات كانت عن وضع اللوكيميا "سرطان الدم" لدى المصابين بمتلازمة داون، والدراسة الثانية عام 1993 كانت حول الخصائص المناعية لأجسادهم، لكن نطاق الدراسة كان محدودًا إذا أجريت الدراسات على الخلايا المناعية لتسعة ذكور وأحد عشر أنثى فقط. وتحوي قاعدة بيانات موقع المركز العربي للدراسات الجينية ملخصًا لدراستان أخريان أجريتا عام 2003 و2004.

لكن البحث بالإنجليزية أظهر دراستان أخريان أجريتا في مصر ونشرتا عام 2010 و2012. الدراسة الأولى حول العوامل التي تزيد من مخاطر إصابة المزيد من الإجنة في صعيد مصر بخلل الكروموسوم الزائد المعروف باسم متلازمة داون. الدراسة أجراها الباحث حاتم شلبي، الباحث بقسم طب الأطفال بكلية الطب جامعة سوهاج، ونشرت بدورية "الجينات البشرية" التي تصدرها جامعة عين شمس، تقول الدراسة في تقدمتها للنظرية إن السبب الثابت للإصابة بخلل الكروموسوم الزائد، وهو كبر سن الأم، ليس هو السبب الشائع للإصابة في مصر، وأنه لم تجر دراسات كافية تتناول بوضوح باقي المخاطر المتسببة ف يالإصابة بالمتلازمة فيما يتعلق بالحالات في مصر.

أجريت الدراسة في الفترة بين مارس 2006 وفبراير 2008 أي أن الإطار الزمني للدراسة هو عامين، درس الباحث خلالهما 48 حالة لأطفال بين عمري 6 شهور و9 سنوات. ووجدت الدراسة أن زواج أبناء العمومة اللصيقين، وزواج أحد الأعمام أو الأخوال (غير الأشقاء) من بنات مولودات لأبناء عمومتهم وهي ممارسة شائعة في الصعيد من أهم العوامل التي أظهرت متلازمة داون في الأطفال رغم صغر سن الأم.

استخدام الأمهات للأدوية المعالجة للأمراض المزمنة، والتدخين والشرب المفرط للقهوة لايزيد من احتمالات تعرض الأجنة لخلل الكروموسومات المسبب لمتلازمة داون، ولكن استخدام الأب لتلك الأدوية وإفراطه في التدخين والقهوة يزيد من احتمالات تعرض جنينه للإصابة بالمتلازمة.

دراسة للباحث حاتم شلبي - كلية الطب جامعة سوهاج 2010

وبحسب الدراسة فإن الأب والأم لم يتعرضا لأية سموم في البيئة المحيطة لكنهم استخدموا أدوية تستخدم في علاج الصرع أو القدم السكري (معروف باسم مرض السكر) أو أمراض مزمنة أخرى. وأن تعرض الأباء لتلك الأدوية هو الأكثر خطورة وليس تعاطي الأمهات لها. كما رصدت الدراسة ارتفاع الإصابة لدى الأطفال المولودين لأباء يفرطون في تناول القهوة والتدخين، ولم تجد أهمية خاصة لتأثير شرب الأمهات للقهوة والتدخين على الأطفال. أما الدراسة الثانية المنشورة عام 2012 فهي حول معدلات النمو لدى المصابين بمتلازمة داون.

لكن كل هذه الدراسات -القليلة بشكل لافت- على أهميتها في المساعدة على تحسين صحة ونمو المولودين بالخلل الكروموسومي المسبب لمتلازمة داون؛ لا تجري ضمن منظومة متكاملة لرعايتهم وتوفير المعلومات لهم ولأسرهم. ولاتزال المبادرات الأهلية القائمة على التكافل بين المصابين وأسرهم في أغلب دول العالم العربي وعلى رأسها مصر، هي ما تقدم لمجتمع المصابين بمتلازمة داون وأسرهم بعض من الدعم اللازم لتحسين حياتهم وصحتهم، في ظل غياب قاعدة بيانات لدى تلك الدول عنهم وعن انتشارهم واحتياجاتهم مما يعكس غياب الاهتمام الحكومي، رغم الجهود الدولية والجهود التي يبذلها مجتمع متلازمة داون في مصر والعالم العربي لوضع احتياجاتهم على خريطة اهتمامات الدول.