تصميم: يوسف أيمن - المنصة

مقدمة في علم اجتماع الكلاب

عندما ننتهي من ضمان حقوق الإنسان، ستتسنى لنا مناقشة حقوق الكلب، أقرب أصدقاءه.

سنتحدث عن الخطط المثلى لإنقاذ كلاب الشارع من البرد والجوع. سنوفر لهم ملاجئ آمنة يسكنون فيها بصحبة عائلاتهم الطيبة، لينعموا بالأمن بعيداً عن وحشة الطرقات ووحوش الليل. سنستثمر بعد ذلك في توفير الأدوية والأدوات الطبية اللازمة لعلاج أمراضهم ومداواة جروحهم وإعادة تأهيلهم للحياة الجديدة. سيصبح مجتمع الكلاب البلدي مجتمعاً صحياً ومفتوحاً للجميع، ومع ذلك، ستلح تساؤلات جديدة علينا جميعًا أن نجيب عنها، في عصر السؤال والجواب، عصر الحرية والعلم.

ستثور المناقشات حول عمليات بيع وشراء الكلاب؛ هل هي أخلاقية؟ سيقول فريقٌ من الناس إنه بدون هذه العمليات لن يجد الكلاب من يرعاهم ويحنو عليهم، وسيقول فريق آخر أن شراء الكلاب هو امتداد لعبودية الإنسان للإنسان، سيتحججون بحرية الطبيعة والمخلوقات، وسينتقدون الرأسمالية التي تبرر شراء كل شيء حتى الحنان والحب.

ستظل المعركة الفكرية قائمة، لكن رواد الأعمال سيستمرون في ضح أموالهم وصناعة برمجياتهم التي ستسهل انسياب سوق الكلاب أكثر فأكثر. سينتقل الحديث بعد ذلك عن اقتصاديات الكلاب، بكم نبيعها وبكم نشتريها؟ سيكتب الماركسيون حول القيمة المضافة للكلاب. سيطرحون الأسئلة وينتظرون إجاباتها؛ هل بيع الكلاب عمل منتج؟ وهل تخدم هذه التجارة المركز أم الهامش؟ ستنقلنا هذه التساؤلات بالتأكيد إلى حرب أخرى. حرب الأنواع.

نشرت جماعة أنصار داروين بحثًا يخلص إلى أن التهجين القسري للكلاب يساهم في بلبلة أصولها العرقية؛ ستفسد الأنواع وتضمحل مثلما ألغى الجنس البشري كل أشباهه. انتهى البحث إلى أنه بعد مليون سنة من هذا التهجين الأحمق، سيجري على كوكب الأرض كلب واحد وستتلاشى كل الكلاب السابقة. هذا البحث أثار استفزاز حزب النسويات السود في غرب الولايات المتحدة، الذي اتهم الجماعة بالعنصرية، وطالب بإدراجها ضمن قائمة الجماعات الإرهابية اليمينية التي تفرض الأمم المتحدة العقوبات على كل من يتعامل معها. وسط هذه المعركة البعيدة ظلت التساؤلات القريبة تضرب رؤوس علماء الداخل؛ هل اتساع سوق الكلاب عالمياً أمر محمود؟

الكلاب أنواع وجماعات وبلاد كذلك، فهل بيعها بالأموال عبر القارات أمر أخلاقي؟ وهل انتزاعها من مجتمعاتها وإقحامها وسط كلاب تتجانس معًا مختلفة عنها أمر رحيم؟ وماذا عن اقتصاديات التجارة الخارجية للكلاب التي تجعل من تداول الكلاب الأجنبية في السوق المحلي أغلى من تداول مثيلاتها المحلية؟ سيجعل هذا كلابًا أرخص من كلاب، وسيؤثر في نظرتنا ومعاملتنا وتفضيلنا لبعضهم على بعض بلا أسباب سوى ميلادهم هنا أو هناك، وسيعيد إلينا مخاوفنا الذاتية عن العنصرية والخيال المُستعمَر.

ستأخذنا أبحاث أخرى إلى صفات أنواع الكلاب، أيهم أذكى، وأيهم أقوى، وأيهم أجمل؟ ستوضع كليشيهات للجمال والقوة، وستنفق الملايين على عروض الأزياء ومسابقات الجمال وألعاب القوة الكلبية، وسيُهمل آخرون قصدوا أو لم يقصدوا أن يتم إهمالهم كرمًا لهيمنات عقلية عن درجات الأحياء بعضهم فوق بعض كمبدأ ديني تقره الطبيعة كل يوم.

بوجود الكلب الذكي، كيف سيغير ذلك من تعامل الإنسان معه؟ هل يتفاهمان بإشارات معينة؟ هل يتبعه أينما ذهب بلا حاجة لسلسلة؟ وبالحديث عن التبعية، ما مدى أخلاقية أن تصحب الكلب معك في كل الأماكن؟ ماذا لو كان الكلب يحب مكانًا ويكره آخر؟ نشر أعضاء الحزب الأخضر حملات متجددة ترفض السلسلة وترى أن للكلب حريته في الحركة، فيمكنه النزول مع الإنسان أو تفضيل الجلوس في المنزل.

ساق أصحاب شركات مستلزمات التربية حملات إعلانية مضادة أظهروا فيها صورًا حقيقة لكلاب تائهة تبكي بحثًا عن أصحابها بلا جدوى. حل هذه المعضلة بعض الناشطين الذين ردوا بأنه لابد لمن يجد كلبًا تائهًا من نشر صوره في مجموعات إلكترونية محددة لهذا الغرض خصوصًا بعد حملات حماية كلاب الشوارع في الملاجئ، فلن يصبح في الشارع كلاب غير التائهين، بل إن الشرطة يمكنها القيام بهذا الدور. هذا الحل يفترض محدودية عدد أفراد المجتمع (وعدد الكلاب كذلك) ومساحته، كما يفترض سلوكًا واحدًا سيتخذه كل من يجد الكلب التائه، وهو الافتراض الذي تنفيه كل المسوح الاجتماعية على تنوعها.

تمثال لكلب - الصورة من PEAKPX - مفتوحة المصدر

بعد استقرار هذه الموجات والاستقرار على اتباع رأي أصحاب الشركات في ذلك كله، سيفتح واضعو التشريعات باب المداولة المجتمعية حول الحد الأدنى المطلوب لتوفير الحياة الكريمة للكلب وعائلته. سينشر البيطريون وعلماء الأحياء جداول متباينة عن القيم الغذائية اليومية وعدد الوجبات اللازمة للكلب، بالإضافة إلى كميات الأدوية الموضعية والكيميائية التي تحفظ له صحته.

لكن علماء النفس أضافوا للاحتياجات البيولوجية احتياجات أخرى يمكن أن يؤدي غيابها للاكتئاب والموت كمدًا، كالترفيه وزيارة الأماكن الجديدة ولقاء أشخاص آخرين، وفتح ذلك الباب أمام تساؤلات عن حق الكلب في الحب وتكوين الصداقات والعلاقات مع أبناء جنسه وحريته في التزاوج وتكوين العائلة وتجريم أي مصادرة لحق الكلب في اختيار شريكه. وأسئلة أخرى عن إمكانية تزاوج كلاب الفقراء مع كلبات الأغنياء. اقترح ناشطون في هذا الشأن فتح مجتمعات صحية لا فرق فيها بين الكلاب من مختلف الأنواع والطبقات وترك انسياب العلاقات بين الكلاب وإخفاقها ونجاحها رهين التفضيلات الشخصية للكلب وليس وقفًا لاعتبارات ثقافية واجتماعية.

تحدث بعض العلماء عن حاجة الكلب لسماع الموسيقى ومشاهدة اللوحات الجميلة والكارتون الصامت. ثارت على إثر هذه الكتابات معركة جانبية لكنها مهمة بدرجة ما، فقد سأل عدد من أساتذة الفلسفة وعلم الجمال في جامعة إمبابة علماء النفس عن شكل اللوحات الجميلة التي يقصدونها. وإذا أمكن للكلب أن يأتنس بجمال لوحة لمنظر طبيعي أو سيدة حسناء، فهل سيأتنس بلوحات سلفادور دالي وكذا بموسيقى فون جيرارد؟ هل سيتفاهم عقل الكلب مع الترتيبات غير المنتظمة للتعبير الجمالي؟ هذه المعضلة حفزت مجموعة أخرى.

في غضون ذلك، حذرت هيئة الأرصاد الأممية من عاصفة دوامية كبيرة ستبدأ من الأراضي الصحراوية بالجزيرة العربية وستمر عبر شمال إفريقيا وستعبر البحر المتوسط إلى شواطئ أوروبا.

فقد دعا رئيس كرسي الفيزياء الحيوية في جامعة الشيخ زويد لاجتماع يضم عدد من البيولوجيين والأساتذة في كلية الطب البيطري وكذا عدد من الأنثروبولوجيين ومؤرخي التطور لمناقشة ما إذا كان يمكن للكلب أن يتعلم؟ ودلل الرئيس في مقدمة اجتماعه على تجارب تطوير سلوك الكلاب البوليسية، وبحوث تطور التعامل المتبادل بين الكلاب والبشر خلال القرن العشرين بلغة الإشارة والأصوات البسيطة.

تمخض الاجتماع عن مشروع إنشاء أول مدرسة لتعليم الكلاب تجريبيًا. لكن مع اقتراب افتتاح هذه المدرسة ثارت المزيد من الأسئلة عن الكلاب الذين سيُسمح لهم بالتسجيل فيها خاصة مع وجود كلاب غنية وأخرى فقيرة، فهل ستنشأ فروق جديدة بين كلاب متعلمة وأخرى جاهلة؟ وهل ستتولى تعليم الكلاب مؤسسات ربحية أم مؤسسة تعليمية لا تهدف للربح ترعاها الدولة في سبيل العلم والتطور؟ وإذا أنتج تعليم الكلاب أجيالًا ذكية هل ستحتكر هذه المؤسسات الراعية استخدام هذا الذكاء أم ستترك الكلب يفعل ما يشاء؟ وهل سيقبل إنسان المستقبل بعد ذلك اقتسام الحرية مع الطبيعة؟

هل كان ذلك اختيارًا؟ طبقت هذه التجربة في صحراء الربع الخالي بالجزيرة العربية، وقد كان هذا هو الاختيار الوحيد لهيئة علماء الحيوان الأممية بعد عدة مؤتمرات تنظيمية. كل ما حدث بعد ذلك كان سريعًا وغير متوقع. نجحت التجربة بعد مرور شهور، وأبدت الغالبية العظمى من الكلاب استجابة إيجابية للتطبيقات النفسية والعصبية التي أجريت عليهم، وبدأت إدارة المجتمع المعينة من قبل الهيئة في تطبيق المرحلة الثانية من التجربة وهي تعليم القيم الأساسية والتاريخ البشري والعلوم.

بعد شهور تالية من النجاحات المستمرة، تطور مجتمع الكلاب المدرسي تطورًا كبيرًا أصبح فيه تعليمهم عملية سلسة لا تُبذل فيها مجهودات كبيرة. وقررت الإدارة بعد ملاحظة هذه النتائج تجربة أساليب التعلم الذاتي وملاحظة كيف سيتصرف الكلاب بمفردهم وما إذا كان بإمكانهم الوصول إلى المعلومات والتحقق منها وتطبيقها بمفردهم.

في غضون ذلك، حذرت هيئة الأرصاد الأممية من عاصفة دوامية كبيرة ستبدأ من الأراضي الصحراوية بالجزيرة العربية وستمر عبر شمال إفريقيا وستعبر البحر المتوسط إلى شواطئ أوروبا. هلع الأوروبيين من قدوم هذه الفوضى الجنوبية عطّل الاهتمام بأشياء أخرى كثيرة على أجندة العالم، منها قرار الهيئة بتعليق كل أنشطة التجربة ومغادرة الربع الخالي على الفور.

عكرت الرمال العربية شتاء أوروبا الدافئ لأسابيع طويلة، ظلت القارة تنفض ترابها أسابيع أخرى. بعد سكون الأجواء وعودة كل المؤسسات لعملها الطبيعي، قررت الهيئة استئناف أعمال التجربة العلمية في صحراء الجزيرة، وعودة العلماء والخبراء والموظفين بعد إجازتهم الطويلة لاتخاذ مواقعهم. لكنهم عادوا ليجدوا معالم مدينتهم الساكنة وقد تغيرت.

العاصفة التي غادر الجميع هربًا منها لم تتجاهل الكلاب كما تجاهلهم البشر. أصيب عدد كبير من الكلاب الصغيرة بهذه الظاهرة الشديدة، وماتت كلاب وليدة لم تتحمل الجو. في حالة من الهلع وقلة الحيلة، ظهرت مجموعة من الكلاب التي طبقت عليها المراحل المتقدمة من التجربة، وقد تعلمت أشياء عن أساليب التفكير وحل الأزمات والتعلم الذاتي.

قرروا أولاً إقناع كل كلاب المدينة باتباعهم من أجل تنفيذ خطة الحماية. البشر الذين لم يحموهم في أصعب الظروف، لن يعودوا بحاجة إلى حكمتهم وحمايتهم بعد اليوم، لأنهم سيعتمدوا على أنفسهم في كل شيء. لا أحد يعلم كم ستستمر أحداث العاصفة، ولا ماذا فعلت بالبشر ولماذا فروا هكذا دون أن ينظروا وراءهم. ولم يعد الكلاب بحاجة للانتظار.

اقتنع المصابون والمكلومون على أولادهم أول الأمر، واقتنع الجميع بعد ذلك، وانطلقت طبقة الحكماء إلى مبنى الإدارة، ومن وراءها جموع كلاب المدينة، الآلاف ستذهب الآن لاحتلال أكثر مباني المدينة تأمينًا ضد الكوارث، وكانت الخطة نشر الكلاب في محيط المبنى واكتشاف ثغراته واستعماره.

نجحت الخطة بعد أربعة ساعات فقط. كل كلاب المدينة اتخذت أماكنها في أدوار مبنى الإدارة الضخم، طبقة الحكماء في الدور الأخير ذي الجدران البانورامية المطلة على ما يحدث في كل مكان بالداخل والخارج. الكلاب البوليسية في الدور قبل الأخير للمراقبة والتأمين واتخاذ اللازم في الوقت المناسب كذلك. الكلاب المتفوقة دراسيًا اتخذت مناماتها في المكتبة، بين الكتب وتحت الرفوف وفي الطرقات. ازدحم المبنى، نام البعض في المكاتب، في غرف الاجتماعات، حتى في دورات المياة. خلال التدافع، لم ينفذ الضعفاء من الكلاب إلا أخيرًا، حيث افترشوا الدور الأرضي، ومن فوقهم الأمة كلها.

صورة من pxfuel - مفتوحة المصدر

ابتعدت الدوامة عن مركزها. في الأيام التي وصلت فيها لتقلق منام أوروبا، كان الهدوء يخيم على ربع الكلاب الخالي. بعد أيام من الهدوء والراحة من الأحداث، أدرك الكلاب أن القادم لن يكون مثل الذي مضى. اجتمعت طبقة الحكماء من الدور العلوي بالشعب جميعًا، هنأتهم على صمودهم في الأيام الصعبة، ودعتهم للحفاظ على هذه الروح الجديدة التي وُلدت في قلب العاصفة، روح الكلب الحر.

ألزم الحكماء كل شعب الكلاب بالذهاب إلى المكتبة كل يوم. كانت المكتبة ضخمة وحوت الكتب والمراجع في مختلف العلوم الطبيعية والإنسانية والآداب والنصوص والتصويرات التي أنتجها البشر. تطلب الأمر بعض التنظيم فقط، فقامت الإدارة لذلك بحصر أفراد الشعب بأسمائهم وعائلاتهم وأعمارهم وطبعت هذه المعلومات على كروت مقواه صغيرة يمكن حملها على الرقبة. ثم نظمت لكل مجموعة عدد من الساعات للحضور المكتبي وتأييد ذلك على بواباتها.

هكذا اختارت طبقة المدينة وعقلها مجموعة مساعديها، وصار للمدينة أذرع ذكية وحكيمة في كل مجال، ولكل ذراع أيدي وأصابع تعمل كجسد واحد.

بعد أسبوع من تطبيق هذه السياسة والتأكد من حضور الجميع أكثر من مرة، أعلنت الإدارة حاجتها لاستئناف الدروس العلمية، وفتحت باب التقديم لشغل وظيفة معلمين في مختلف غرف المكتبة حسب مجالاتها. قدم عدد من المتفوقين علميًا واستمرت الدروس لمجاميع الكلاب بلا تخصيص، حيث أتيح للكلب ارتياد أي درس في أي وقت حسب رغبته، وكان ذلك دافعًا كبيرًا لكل فرد لتعلم الأشياء التي يحبها ويريد تطبيقها.

بعد أيام أخرى من الاجتماعات، استقرت طبقة الحكماء على قرار الخروج من مبنى الإدارة واستعمار المدينة بالكامل. من أجل تطبيق هذه الخطة، احتاجت الطبقة لتعيين متخصصين في مجالات مختلفة لإدارة المدينة، فقامت بالاختيار من بين أذكى الكلاب البوليسية لإدارة التأمين الذي اكتسب بدورة سلطة تعيين مساعديه ومساعديهم، ومن بين أذكى طلاب الحاسب الآلي لإدارة المدينة تقنيًا واسترجاع الأنظمة المعطلة، ومن بين أذكى الكلاب في الفيزياء لإعادة تشغيل شبكات الكهرباء والمياة في المدينة وتشغيل معامل إنتاج الغذاء وتحقيق الاستفادة القصوى من المخازن التي تركها البشر، ومن بين أمهر المعلمين وأمضاهم سمعة بين الكلاب لإدارة تعليم المدينة وربطه باحتياجاتها الدقيقة.

هكذا اختارت طبقة المدينة وعقلها مجموعة مساعديها، وصار للمدينة أذرع ذكية وحكيمة في كل مجال، ولكل ذراع أيدي وأصابع تعمل كجسد واحد، يشبه ليفياثيان هوبز الذي لا يُقهر.

لم تستمر أيام البدايات الجميلة طويلًا. في اجتماع المجلس الصباحي الباكر لطبقة الحكماء والمساعدين، أعلن مساعد التأمين أن مجموعة كبيرة من علماء وخبراء وموظفي المدينة السابقين رصدتهم مناظير الأبراج بسياراتهم على بعد كيلومترات قليلة. توتر المجلس وعلت الأصوات حتى أسكتهم الحكيم الأكبر قائلاً "كفوا عن الهلع وفكروا لحظة، سننشر رسالتنا للبشر الآن على جميع البوابات".

وصل الموكب ليجد مجاميع كبيرة من الكلاب في تأهب خلف الأسوار، وعلى البوابة المغلقة رسالة عريضة نصها "هذه أرض آمنة اتخذها الكلاب مدينة لهم، ومحظور على البشر دخولها". ذُهل جميع أفراد الموكب مما رأوا لدقائق بدت لهم ساعات. لم يعرفوا كيف يتصرفون في هذا الموقف السينمائي، نظروا جميعًا لمدير المشروع فرفع هاتفه واتصل بمدير الهيئة في جنيف، الذي سكت بدوره ثوانٍ طويلة على الهاتف، ثم دعاه للعودة بموكبه بأسرع ما يمكن.

احتاجت الهيئة لدراسة الموقف مع جميع العاملين السابقين بالمشروع لمعرفة ما اللحظة التي تُرك الكلاب فيها للتطور إلى هذا المستوى وماذا يمكن أن يحدث بعد ذلك وكيف يمكن تقليل خسائره. في هذه الأيام تطورت مدينة الكلاب بعد إدراكهم لضرورة حماية مكتسبهم وعدم الخضوع للسلسلة مرة أخرى.

رغم سرية المعلومات التي حملها الموكب للهيئة في أوروبا، علمت السلطات الملكية بالأمر، وقررت التخلص من هذه التجربة الحداثية الفاشلة التي تكاد تنجس أراضيها المقدسة، بعد أن قبلتها على مضض كشرط لنسيان الاتهامات التي تواجه الأسرة المالكة. أثناء اجتماعاتهم الحائرة، وصل إلى الهيئة خبر هجوم القوات الخليجية على المدينة الذي نتج عنه عدد كبير من القتلى من الطرفين، لكن لم تستطع القوات دخول المدينة رغم ذلك، تاركة قتلاها بأسلحتهم وذخائرهم لتدفنها الرمال، وتراجعت لطلب الدعم. أعلنت الأمم المتحدة رفضها لاستخدام القوة العنيفة في حل الموقف، وضرورة التفكير في حلول لا تراق فيها الدماء، وقررت إلغاء تعليق العقوبات الاقتصادية المفروضة على التجارة الخارجية من وإلى المملكة.

قررت إدارة التأمين على حدود المدينة دفن جميع جنود البشر في مكان موتهم، وجمع أسلحتهم وذخائرهم، وإصلاح آلياتهم التي انغرست في الرمال. بعد أيام، صارت لإدارة التأمين قوات مسلحة. اقتربت الموارد الغذائية في المخازن من النفاذ، ولم يأتِ الدعم كما كان يأتي أيام الإدارة البشرية.

نحن أبناء الطبيعة، جئنا كنتاج لنقاش فكري واجتماعي طويل، لكن لا زلتم يا أبناء الحضارة الإنسانية في منتصف الطريق.

اجتمعت طبقة الحكماء والمساعدين، وقررت أن حل ذلك هو الدخول في الاقتصاد العالمي والحصول على الموارد الغذائية. لكنهم كانوا على علم بصعوبة الزراعة في طبيعة جغرافية كالتي نشأوا فيها، فقرروا الاستيلاء على حقول النفط التي تبعد أميالًا عن مدينتهم.

صدرت الأوامر للقوات المسلحة بالتخطيط. وبالفعل، حاصرت مئات الكلاب المسلحة الحقل، الذي كان تأمينه بسيطًا بالنسبة للأسلحة التي جلبها الكلاب معهم. أرسل المحاصرون رسالة إلى إدارة الشركة مفادها أن مغادرة الحقل خلال خمس دقائق هو الطريقة الوحيدة للنجاة بحياتهم، لم يخيب البشر ظنهم، وغادروا على الفور.

عين رئيس المعلمين مجموعة من النبهاء لإدارة الحقل وإنتاج البراميل بنفس معدل الشركة التي علموا عنها كل شئ قبل قدومهم. وخلال أيام، مدت مجموعة البنائين الأسوار ومهدت الأراضي بين المدينة والحقل، فصارت دولة الكلاب باقية وتتمدد. أرسلت إدارة الدولة عبر الأقمار الصناعية رسالة إلى العالم مفادها أن مدينة الكلاب التي أنشأها الإنسان تطورت وصارت دولة، وأن هذه الدولة باتت حقيقة واقعة لا يمكن تجاهلها، وأن على العالم كله قبول هذه الحقيقة وعدم الإقدام على أي تفكير من شأنه إثارة الفوضى "لم يكن أحد منكم يلتفت إلى الربع الخالي، وعندما أدركتم عدم استقرار طبيعته تركتمونا نواجه مصيرنا وهربتم، ولقد واجهناه ككلاب حرة ومتعاونة. لم نهرب ولم نموت. واجهنا مصيرنا وها نحن نصنعه، فلا تفسدوه، ولا تفسدوا مصيركم معه".

لقد استولينا على شركة النفط وتعاون معنا كل أفرادها للنجاة بحياتهم، فتعاونوا معنا للنجاة بحياة الجميع. لقد تطور وعينا فلم يعد صحيحًا أن تعاملوننا ككائنات أدنى. نحن شركائكم في الطبيعة، فاقبلوا وجودنا، واقبلوا حقنا المشترك في هذا العالم وموارده. سنتبادل معكم النفط مقابل المال، وسنتبادل مع كل البلاد المال مقابل السلع. لسنا أعداء أحد ولا نحب كلمة الأعداء، حذفناها من قاموسنا الذي يستقي منه صغارنا ما ينطقون به، ولا نعلم كيف تزرعون في أولادكم نوازع العداوة والحقد والانتقام من الآخرين كل يوم، ولا كيف يعذب الناس بعضهم إلى اليوم ولا يخجلون ولا يتألمون. نحن أوفياء للجميع، للبشر الذين كانوا سببًا في تطورنا، لكننا لن نظل مدينين بحياتنا لهم.

صورة من pxfuel - مفتوحة المصدر

وجودنا إثبات على إمكانية التغيير. لكن هذه الإمكانية مدفونة تحت طبقات من الخداع والصراع والطمع، تخفي معالمها وتثبط مساعيها. نحن أبناء الطبيعة، جئنا كنتاج لنقاش فكري واجتماعي طويل، لكن لا زلتم يا أبناء الحضارة الإنسانية في منتصف الطريق. الطبيعة تفصح عن غضبها كل يوم، تبعثر الحياة اليومية للإنسان، عالمنا المتقدم الذي تحرقه شرارات صغيرة وتوقفه جراثيم ورمال دقيقة. نسمع كل دعاياتكم ونرى أموركم ونستعجب. ما أهمية الكلام إن ناقضه الفعل؟ وما أهمية الفعل إذا كان الفاعل واحد وكل ما سواه مفعول؟ الطبيعة التي اختنقت ها هي تنفجر. وكل شئ يختنق قابل للانفجار.

نحن خيالكم المنفلت وبنات أفكاركم. نحن صناعة أيديكم ومدينة أحلامكم. أتينا من كهوف القرون الغابرة.

هذه روح الكلب الثائرة.