إحدى طرقات دور المسنين بالأبعادية في دمنهور - تصوير: هدى سمير

المسنون في دور الرعاية: وعود معلقة بحياة أفضل

خلف أسوار دار الأمل لرعاية المسنين في مدينة دمنهور، أصبح عم ممدوح* (83 سنة) يقضي أغلب وقته على كرسيه المتحرك متأملًا أحوال الآخرين بالخارج، بعد منع الزيارات الخارجية عن المسنين المقيمين بالدار خوفًا من تعرضهم للإصابة بفيروس كورونا.

جلس العجوز شاردًا مهمومًا لا يرغب في الكلام، ولكن بعد عدة محاولات قال بصوت يغالبه التعب "أدينا لسه عايشين، أنا هنا من 2003 يعنى بقالى 17 سنة كل اللي عايزه الكفن، كفاية كده، أروح أرتاح عند ربنا أحسن".

لا يعتبر عم ممدوح نفسه سعيدًا بإقامته في الدار رغم طول بقائه فيه، ويوضح أنه رغم سوء الخدمات التي يقدمها الدار فإنه مطالب بدفع زيادة سنوية قدرها 15% على رسوم الإقامة تزيد من أعبائه المادية إلى جانب مصاريف العلاج، والتي يغطيها معاشه التأميني بالكاد.

اثنان من نزلاء الدار - تصوير: هدى سمير. عدلت المنصة الصورة للحفاظ على الخصوصية

سؤال سوء الخدمات توجهنا به إلى أحد المسؤولين عن الدار الذي أوضح للمنصة، مفضلًا عدم ذكر اسمه، أن الإدارة "تعمل جاهدة على تخفيف مساعدة المسنين رغم صعوبة الأوضاع".

ويلزم الدستور المصري الدولة برعاية المسنين وضمان حقوقهم "صحيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وترفيهيًا، وتوفير معاش مناسب يكفل لهم حياة كريمة، وتمكينهم من المشاركة في الحياة العامة".

وبحسب موقع لوزارة التضامن الاجتماعي، فإن دار المسنين هي "مؤسسة اجتماعية معدة ومجهزة لإقامة المسنين، ويتوفر فيها أسلوب الحياة الكريمة وتقديم برامج الرعاية الصحية والنفسية والثقافية والاجتماعية والترويجية المناسبة".

ظهرت دور المسنين في مصر لأول مرة في ثمانينيات القرن الماضي إلى أن أصبح عددها 168 دارًا في 22 محافظة يستفيد منها حوالي 6 آلاف مسن ومسنة، بحسب تصريحات أدلت بها وزيرة التضامن الاجتماعي السابقة غادة والي.

وتقوم هذه الدور بتقديم الرعاية لمن لا يجدونها مع أسرهم لسبب أو لآخر بغض النظر عن مستواهم المادي أو الصحي ما داموا بحاجة لمن يرعاهم. ويتم في هذه الدور توفير الإعاشة الكاملة وتقديم ألوان الرعاية المختلفة (صحية – اجتماعية – ثقافية – ترفيهية) بمستويات تتناسب مع الإمكانيات المتاحة للنزلاء.

وهناك 15 دارًا تقدم خدماتها بالمجان، بينما يوجد 25 دارًا تختص برعاية غير القادرين على خدمة أنفسهم. وتقدم وزارة التضامن الاجتماعي للدور دعمًا ماديًا وفنيًا من خلال المتابعة وتقييم الأداء .

الربيع والوفاء والأمل

تأسس مجمع دور المسنين بالأبعادية في مدينة دمنهور عام 1980 بهدف وهو يضم ثلاثة مبانٍ؛ الربيع والوفاء والأمل.

مجمع دور المسنين يضم ثلاث مباني وهم الأمل والربيع والوفاء - تصوير: هدى سمير

ويذكر المسؤول الذي تحفظ على ذكر اسمه للمنصة إن المجمع يقدم الخدمات لنزلائه "برسوم قليلة" موضحًا أن تكلفة الإقامة بالدرجة الأولى تبلغ 695 جنيهًا وفي الدرجة المخفضة 195 جنيهًا للشهر الواحد "وهي رسوم رمزية لا تغطي ولو جزءًا بسيطًا من تكاليف الإقامة".

ويشير كذلك إلى أن الدور الثلاثة تحصل على إعانة سنوية من وزارة التضامن الاجتماعي تبلغ 121 ألف جنيه، ولم تزد قيمتها رغم تحرير سعر صرف الجنيه وارتفاع الأسعار بشكل عام، موضحًا أن هذا الدعم لا يكفي توفير الاحتياجات الأساسية للمسنين المقيمين بالدور الثلاثة لمدة ثلاثة أشهر، غير تكاليف فواتير الكهرباء، والمياه، والغاز، و مرتبات عمال الدور الثلاثة وعددهم 20 عاملًا، غير موظفي الإدارة الذين لا تتجاوز رواتب الواحد منهم 500 جنيه.

وأوضح أن الدار تفاضل بين توفير أساسيات الدار من الطعام والشراب للمسنين المقيمين وتسديد فواتير الكهرباء والماء والغاز من جهة وتوفير الرعاية الصحية والنفسية للمسنين من جهة أخرى، خاصة مع عدم وجود طبيب أو أخصائي نفسي بشكل دائم في الدار، إذ لا يوجد من أفراد الطاقم الطبي سوى ممرضتين منتدبتين من مديرية الصحة بمحافظة البحيرة تحضران في الفترة الصباحية، وذلك لعدم قدرة الدار على التعاقد مع طاقم تمريض.

ويقول "الممرضة بتتحاسب بالساعة وأقل مرتب ممكن توافق بيه مش أقل من ألف جنيه، وهنا التمريض المنتدب بيتصرف لهم مكافأة شهرية 75 جنيه بس"، وتتولى رعاية المسنين ليلًا العاملات المقيمات بالدار إذ تقول إحداهن "أنا بقالي هنا أكتر من 30 سنة وبقيت خبرة في علاج وتمريض المسنين".

وتابع المسؤول أن "الدار مهددة كذلك بقطع التيار الكهربائي"، ويحاول مسؤولو الدور تخفيف مديونية الدار لشركة الكهرباء بعد أن وصلت قيمة فاتورة الكهرباء ستة آلاف جنيه شهريًا.

مجمع دور المسنين بالابعادية - تصوير: هدى سمير

ومساعدات وهمية ورعاية غائبة

ورغم إعلان محافظ البحيرة اللواء هشام آمنة في نهاية 2018 إعفاء دور المسنين في المحافظة من مديونيات شركة الكهرباء، وتحمل قيمة الفواتير الشهرية من استهلاك المياه والكهرباء، إلا أنه ظل إعلانًا لم يجد طريقه إلى التنفيذ، إذ تراكمت ديون الدار لشركتي الكهرباء والماء حتى بلغت 199 ألف جنيه حسبما ذكر المسؤول الذي أوضح أن إدارة الدار وجهت رسالة استغاثة لوزير الكهرباء تطالب فيها بعدم فصل التيار الكهربائي عن الدار.

تواصلت المنصة مع الجمعية العامة لرعاية المسنين بمحافظة البحيرة المسند إليها مشروع مجمع دور المسنين بالأبعادية والمسؤولة عن الإشراف الداخلي عليه على مدار ثلاث أيام ولكن مدير الجمعية الخيرية العامة لرعاية المسنين رفض الإدلاء بأية تصريحات مؤكدًا أنه ليس مخولًا بالحديث إلى وسائل الإعلام.

من جانبها قالت ماجدة عبد المنعم، مديرة إدارة الأسرة ومسؤولة ملف دور المسنين بمديرية التضامن الاجتماعي بالمحافظة، إن دور رعاية المسنين بالأبعادية تحصل على إعانة دورية "هي ضعيفة بس دا اللي وزارة التضامن محدداه، والمسنين بحاجة لتلقي رعاية وخدمات أفضل"، وفيما يخص مديونيات الدور لوزارة الكهرباء أوضحت أن الجمعية العامة لرعاية المسنين المشهرة برقم 560 لسنة 1989 حصلت هذا العام على ترخيص جمع مال بقيمة 120 ألف جنيهًا تقريبًا، لسداد مديونيات دور المسنين بالأبعادية وتعين عمالة جديدة تحتاجها الدور أو غيرها من احتياجات الدور الأخرى، موضحه أن هذا الترخيص يعني أن الجمعية تصرف المبلغ المقرر لها من مديرية التضامن على أجزاء على مدار هذا العام.

وتابعت أن دور المسنين بحاجة إلى تكاتف المجتمع المدني وتقديم التبرعات لمساعدة الدور في توفير وتلبية احتياجات المسنين كافة، وتوفير مستوى رعاية أفضل لأبائنا وأمهاتنا من المسنين.

تطوير عشوائي

حسب إحصائيات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، يوجد بمصر 6.5 مليون مسن، منهم 3.5 مليون من الذكور وثلاثة ملايين أنثلا وذلك وفقًا لتقدير السكان في الأول من يناير 2019، وأشار أيضًا إلى أن أعداد المسنين المشتغلين بلغ نحو مليون وربع مسن.

والمسن هو كل من تجاوز عمره 60 سنة وفق ما حددته الأمم المتحدة.

ووقعت مصر في عام 2002 على خطة عمل مدريد التي اعتمدتها الجمعية العالمية الثانية للشيخوخة، والتي تلزم الدولة بوضع خطة لرعاية المسنين اجتماعيًا وصحيًا. وفي أبريل/ نيسان 2008 تم تدشين مشروع لتطوير رعاية كبار السن ومنها دور المسنين.

في نوفمبر/ تشرين الثاني 2017 أعلنت غادة والي، وزيرة التضامن الاجتماعي سابقًا، عن تخصيص 12.5 مليون جنيه لبرنامج تطوير دور المسنين.

ويهدف البرنامج إلى تطوير ورفع كفاءة البنية والتجهيزات الخاصة بدور الرعاية المسندة لوزارة التضامن الاجتماعي ودعم مهارات مقدمي الرعاية والقائمين على إدارتها والإشراف عليها، حتى تتمكن تلك المؤسسات من القيام بالدور المنوط بها على الوجه الأمثل وتوفير بيئة آمنة للمسنين بدار الرعاية.

ولكن رغم ذلك كله فما زال عشرات المسنين يدفعون ثمن الظروف الصعبة التي تمر بها دور رعايتهم؛ " كان نفسنا نعيش في مكان كويس بس لما قرروا يطوروا الدار، قالولنا لازم نمشي ونسيبها، معنديش مكان تاني أروحه، هنام في الشارع" يسرد عم رضا، ذو السبعين عامًا، ما حدث العام الماضى 2019 بعد اصدار قرار بهدم مجمع دور المسنين الثلاثة تنفيذًا لبرنامج وزارة التضامن الاجتماعي لتطوير دور المسنين، دون وضع خطة واضحة لوضع المسنين المقيمين داخل الدور الثلاثة، أو توفير مكان إقامة بديل.

آثار المبنى الذي هدم ضمن خطة التطوير - تصوير: هدى سمير

ويقول عم رضا "أنا جيت الدار من نفسي، عشان مبقاش تقيل على حد، وأعيش اللي باقي من عمري بكرامة، وأموت بكرامة، لما جه قرار الهدم، رفضت الخروج من الدار" وتقدم باستغاثة للمسؤولين لوقف القرار، وبعد مناشدات عدة تواصلت إدارة الدور مع مديرية التضامن الاجتماعي بمحافظة البحيرة، وتم الاتفاق على تنفيذ قرار الإزالة بمبنى واحد فقط.

وأشارت ماجدة عبد المنعم، أن مديرية التضامن استجابت لاستغاثة المسنين، وتم إزالة مبنى واحد فقط تمهيدًا للبدء في تنفيذ خطة التطوير وبناء مبنى مكون من أربعة طوابق على مساحة أكبر بعد اقتطاع جزء من حديقة الدور، وتابعت أنه "تم رصد مبلغ 20 مليون جنيهًا لإعادة بناء المبنى وتجهيزه بالكامل وفقًا لإطار زمني مدته عامين، ووفقًا لمواصفات ومعايير الجودة التي حددتها وزارة التضامن الاجتماعي".


* جميع أسماء المسنين نزلاء الدار مستعارة حفاظًا على خصوصيتهم.