تصميم: يوسف أيمن- المنصة

طارق البشري: القيمة التي اختلف عليها المصريون

منشور الأربعاء 3 مارس 2021

ولد المستشار طارق البشري في 1 نوفمبر/ تشرين الثاني 1933 في القاهرة، وكان والده المستشار عبد الفتاح البشري رئيسًا لمحكمة الاستئناف حتى تقاعد عام 1951، وعمه عبد العزيز البشري كان أديبًا لامعًا ومشهورًا بحبه للفكاهة، وجده لأبيه الشيخ سليم البشري شيخ المالكية في مصر، وأصبح شيخًا للأزهر. تخرج البشري في كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1953 ومعروف عنه أنه كان طالبًا ناشطًا سياسيًا وكان علماني التفكير يميل إلى اليسار.

عمل البشري في مجلس الدولة من بدء حياته العملية حتى وصل إلى منصب النائب الأول لرئيس مجلس الدولة ورئيس الفتوى والتشريع بالمجلس، وتقاعد عام 1998، واستمر حاملًا لواء العلمانية واليسار في محاضراته ومقالاته وكتبه إلى أن بدء التحول إلى الفكر الإسلامي بعد هزيمة 1967 تدريجيًا حتى أصبح من أهم المفكرين الإسلاميين في مصر.

في المرحلة العلمانية نشر البشري عددًا من الكتب الهامة، وراعى في كتابته الأصول العلمية لكتابة التاريخ وأيضًا أبدى وجهة نظره في الأحداث. ومن أهم كتبه في هذه المرحلة كتاب الحركة السياسية في مصر 1945 – 1952، ورصد هذا الكتاب بدقة شديدة مواقف كل التيارات السياسية المصرية وحلل تاريخ كل تيار وتحدث بدقة عن زعماء التيارات المختلفة، وفي الطبعة الأولى من الكتاب كان واضحًا إعجابه وتقديره لحزب الوفد وخاصة جناحه اليساري المسمى بالطليعة الوفدية، وكذلك بحزب مصر الفتاة بقيادة أحمد حسين. وواضح أنه انتقد الإخوان المسلمين ووضّح أسبابه.

وبعد أن تغيرت أفكار المستشار البشري وتحول إلى التيار الإسلامي حدث تغيير جذري في موقفه، وأعاد نشر الكتاب كما هو، ولكنه كتب مقدمة طويلة حوالي 70 صفحة شرح فيها لماذا غير موقفه من الإخوان المسلمين ومصر الفتاة، وشرح بالتفصيل وجهة نظره الجديدة، ولكنه ترك الكتاب الأصلي كما هو، وهذه نقطة إيجابية تدل على الأمانة العلمية كمؤرخ. وبغض النظر عن التغيرات التي حدثت في آراء وأفكار المستشار البشري فإن هذا الكتاب يعتبر مرجعًا هامًا لهذه الحقبة الهامة من تاريخ مصر الحديث ويرصد الكثير من الأحداث بأمانة وحياد.

في كتابه سعد زغلول يفاوض الاستعمار سلط البشري الضوء على تاريخ مصر في الفترة السابقة لثورة 1919 وماحدث أثناء الثورة. وشدد على أن دراسة سعد زغلول للقانون ساعدته في اتخاذ مواقف واضحة أمام مناورات الإنجليز. ورجع البشري إلى كثير من الوثائق البريطانية بعضها منشور والبعض الآخر لم ينشر وأوضح أن سعد زغلول كان زعيمًا فذًا استطاع أن يقف بقوة أمام دهاء الإنجليز وأمام الكثير من المصريين الذين كانوا مستعدين لتقديم تنازلات في المفاوضات معهم، وفي هذا الكتاب كانت أفكاره الليبرالية المدنية واضحة.

 

من مظاهرات ثورة 1919. الصورة: أرشيف مكتبة الإسكندرية

وكان كتابه شخصيات تاريخية دراسة متميزة عن أربع شخصيات لعبت دورًا هامًا في تاريخ مصر الحديث وهم سعد زغلول وعبد الرحمن الرافعي ومصطفى النحاس وأحمد حسين. وقد كتب المؤرخون كثيرًا عن زغلول والنحاس ولكن الدراسات كانت قليلة عن عبد الرحمن الرافعي المؤرخ الكبير وعضو الحزب الوطني النشيط، وألقى البشري الضوء على تاريخه ودوره وكتاباته التاريخية وأهميتها، ودوره في الحزب الوطني الذي مثّل دائرته في البرلمان بعد أن فاز على مرشح الوفد، وهو أمر كان نادرًا في هذه الانتخابات.

أما أحمد حسين فدراسة البشري عنه شديدة الأهمية لأن شخصية أحمد حسين ودوره السياسي والوطني عليها علامات استفهام وغموض كبير واختلاف في وجهات النظر بين زعيم فاشي عنصري إلى زعيم متطرف في وطنيته لأن أفكاره تغيرت، وكذلك حزب مصر الفتاة من حزب فاشي إلى اشتراكي، ثم إلى صبغة إسلامية وهو أمر مثير للحيرة، ولكن البشري أبدى وجهة نظره بأسانيد عن هذه التطورات الهامة.

تحول البشري من مفكر علماني يساري إلى مفكر إسلامي كان ظاهرة عامة، ولم يكن النموذج الوحيد للهجرة من القومية الاشتراكية إلى التيار الإسلامي، فهناك محمد عمارة، وعبد الوهاب المسيري، وعادل حسين، وفهمي هويدي كلهم ساروا في نفس الطريق.

استمر البشري على تواصل مع التيارات الناصرية واليساريين ومختلف القوى الوطنية، وتميز بمحاولة خلق أرضية مصرية مشتركة للتفاهم، وكان دمث الأخلاق هادئ الطبع بخلاف الحدة بين بعض مَن تحولوا إلى التيار الإسلامي وسائر التيارات.

مشروع بناء هوية جديدة postcolonial عبر البوابة الإسلامية هو استكمال وتغير في شكل الاستقلال الوطني للقومية والناصرية، وهي طريقة المفكر للهرب من الهوية الغربية أو التغريب بصفة عامة. التأثر بالماركسية في البداية ساعد على الالتحاق بالناصرية الاشتراكية التي اكتسحت المجال الفكري في النصف الأول من الستينيات، وعندما فشل المشروع الناصري بطريقة كارثية عام 1967 حدث التحول بالنظر إلى الشريعة على أنها الإطار الأصيل لبناء الهوية والأمة المصرية. قبلها كان البشري ينشر مقالات هامة في الستينيات يشرح فيها وجهة نظره اليسارية ذات الطابع الماركسي.

وبعد 67 تحدث البشري عن أن الخلل كان في غياب الديمقراطية وأن النظام الذي تم بناؤه في عهد عبد الناصر كان زائفًا إلى حد شديد، وبالرغم من أن النظام كان يملك بعض الخصائص التي تمثل رغبة الجماهير وتبني كثيرًا من المثل العليا ولكن حرب 1967 أظهرت أن حرمان المواطنين من الحرية السياسية والديمقراطية أدى إلى انهيار كامل للنظام.

                                مشاهد عقب هزيمة يونيو 1967 التي انتهت بانسحاب الجيش المصري من سيناء واحتلال كامل فلسطين

وفي الفترة من منتصف السبعينيات وإلى أوائل الثمانينيات اختفت المسحة المتأثرة بالماركسية وكذلك الأفكار القومية العلمانية، وبدأت تظهر أفكار سياسية ذات صبغة إسلامية تعكس فكره الجديد. وكتب أن التقاليد الديمقراطية المصرية ارتبطت بالثورات المصرية فعرابي ثم سعد زغلول قادا ثورتين تغلب عليهما الديمقراطية ورأي الجمهور ولكن الناصرية فقدت عنصرًا هامًا من أركان الثورة المصرية وهو الحرية والديمقراطية.

الفكر الإسلامي للبشري كان مرتبطًا بالوطنية المصرية وليس بالإسلام العالمي وهو في ذلك يختلف عن سيد قطب والكثير من المفكرين الإسلاميين المصريين. وأعلن البشري في مرحلة تحوله أنه لا شيء غير الإسلام حفظ عروبة المصري، وأن بناء هوية مصرية وعربية مستقلة مستحيل بدون الإسلام وبدون الابتعاد عن العلمانية التي هي أمر مستورد. وحاول التأكيد على أنه يمكن تطبيق الشريعة بعد عملية اجتهاد جديدة حتى تلتقي الحضارة الإسلامية مع الحداثة الغربية، وصمّم على مقوله أن المرونة جزء أصيل في الفقه، وقد تغيرت المادة الثانية في الدستور لتصبح الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع في هذه الفترة، وهو كان مؤيدًا لذلك ودافع عنه بشدة، وأكد على أهمية أن تكون الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع.

في عام 1994 أصدر البشري حكمًا يمنح مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر سلطة فرض الرقابة على الأفلام والموسيقى دون العودة إلى وزارة الثقافة، وهو حكم اعتبره المدنيون بكافة أطيافهم حكمًا جائرًا يضر بالفن والتقدم ويحجب الحرية التي نادى بها البشري. ودعا عام 2006 إلى إعلان العصيان على نظام مبارك القمعي.

وفي كتابه الدولة والكنيسة الصادر في 2011 تناول الإدارة الكنسية وسلطة الدولة والكنيسة والانعزال القبطي. ثم دخل في موضوع شديد الحساسة وهو الأقباط والشريعة الإسلامية، وكتب أن الشريعة الإسلامية ومبادئها ليست غريبة ولا بعيدة عن الأقباط وقد طبقت على المصريين جميعًا منذ دخل الإسلام مصر وأنها طُبقت على المصريين برغبتهم، ولما جاء نابليون وحاول أن يُدخل القوانين المدنية والجنائية إلى مصر، ولم يفلح. ويقول البشري أن لويس عوض استخلص أن المصريين رفضوا مبدأ فصل الدين عن الدولة وأن هذا موقف الأقباط ونصارى الشام. وقد أثار هذا الكتاب الأقباط المصريين وكثير من المفكرين الليبراليين واليساريين واعتبروا أن ما جاء في هذا الكتاب يتنافى مع حق المواطنة والمساواة بين كافة المصريين بغض النظر عن دينهم.

وأنا لا أتفق مع المستشار البشري في هذه الآراء لأنني أعتقد، ويؤيدني الكثير من المؤرخين، أن الشريعة الإسلامية طبقت بعد دخول العرب مصر بالقوة ودون موافقة أو رضا المصريين. وأن المادة الثانية من الدستور فيها مشكلتين الأولى أن الإنسان فقط يمكن أن يكون له دين إذا أراد، أما الحيوان والجماد والدول ليس لها دين لأنها لا تستطيع تطبيق العبادات وقواعدها ولا يمكن تطبيق قواعد المخالفين للشريعة عليها. ويقول البشري أن وضع هذا النص في دستور 1923 لم يُظهر سريعًا المعنى المستفاد منه صراحة لأن مصر لم تكن مكتملة السيادة. والحقيقة أن هذه المادة كانت مادة متأخرة في الدستور ولم تسبقها "ال" التعريف، وبذا كانت مختلفة تمامًا عن تعريفها ووضعها الحالي كالمادة الثانية من الدستور.

واعتبر البشري أن الضعف الذي حدث في النسيج المصري كان بسبب التفكك وعدم استقرار الهوية المصرية والهروب إلى الغرب فكريًا وثقافيًا. ويعتبر البشري أن المصريين أصيبوا بحالة من الازدواجية استمرت أكثر من قرن، وهو صراع بين القادم من الغرب وبين الأفكار القديمة ويعتقد أن هذه الأفكار القديمة هي الأكثر تأثيرًا على المصريين وبالذات في مظهرها الإسلامي. واعتبر أن الحداثة التي صاحبت التغريب قد قسمت المجتمع وأضعفت روح الانتماء. وأنا أعتقد أن المسحة الإسلامية في النظام الناصري الشمولي انتقلت بسهولة إلى نظام إسلامي شمولي أيضًا. وهذا يفسر التقارب بين الكثير من المفكرين الناصريين والمفكرين الإسلاميين.

 

وفي كتابه الحوار الإسلامي العلماني يطرح البشري فكرة أن مصر منذ محمد علي وما قبله كانت جزءًا لا يتجزأ من الخلافة الإسلامية، وأن الوطنية المصرية وهو أمر شديد الحداثة اخترعه المصريون العلمانيون متأثرين بالثقافة الغربية، وهذا أمر فيه خلاف كبير ولا أتفق على الإطلاق مع المستشار البشري فأنا لا أتصور أن يكون المصري القبطي أبعد عني من المسلم الباكستاني أو المسلم التركي.

المستشار البشري اشترك في التعليق على بعض القرارات الصادرة من الدولة المصرية مثل مشروع إقليم قناة السويس فيكتب "القانون بمواده الثلاثة يرفع السلطة المصرية عن الإقليم الذي هو ينتمي إلى مصر وهو في كل مواده يقرر تنازل الدولة عن جزء من أرض مصر، وهو يكاد يكون دعوة للعالم بأن بقية أرض مصر صارت مستبعدة من القوانين المصري، وليتقدم كل من يشاء ليمارس نشاطه التجاري حسبما يشاء، ويقول أن القانون لم يرسم حدوداً لهذا الإقليم وأن مجلس إدارة الهيئة يعينه رئيس الجمهورية بدون شريك".

وكان اختيار البشري رئيسًا للجنة التي قررت إقامة أول استفتاء بعد ثورة 25 يناير أمرًا مثيرًا للجدل. حدث انشقاق كبير بين المصريين فالتيارات الثورية والعلمانية واليسارية وجموع الأقباط كانت ترغب في تأجيل أي استفتاء أو انتخابات لإعطاء فرصة للتيارات المدنية لاسترداد أنفاسها وتنظم أمورها والتي اعتبرت أن الاستفتاء السريع هو إعطاء فرصة للتيار الإسلامي المنظم للانتصار وسحق القوى المدنية. بينما كان الإسلاميون يرغبون في استفتاء سريع وانتخابات عاجلة لأنهم كانوا مستعدين ويريدون أن يتولوا السلطة بأقصى سرعة.

في هذ الفترة تحول المستشار البشري من قاض ومؤرخ وباحث أكاديمي يهتم بأمره المتخصصون والمهتمون بالتاريخ إلى شخصية عامة معروفة للجميع، واعتبره الكثيرون من التيار المدني رمزًا وقائدًا للتيار الإسلامي، وبدأت عداوة واضحة تجاه أفكاره.

وفي النهاية المستشار البشري بين يدي الله الآن وأعتقد أنه كان مؤرخًا متميزًا وقاضيًا عادلًا يحكم بما يمليه عليه ضميره. وإن كنت أختلف تمامًا مع أفكاره الإسلامية؛ لكني أحترمه كشخصية مفكرة عاقلة ورصينة. وبالتأكيد هو تحول إلى التيار الإسلامي عن اقتناع وعقيدة بأن هذا هو الحق ولم يفعل ذلك ليحصل على أي مكاسب شخصية أو مادية.