صورة مزرعة الشركة الوطنية في توشكي على طريق أسوان - أبو سمبل. بإذن خاص للمنصة.

سور توشكى العظيم: ما أضافه الجيش لنمط الإنتاج الزراعي الكبير

على الطريق السريع الذي يصل بين مدينتي أسوان وأبو سمبل وبعد انقطاع العمران، يفاجئك سور هائل ينتصب في وسط الصحراء بطول 70 كيلومترًا وبارتفاع نحو مترين، حاجبًا الصحراء الشاسعة والخضرة المتناثرة بمشروع توشكى وما وراءها من صحراء مصر الشرقية مترامية الأطراف.

سائق يعمل في نقل الأفواج السياحية عبر هذا الطريق أخبر المنصة في شتاء 2019 أن هذا السور ظل محط حيرة الكثيرين من المسافرين، ومحط استياء أفواج السائحين الذين يسافرون في ظل سور أسمنتي طوال الطريق بدلًا من سياج النباتات الذي كان متآلفًا مع البيئة.

ظهر هذا السور للمرة الأولى عام 2017، وهي السنة نفسها التي باعت فيها شركة المملكة السعودية المملوكة للأمير الوليد بن طلال، 25 ألف فدان هي ما تبقى من أراضيها في مشروع توشكى إلى جهاز مشروعات الخدمة الوطنية للقوات المسلحة مقابل 1.25 مليون جنيه، بعد أيام من سحب شركة الراجحي عرضًا لشرائها بقيمة 17 مليون دولار (255 مليون جنيه).

قبل ذلك، كان هناك سياج نباتي أقامه مسؤولو مزرعة الأمير السعودي يمتد على طول الطريق إلى معبد رمسيس الكبير.

وحصلت شركة المملكة عام 1997 على 100 ألف فدان في إطار تعاقد أثار الكثير من الجدل بسبب ما وصف بأنه "تسهيلات غير مسبوقة" حصلت عليها الشركة السعودية التي اشترت الفدان بسعر 50 جنيهًا وهو سعر زهيد جدًا مقارنة بتكاليف الاستثمارات الضخمة في المشروع التي بلغت ستة مليارات جنيه. وفي عام 2012 تنازلت عن 75 ألف فدان تحت الضغط السياسي والقانوني إذ أقام المركز المصري للحقوق الاجتماعية والاقتصادية، دعوى قضائية لإبطال ذلك العقد.

إلى جانب هذه المساحة، فقد حصلت الشركة الوطنية أيضًا على نحو 35 ألف فدان من الـ 75 ألفًا الذين تنازل عنهم الوليد بن طلال في 2012 وعادت ملكيتهم إلى الدولة بموجب القرار الجمهوري رقم 450 لسنة 2018، لتصل المساحة الكلية لمزرعة الشركة الوطنية في توشكى إلى 60 ألف فدان، حسب بيان صحفي صدر عن الرئاسة في مارس/ آذار 2019، وتلك إجمالي المساحة التي أحاطتها الشركة الوطنية بالسور، لتضيف إلى نمط الإنتاج الزراعي الكبير الذي تنتهجه مصر ويستبعد مصالح ملايين الفلاحين والعاملين في الزراعة، السرية والغموض اللذين يحيطان بكل الأنشطة الاقتصادية التي تنخرط فيها القوات المسلحة.

صورة ضوئية من الجريدة الرسمية لقرار رئيس الجمهورية رقم 450 لسنة 2018. العدد 41، 11 أكتوبر 2018. 

تحولات كبيرة في توشكى

بعد بيان رئاسة الجمهورية الصحفي في مارس 2019، حدثت تغيرات كبيرة في هيكل الملكية بمنطقة مفيض توشكى ومحيطها.

في يوليو/ تموز من السنة نفسها، صدر القرار الرئاسي رقم 337 لسنة 2019 بسحب 163 ألف فدان من ثلاث شركات استصلاح كانت تستحوذ على أراضي مشروع توشكى مع هيئة مشروعات التعمير والتنمية الزراعية التابعة لوزارة الزراعة، وإعادتها لملكية الدولة، بواقع 17 ألف فدان من شركة جنوب الوادي من إجمالى 62 ألفًا كانت مخصصة لها، و83 ألفًا من شركة الراجحي الدولية من إجمالى مئة ألف حصلت عليها، و62 ألفًا من شركة الظاهرة للتنمية الزراعية من نحو مئة ألف فدان خصصت لها، لأنها "لم تلتزم" بالجدول الزمني لاستصلاح الأراضي وزراعتها وفقًا لما نقلته المال عن مصادر حكومية لم تسمّها.

قدمت شركتا الراجحي والظاهرة شكاوى لهيئتي الرقابة الإدارية والعامة للاستثمار، بالإضافة إلى المركز الوطني لاستخدامات أراضي الدولة، احتجاجًا على سحب أراضيها.

القرار الجمهوري نفسه تضمن كذلك في مادته الثالثة، تخصيص حوالي 274 ألف فدان في توشكى لجهاز مشروعات الخدمات العامة بالقوات المسلحة.

ولم تتوقف التغيرات الكبيرة التي يشهدها هيكل التخصيص والاستحواذ في توشكى هنا. في ديسمبر/ كانون الأول الماضي صدر قرار جمهوري جديد يحمل رقم 621 لسنة 2020، بإلغاء القرار السابق رقم 337 لسنة 2019، وتخصيص مساحة 930 ألف فدان لصالح جهاز مشروعات الخدمة الوطنية بجهة منخفض توشكى بمحافظتي أسوان والودي الجديد.

تقترب إذن المساحة النهائية التي استحوذ عليها جهاز مشروعات الخدمة الوطنية التابع للقوات المسلحة من مليون فدان في نطاق منخفض توشكى، وتظهر في الخريطة المرفقة بالقرار الجمهوري كقطعة ضخمة ومتصلة تبتلع أغلب أراضي المشروع وتمتد لتصل إلى منطقة العوينات.

صورة ضوئية من الجريدة الرسمية توضح خريطة قطعة الأرض المخصصة للقوات المسلحة من قرار رئيس جمهورية مصر العربية رقم 621 لسنة 2020. العدد 49، 3 ديسمبر 2020.

وبالإضافة إلى ذلك، خصص القرار نفسه في مادته الثانية حوالي 193 ألف فدان لصالح مشروعات الهيئة العامة لمشروعات التعمير والتنمية الزراعية. أي أن جهاز مشروعات الخدمة الوطنية أصبح المستحوذ الأكبر في نطاق مشروع ومنخفض توشكى كما هو واضح في الخريطة المرفقة بالقرار الجمهوري.

نموذج الإنتاج الكبير

الآن، اكتمل السور وانتصب شاهقًا يحيط بمزارع تمتد على مساحة 1750 كيلومترًا مربعًا، وبدأت وتيرة العمل والإنتاج تأخذ مجراها تحت سياج السرية المعتاد فيما يخص المشروعات الاقتصادية للجيش، مثل مشروعي الصوب الزراعية والمزراع السمكية وغيرهما.

وبينما ترجح بعض الدراسات أن الجيش يسعى من خلال هذه الأنشطة التي يلف الغموض تفاصيلها، إلى الهيمنة على مفاصل الاقتصاد المصري إذ تقدر استحواذ الجيش على 60% من حجمه، فإن قراءات أخرى تدفع بأن استراتيجية التوسع الاقتصادي للجيش تهدف إلى "تأمين حصص سوقية لا للهيمنة أو السيطرة على قطاعات اقتصادية"، وتقدر أن هذه الحصة تتراوح بين 5% إلى 10% من حجم الاقتصاد.

ويتولى جهاز مشروعات الخدمة الوطنية الذي تأسس عام 1979 في عهد الرئيس أنور السادات المشروعات الاقتصادية للجيش، وتتبعه أكثر من 30 شركة تعمل في مجالات اقتصادية متنوعة كالبترول وخدمات الأمن والصناعات الغذائية واستصلاح الأراضي وإنشاء الطرق والسياحة والاتصالات والحديد والصلب وغيرها.

وبغض النظر عن مدى هيمنة الجيش على الاقتصاد، فإنه فيما يخص الإنتاج الزراعي، يقدم نموذجًا لمشروعات تسعى من خلالها الشركة الوطنية الزراعية بشكل أساسي للتصدير إلى السوق العالمي ولكن عبر استحواذها على الأراضي واستغلال قوة عمل المجندين وفرض تنظيم عسكري لإدارة المزرعة، مما يؤمِّن لها موقعًا علويًا داخل البناء النيوليبرالي للسياسات الزراعية.

نرى أثر هذا النموذج الإنتاجي على السياسات الزراعة ولو بشكل مبدئي، حيث ان التحولات بدأت عام 2017، خلال زيارة الرئيس إلى توشكى في مارس عام 2019، حيث تفقَّد مشروعًا لإنتاج التمور على مساحة 40 ألف فدان بواقع مليوني ونصف المليون نخلة، وغرس بنفسه إحدى الفسائل، بينما كان المتحدث باسمه يؤكد حينها أن الهدف من هذه المزرعة هو "وضع مصر على الخريطة العالمية لإنتاج وتصدير التمور".

يمثل ذلك استمرارًا للسياسات التي تتجاهل واقع الإنتاج الزراعي الخاضع لسيطرة صغار المنتجين الزراعيين كما تستبعد تلك السياسات الملايين من الفلاحين والعاملين في الزراعة وتتجاهل أيضا تحقيق السيادة علي غذائنا الأساسي.

شغلت هذه الزيارة حينها حيزًا كبيرًا في الإعلام. ليس فقط عندما التقطت الكاميرات صور رئيس الجمهورية وهو يغرس الفسيلة، ولكن في التباري على إبراز ضخامة حجم المشروع، مرة في إعلان الرئاسة أن مزرعة توشكى تعتمد في الري على محطة رفع تضم سبع طلمبات تمدها كل ساعة بنحو 7000 متر مكعب من المياه من ترعة توشكى، ومرة ثانية في تصريحات مدير معمل النخيل في وزارة الصحة عز الدين جاد الله بأن جهاز مشروعات الخدمة الوطنية يزرع أربعة ملايين نخلة من ثمانية أنواع من النخيل تندرج ضمن أفخر أنواع التمور العربية والعالمية هي البرحي والمجدول والصقعي والشيشي والنميشي والخلاص والسكري والحويز، تم استيراد فسائلها من السعودية والإمارات العربية والولايات المتحدة الأمريكية.

يوضح هذا التوجه نحو التصدير وحجم المزرعة الكبير جدًا الالتزام بالتوجهات العامة للسياسات الزراعية في مصر، سواء بدعم نمط الإنتاج الكبير أو دعم الزراعة التصديرية. ويمثل ذلك استمرارًا للسياسات التي تتجاهل واقع الإنتاج الزراعي الخاضع لسيطرة صغار المنتجين الزراعيين كما تستبعد تلك السياسات الملايين من الفلاحين والعاملين في الزراعة ويتجاهل أيضا تحقيق السيادة علي غذائنا الأساسي.


اقرأ أيضًا: الفلاحون: الحلقة المفقودة في الحركات الغذائية الجديدة للطبقات الوسطى


وبينما تعتبر التنظيرات النيوليبرالية أن نمط الإنتاج الكبير والزراعة الرأسمالية هي "النموذج العالمي الرائد"، فإن تمادي التركيز على المزارع الكبرى تؤدي في النهاية إلى خروج آلاف الفلاحين من العملية الزراعية تحت ضغط سياسات تحتقرهم، ما يجعل من الضروري الحديث جديًا عن أنظمة بديلة تحقق مصالح الفلاحين وتكف عن تهميشهم.