تصميم: يوسف أيمن- المنصة

طاولة المقامر وشياطينه| السير على خطى أشباح كارامازوف في دروب "ستارايا روسا"

منشور الخميس 18 نوفمبر 2021

حين تسمع اسم هذه المدينة الصغيرة لأول مرة تظن للتو أنه يشير إلى روسيا القديمة، وربما تظل الفكرة معك زمنًا طويلًا أو ربما للأبد.

المدينة الصغيرة التي تقع في منتصف المسافة بين موسكو وسان بطرسبرج، وتبدو كأنها فتاة ولدت لأب من موسكو وأم من سان بطرسبرج، وربما شهد على العقد دوستويفسكي ذاته. مدينة جميلة بحق حتى في تناقضانها، شخصيتها فريدة تجمع بين بهاء بطرسبرج وروح المبادرة عند موسكو.

المؤرخ وعالم الآثار سيرجي توروبوف، الذي عكف على دراسة كل شبر في المدينة ويعرف أين يخبئ الشيطان ولده في ستارايا روسا، أخبرني خلال مقابلة شخصية، أن اسمها لا علاقة له بروسيا القديمة، وإنما تعني "روسا" ملح، أما وصفها بالقديمة فليس له علاقة بالتاريخ وإنما بالترتيب فقط، حيث ظهرت بعد ستارايا روسا مدن مجاورة تنتج الملح أيضًا، فكان من الضروري تمييز ملح تلك المدينة الرائدة، فأطلقت "قديم" عليه لتكون الترجمة الصحيحة لاسم المدينة ملح قديم وليس روسيا القديمة.

تعتبر المدينة منتجعًا صحيًا مميزًا في روسيا، لذا لم يكن من الغريب أن يقصدها صانع الماسات الأدبية الروسي العظيم فيودر دوستويفسكي سنة 1872، عندما أدرك أن مرضه الرئوي يتطور على نحو مقلق يستدعي التحرك الفوري للتعامل معه.

هل دوستويفسكي موجود؟

المتحف الذي يحمل اسم دوستويفسكي في ستارايا عبارة عن بيت ريفي جميل مكون من طابقين، هو الأول الذي امتلكه حيث عاش وأسرته من قبل في منازل مستأجرة.

ما أن تقترب من باب البيت أخضر اللون حتى تشعر على الفور كأنك أمام مقام أحد الأولياء الصالحين، بل تهم لخلع حذائك لكن صوت المرشدة التي تستقبلك عند المدخل يعود بك إلى الواقع على الفور، وتكتشف أن روحك اشتبكت مع روح المكان الصوفية وتاقت لأن تصير منه وتخلد نفسها بصلاة في رحابه.

وبين الحلم واليقظة وصوت المرشدة، يندفع سؤال إلى رأسك لا يمكنك مقاومته: هل فيودر دوستويفسكي بالبيت؟ تستقبل سؤالك ابتسامة عريضة ترتسم على وجه المرشدة التي ترد سريعًا باحترام شديد، وكأنها أدركت أن طلبك يحمل نوعًا من الجدية ورغبة صادقة تعرفها جيدًا من خبرتها الطويلة في التعامل مع زوار البيت الذي صار اليوم متحفًا: إنه في انتظارك. يشعر قلبك بفرحة ممزوجة برهبة كبيرة ونوع غريب من الخرس يلجم لسانك.

 

بيت ومتحف فيودر دوستويفسكي في ستارايا روسا- الصورة: أرشيف المترجم أحمد صلاح الدين

في رسالة إلى شقيقته فيرا ميخايلوفنا، كتب دوستويفسكي عن أهمية اختيار بيت ريفي مناسب لقضاء الصيف، وأنه انشغل وعائلته بذلك الأمر، وبفضل عون الأصدقاء والمعارف تمكن أخيرًا من تحديد المكان الأنسب للبيت:ستارايا روسا. وعدد دوستويفسكي لشقيقته المزايا الكثيرة في هذه المدينة الصغيرة، فهي تمنح ساكنيها الراحة والسكينة، كمان أن تكلفة المعيشة هناك غير مرتفعة، بل يمكن القول إنها رخيصة.

حين وصل دوستويفسكي إلى ستارايا روسا، كان عمر ابنته لوبا أقل من ثلاث سنوات، أما فيودر الابن فلم يكن أتم عامه الأول بعد. تأكد دوستويفسكي بمجرد وصوله أن المدينة هي الاختيار المثالي بالنسبة إليه، وكان لها أثر السحر على روحه بما فيها من حدائق بلونها الأخضر الزاهي وأزهارها اليانعة، فضلًا عن شعور الطمأنينة الذي بعثه وجود الكنائس حوله وكأنها تجمعت لأجل دعمه في تلك المرحلة الحساسة من حياته.

بيت للصلاة

في المدينة تمثال كبير الحجم لفيودر دوستويفسكي وهو جالس، يقصده الناس من أعمار مختلفة، من الروس ومن جنسيات أخرى، لكن يمكن استثناء الأجيال الصغيرة التي لازالت بعد في المرحلة ما قبل الثانوية لأنها تبدو بعيدة إلى حد ما عن تراثها.

يحكي سيرجي توروبوف أنه قابل ذات مرة سيدة عجوز تقف أمام تمثال دوستويفسكي وتتلو الصلوات. تعجب رجل الآثار من أمر المرأة، اقترب منها حين انتهت وهي في طريقها للانصراف، سألها عن سبب مجيئها ولماذا كانت تتلو الصلوات أمام تمثال دوستويفسكي. أجابته السيدة أنها تأتي إلى هنا كلما سمح لها وقتها لتصلي لأجل أخيها ولأجل دوستويفسكي. اندهش الرجل وسألها مجددًا: هل تحبين دوستويفسكي؟ فأردفت بأنها تأتي إلى هنا لأجل أخيها الذي كان عاشقًا لدوستويفسكي، تحب أن تخلد ذكراه بتلاوة الصلوات على روحه وعلى روح الرجل الذي كان يشعره بالسعادة، وقد حفزها الأخ الراحل كثيرًا لقراءة أعمال دوستويفسكي وكانت تفعل ذلك في السابق بهمة وشغف لكنها توقفت عن ذلك منذ فترة، خاصة مع ضعف النظر الذي أصابها بعد أن كبرت في السن.

في هذا البيت الخشبي الذي تشعر ما أن تطأه قدماك أنه كان يومًا مخصصًا للصلاة وإطعام المساكين، ربما بسبب أرواح طيبة تحوم حوله وتمنحه البركات، أو ربما لأن في هذا البيت عاش رجل خالد لا زال يجري حوارًا مع العالم حتى بعد أن غادره لآخر.

 

غرفة مكتب فيودر دوستويفسكي في ستارايا روسا من الداخل- الصورة: أرشيف المترجم أحمد صلاح الدين

في كل شبر من البيت مقتنيات أصلية لا تجرؤ على الاقتراب منها مهما وسوس لك شيطانك، لأنك حتى ولو اختلست لحظات تروي فيها شغفك ورغبتك في تسجيل لحظة تاريخية تعانق فيها رجلًا عظيمًا، فإن شعورًا بالعار سيكتنفك لأنك قد تحرم أجيالًا قادمة من التمتع بالتطلع للمقتنيات وهي في حالة جيدة.

هذه المقتنيات تظل شاهدًا على الميلاد والحياة والخلود. ترصد عيناك قبعة دوستويفسكي السوداء مقلوبة وعليها قفازه، ما أن تهم بلمسه حتى يأتيك صراخ المرشدة من خلفك، لتعيدك لرشدك على الفور وتقضي على أية رغبة شريرة تنتابك لتقصر من عمر ما يجب أن يبقى لأجيال ممتدة قادمة.

هنا ولدت رواية دوستويفسكي الشهيرة الإخوة كارامازوف. ولكن في الرواية غيَّر دوستويفسكي اسم ستارايا روسا لآخر بدا أنه لا يليق بها، وهو سكاتابريجونيفسك، بل ورسمها في صورة بلدة قذرة كئيبة، وهو ما سبب إحباطًا لغالبية أهل المدينة. لكن الجميع يعلم جيدًا أن دوستويفسكي وقع في غرام ستارايا روسا، غاص في تفاصيلها الصغيرة وأحب أهلها وطبائعهم وتأثر في وصفه لمشاهد عديدة في أدبه بطبيعتها، وراقت له الحياة على ضفاف نهرها، لكن اللوحات الأدبية التي يرسمها لها متطلبات أخرى تمنعه من نفاق أهل المدينة على حساب إبداعه.

بمجرد وصوله إلى ستارايا روسا مع زوجته آنا جريجوريفنا وأطفاله تعرف دوستويفسكي على الراهب إيفان أيفانوفيتش روميانتسيف. توطدت أواصر الصداقة بين الرجلين من اللقاء الأول، وامتدت أيضًا الصداقة لتشمل الزوجتين آنا ويكاتيرينا كما تؤكد آنا جريجوريفنا في مذكراتها.

الراهب روميانتسيف هو صاحب البيت الريفي الذي استأجره دوستويفسكي عند أول زيارة إلى ستارايا روسا، وكان في استقباله عند باب البيت لدى وصوله، وشعرت الأسرة بالارتياح عند لقاء عائلته، لكن بيت ذلك الصديق تعرض للتدمير الكامل أثناء الحرب العالمية الثانية عام 1941. لكن وصفًا لبيت روميانتسيف احتوت عليه رواية دوستويفسكي الإخوة كارامازوف، حيث صارت الواجهة الخارجية له هي واجهة بيت بطل الرواية نفسه فيودر بافلوفيتش كارامازوف.

شعر دوستويفسكي بالراحة في ستاريا روسا بل يمكن القول بأنه استمتع بوقته في تلك المدينة الساحرة، وكذلك الحال بالنسبة لباقي أفراد العائلة، بل أنهم لم يمكثوا هنا خلال الصيف فقط بل قرروا بعد عامين تاليين قضاء الشتاء أيضًا فيها. ولهذا استأجروا بيتًا جديدًا على مقربة من وسط المدينة. وفي البيت الذي اشتراه دوستويفسكي للمرة الأولى في حياته بعد عمر طويل قضاه في التنقل بين أماكن للسكن كلها كانت مستأجرة، عاش الزوجان مع أطفالهم الثلاثة حيث ولد طفل جديد لدوستويفسكي في العاشر من أغسطس/آب عام 1875.

 

لقطات من مدينة ستارايا روسا اليوم- الصورة: أرشيف المترجم أحمد صلاح الدين

لا شك أن دوستويفسكي يعشق روسيا من كل قلبه، لكن ذلك العشق لا يقتصر فقط على مدنها الكبيرة موسكو وسان بطرسبرج، إنما عشقه الحقيقي في المدن الإقليمية، أو ربما الضواحي، مثل مدينة ستاريا روسا الصغيرة، التي كانت بالنسبة له مصدر إلهام كبير. ولا عجب أن روايته التي عمل عليها هناك: الإخوة كارامازوف، هي بمثابة تأمل فني عميق لماضي وحاضر بل ومصير روسيا. وقد أنجز هذا المشروع الفني على خلفية واقع يعرفه جيدًا في تلك المدينة الإقليمية الصغيرة. وبعد أن غادر دوستويفسكي عالمنا، لم تتوقف آنا جريجوريفنا عن الذهاب إلى ستاريا روسا، في محاولة منها للحفاظ على ذكرياتهم العزيزة في تلك المدينة الساحرة. كانت المرة الأخيرة التي عاشت فيها زوجة دوستويفسكي في ستارايا روسا في عام 1914. تجاوز هذا البيت أحداثًا كبيرة مثل الثورة والحروب وظل صامدًا حتى يومنا هذا.

شارع تملؤه القصص

بينما يتطلع فيودر دوستويفسكي من شرفة بيته المطلة على شارع اليانسكايا، ذكّره اسم الشارع بحادث مر عليه في حياته أزعجه بشدة، كان بطله شخصًا يدعى الينسكي، وهو من النبلاء، لكنه تعرض للسجن مع الأشغال الشاقة، بسبب قتل أبيه البالغ من العمر 60 سنة، كان الأب شخصًا مستهترًا غرق في لعب الورق ولم يستطع التحكم في نفسه فما كان منه إلا أن فتح باب الاستدانة بلا حدود، رغم تأكيد الابن أيضًا أن الأب كان ثريًا.

في الأخير تعرض الأب للقتل واتهم الابن بأنه من فعلها ليوضع في غياهب السجن، لكن دوستويفسكي كان يعلم يقينًا أن الينسكي بريء من تهمة قتل أبيه وأنه قضى عبثًا عشر سنوات وراء القضبان، وألهمته هذه الدراما الواقعية حين كان يخطط لكتابة رائعته الإخوة كارامازوف. الأمر مختلف قليلًا في الرواية، حيث إن فيها ثلاثة أشقاء إضافة للأب. الابن الأكبر له حبيبة يحبها، لكن أخوه الثاني كان يعشقها سرًا، بيد أن قلبها كان مشغولًا بالأخ الأكبر. تشاجر الابن الأكبر العاشق للهو وخسارة المال مع أبيه، ثم اختفى الأب بعد ذلك، ليدور الحديث عن الميراث، وفي تلك الأثناء عثرت السلطات على جثة الأب، واتجهت أصابع الاتهام إلى الابن فحصل على حكم بالسجن مع الأشغال الشاقة.

تجري أحداث الرواية في مدينة سكاتوبرجونيفسك التي تبدو نموذجًا لروسيا قبيل نهاية القرن التاسع عشر. كما تعد أسرة كارامازوف انعكاسًا لطبيعة الأسرة الروسية في تلك الحقبة الزمنية أيضًا، بخيرها وشرها، ميزاتها ونواقصها، فضلًا عن ما خفي من طبائع البشر التي كانوا يفضلون أن تظل مستورة بعيدًا عن أعين الغرباء.

وتتحرك الرواية زمنيًا في الفترة التي ولدت فيها الطبقة البورجوازية، التي كانت بمثابة إضافة جديدة على التشكيل الطبقي الروسي، كان ذلك في سبعينيات القرن التاسع عشر، عالم يحكمه المال وكل الوسائل التي تمكن من الحصول عليه مباحة بمنطق ماكيافيللي "الغاية تبرر الوسيلة".

الشخصية التي تعرف قيمة المال في الرواية هي بطلتها سفتيلوفا جروشينكا التي رسمها دوستويفسكي على شاكلة شخصية واقعية هي أجريبينا ايفانوفنا مينشوفا، ربما تشابهت الشخصيتان في الشكل والمصير المأساوي لقصة الحب الرومانسية، كانت أجريبينا صديقة لزوجة دوستويفسكي ووفق شهادات الناس في ذلك الوقت، كانت السيدة ذات جمال أخاذ. وقعت الفتاة في غرام نقيب في كتيبة مشاة وعقدت آمالًا عظيمة على نهاية سعيدة لذلك الغرام الساحر بزواج يتوج أحلامها في بيت سعيد، وإذا بالواقع يوجه ضربة مهلكة للقصة الرومانسية، حيث اشتعلت الحرب مع تركيا في القرم، فتأتي الأوامر للكتيبة، أو هكذا كان ادعاء الشاب، بالتحرك من ستارايا روسا، لتكون تلك بداية انهيار كل وسيلة اتصال بينهما.

 

لوحة تشكيلية مستوحاة من رواية الإخوة كارامازوف - نيكالاي كارازين 1893

لجأت الفتاة المسكينة إلى آنا جريجوريفنا كي تساعدها في معرفة حقيقة وضع الشاب الذي وقعت في غرامه ومصير علاقتها معه. وبعد محاولات عدة، توصلت جريجوريفنا للحقيقة، حيث اكتشفت أن الشاب بخير حال وأنه ليس على الجبهة ولا يشارك في القتال، لتعرف أجريبينا أن قصتها وصلت لنهايتها. وهكذا حول الكاتب البارع القصة الأصلية إلى جزء من نسيج حبكة روايته الإخوة كارامازوف، التي صارت مأساة بكل ما تحمل الكلمة من معنى. تزوجت مينشوفا بعد عدة سنوات لكنها ترملت مبكرًا لتنفرد بها أحزانها فتقضي عليها.

إن اسم سكاتابريجونيفسك على أية حال مناسب جدًا لأحداث الرواية، وقد استلهم الروائي الروسي الاسم من الواقع، حيث تعتبر ستارايا روسا معبرًا لقطعان الماشية التي يتأهب أصحابها لبيعها في السوق، إنها مدينة الخطيئة التي يحكمها الشر والمال وتجوب شوارعها الأرواح المشوهة والأخلاق الوضيعة التي تحكم العلاقات بين الناس.

في أحد الميادين في مدينة ستارايا روسا كانت أعمال التجارة في السابق تجري على قدم وساق، في ميدانها الرئيس كان كل شيء يباع ويشترى، وقد صار الميدان مسرحًا للعديد من المشاهد في الرواية، جرى أحد المشاهد تحديدًا في شارع ستاراجاستينايا.

في مبنى من المباني التي تطل على الميدان، هناك محل من محلات البقالة التي أحب دوستويفسكي التردد عليها من وقت لآخر وشراء ما يلزم، استخدم دوستويفسكي في روايته ذات الأشياء المفضلة لديه، التي كان يحب أن يشتريها من المحل، بل إنه حافظ على اسم عائلة صاحب المحل كما كان في الواقع: بلوتنيكاف. توفر في المحل كل ما يمكن أن تجده في محل مشابه في العاصمة موسكو، أجود أنواع النبيذ، الشاي، السيجار، الشوكولاتة، وكافة أنواع الحلوى. في الرواية أيضًا، كان ديميتري كارامازوف يتردد على المحل لأجل شراء الهدايا لجروشينكا قبل أن يذهب لزيارتها.

لو تطلعت إلى السوق الذي يحتل الميدان من أي من النوافذ المطلة عليه، ستسرق عينيك على الفور تلك الحانة التي أطلق عليها دوستويفسكي في روايته اسم حانة "العاصمة"، أما المصادر التاريخية فتذكر لها اسمين "أرميتاج" و"بيلجراد". في هذا المكان، يسرق الراغبون في الهروب من أحزانهم لحظات كفيلة بمواساتهم ومنحهم بعض مبرر لمواصلة الحياة. وفي الرواية، تعد حانة "العاصمة" مكان الغرق في السكر والغياب عن الواقع بالنسبة لديميتري كارامازوف، بينما هي مكان للتفلسف بالنسبة لإيفان كارامازوف.

في تلك الحانة، كتب ميتيا خطابًا ليكاتيرينا، وهو الخطاب الذي سيعد بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير بالنسبة له لاتهامه بارتكاب جريمة قتل في حق أبيه. وقد وصف دوستويفسكي بيت يكاتيرينا ايفانوفنا في الرواية بأنه "بيت ضخم يطل على شارع كبير"، ويقول أهل المدينة إن الشارع الكبير الذي يقصده دوستويفسكي هو أحد شوارع ستاريا روسا وهو شارع ديميترييفسكايا. تغير اسم الشارع بعد الثورة إلى شارع كراسنيخ كامانديروف.

وبالعودة مجددًأ لحانة "العاصمة"، فقد شهدت في الرواية حدثًا أليمًا انتهى بموت صبي بائس، وهو ابن الملازم سنيجريوف، بدأ الشجار بين ديميتري والملازم بمجرد أن نما إلى علم الأول أن الملازم يراقبه ويجمع عنه الملعلومات، فما كان منه سوى أن أمسكه من تلابيبه وسحبه إلى الميدان، وفي تلك اللحظات حل ميعاد انصراف التلاميذ من المدرسة القريبة ومن بينهم ابن الملازم الصغير الذي اندفع يتوسل إلى ديميتري أن يترك والده وشأنه لكن توسلات الفتى التي وصلت لتقبيل يد ديميتري ذهبت أدرج الرياح، حيث دفعه ديميتري بعيدًا، لكن المشهد سينتهي على نحو مأساوي بعد سخرية الفتيان منه ليلقى الفتى البريء اليوشتشكا سنيجريوف حتفه. وهنا تتطابق الرواية مع الواقع حيث كان هناك مدرسة في ذات المكان في ستارايا روسا. وكان مشهد دفن الفتى الصغير من أكثر مشاهد الرواية تأثيرًا.

 

لقطات من مدينة ستارايا روسا اليوم- الصورة: أرشيف المترجم أحمد صلاح الدين

أما نهر باروسيا في ستارايا روسا فيطلق عليه الناس هنا اسمًا على سبيل التدليل وهو مالاشكو، لكن دوستويفسكي رسمه في الرواية كمستنقع قذر تفوح منه رائحة العفن. شهد هذا المكان الوضيع في رواية دوستويفسكي حدثًا مريعًا، ففي وقت متأخر من ليلة دافئة من ليالي شهر سبتمبر/ أيلول، تحت ضوء قمر مكتمل، وتحديدًا على شاطيء النهر، مر مجموعة من شباب المدينة بعد سهرة قضوها في الملهي، لتلتقط أنظارهم فجأة ليزافيتا نائمة في بين الشجيرات. تلك الفتاة التي لم تتجاوز العشرين عامًا كانت تعاني من مرض نفسي، أو بمعنى أدق مصابة باختلال عقلي، كما وصفها دوستويفسكي.

كانت ليزافيتا تجوب الشوارع صيفًا وشتاءً في قميص فقير حافية القدمين، رغم أن نساء البلدة لم يبخلن عليها بملابس جميلة تسترها في فصل الشتاء، وحذاء يقيها البرد فضلًا عن منديل تغطي به رأسها. ترتدي كل هذا أول الأمر ثم لا تلبث أن تنطلق نحو الكنيسة وتنزع عنها ملابسها كلها وتعود لارتداء القميص الفقير، لتحملها أقدام عارية مجددًا وتجوب الشوارع متسكعة تتحدى الطبيعة.

في تلك الليلة من سبتمبر، توقف جمع الشباب يتأمل الفتاة يتعجبون ويتندرون عليها، ونهاية طرحوا سؤالًا: هل من الممكن اعتبار هذا الحيوان البري امرأة؟ ظهر في تلك اللحظة فيودر كارامازوف (الأب المقتول في وقت لاحق من الرواية)، الذي رد عليهم بأن اعتبارها امرأة أمر ممكن، ممكن جدًا، لكن الشباب واصل التهكم والسخرية والقهقهة حتى اكتفوا. غادر الجميع وذكر فيودربعد ذلك أنه غادر معهم. قد تكون تلك الحقيقة وربما لا، لكن ما أثار العجب والرعب في ذات الوقت أن المدينة استيقظت في أحد الايام لترى الفتاة البائسة المتأخرة عقليًا تحمل طفلًا في أحشائها بعد مرور خمسة أو ستة أشهر على ذلك الحادث. اتجهت كل أصابع الاتهام إلى فيودر كارامازوف على أنه هو أب ذلك الطفل. والمثير للعجب حقًا، أن القدر أو ربما الصدفة ساقت الفتاة لولادة طفلها في بيت عائلة كارامازوف. بقي طفل كارامازوف غير الشرعي معه، وأطلق عليه اسم بافيل فيودوروفيتش، أما اسم العائلة فقد منحوه اسم عائلة أمه سميرديكوف.

زمن القتل

مهما يمر الزمان أو تصدر روايات عديدة في لغات مختلفة ويحصل أصحابها على أرقى الجوائز العالمية في الأدب، تظل روايات فيودر دوستويفسكي علامات بارزة في الأدب العالمي، تقرأها مرات ومرات ولا تمل منها، بل وتكتشف من سحرها ما يجعلك تشعر كأنك تقرأها للمرة الأولى.

بطل رواية فيودور دوستويفسكي الأخيرة لم يستطع إثبات براءته من الاتهام الموجه إليه ومن ثم عجز عن تجنب العقاب، وتعرض للإدانة بعد التحقيقات التي أجرتها النيابة ورأي هيئة المحلفين. ومع قراءة الرواية مجددًا تأخذنا المحاكمة إلى ما هو أبعد من حدود الرواية، نحو عوالم خفية وأسرار يبدو أنها لعبت دورًا حاسمًا في مصير ديميتري كارامازوف وغيره، أو كما ترى الباحثة والصحفية ناستيا بيرشكينا أن هذا الجزء تحديدًا يتعدى حدود المدينة الصغير ستارايا روسا إلى ما هو أكبر، وربما يشير إلى عصر بأكمله بكل ما فيه، ويطرح سؤالًا غاية في الأهمية عن فكرة العدالة ومدى قدرة القانون ورجاله على تحقيقها في روسيا التي يرسمها دوستويفسكي على صفحات روايته الإخوة كارامازوف.

تلفت بيرشكينا الانتباه إلى تعمد دوستويفسكي منذ بداية الرواية عدم ذكر تاريخ محدد للأحداث، وأنه لم يرد أي ذكر لسنة محددة أو وقت بعينه. وقد تحدث الراوي عن أن الأحداث جرت منذ ثلاثة عشر عامًا. في الرواية، كما تؤكد ناستيا، هناك إشارة إلى النظام القضائي الروسي والإصلاحات التي شهدها في عام 1864، التي تضمنت مرافعات الدفاع والنيابة، وهيئة المحلفين، والسماح للجمهور بحضور المحاكمة.

 

غرفة نوم لعائلة دوستويفسكي موجودة بالمتحف- الصورة: أرشيف المترجم أحمد صلاح الدين

فضلًا عن هذا، تضمنت الإجراءات تدخل المحقق القضائي المستقل الذي يتولى جمع الأدلة والقرائن التي تستهدف الوصول للحكم القضائي الأعدل، كما تؤكد ناستيا. وقد ثار جدل واسع حوال القضاء الكنسي وعما إذا كانت الكنيسة ستظل مسيطرة على القضاء بشكل كامل أم أن الحكومة سيكون لها دور في هذا الشأن. وفي الأعداد الأخيرة من مجلة ايبوخا في عام 1864، التي كان يصدرها فيودر دوستويفسكي نفسه، كان من المفروض أن تتضمن ردًا للمحامي أسيب فيليبوف في إطار ذلك النقاش، لكن الرقابة رفضت السماح بنشره بسبب ما احتوى عليه من انتقادات حادة للنظام القضائي.

في الرواية كتب إيفان كارامازوف مقالًا عن الإصلاح القضائي، وبناء عليه ترى ناستيا أن أحداث رواية الإخوة كارامازوف وقعت في عام 1866، ودليلها أن الراوي ذكر أن إيفان كتب هذا المقال بعد أن أنهى دراسته الجامعية، وعطلته الأخبار غير المتوقعة عن تنفيذ خطته باستغلال الميراث والسفر إلى خارج البلاد. بمجرد وصوله إلى سن الرشد، صار من حقه الحصول على ميراثه، وفي روسيا القرن التاسع عشر سن الرشد كان 21 عامًا. وهذا يعني أن إيفان أتم 23 عامًا في سنة 1866. وهو بالضرورة يعني أن أحداث الرواية جرت في العام ذاته. وهو ما يؤكد صحة قول الراوي في البداية عندما أشار الى ان الاحداث جرت قبل 13 سنة مضت. إذ بدأ دوستويفسكي نشر فصول الرواية في إحدى الجرائد عام 1879. الملاحظة المثيرة للاهتمام حقًا هي أن كل أعمال دوستويفسكي التي تنطوي على جرائم لها علاقة ما بستينيات القرن التاسع عشر.

صحيح أن الإخوة كارامازوف رواية عن جريمة قتل، لكنني لا أعرف هل يصح أن أنهي الرحلة التي أخذني إليها هذا البيت وروايته الملهمة، بكلمة الجرائم، ربما، توحي البيوت التي تملك هذه الهالة من السكينة بأنها صالحة أيضًا لأن تكون مسرحًا للأحداث المهولة.


للعودة إلى الصفحة الرئيسية للملف.