لوحتان من مجموعة "وجوه عديدة للحزن". رسم: آلاء حسانين

الاكتئاب الدوري: أو الانكفاء داخل بطن الحوت

قد تكون أول نوبة اكتئاب حادة أتذكرها تلك التي داهمتني وأنا في السابعة عشرة. قبلها لا أتذكر الكثير عن حياتي، أما بعدها، فتوالت نوبات الاكتئاب الحادة والشرسة والمتكررة، التي كانت تستمر لأشهر طويلة، قبل أن تنقشع من تلقاء نفسها.

لم أفهم في البداية ما أمر به، كما كان لصغر سني، مع عدم تفهم المحيطين بي واحتقارهم فكرة الذهاب إلى طبيب نفسي، دورًا في تفاقم الأمور.

ما فعلته وقتها هو أني انعزلت على نفسي أكثر، نمت لأشهر طويلة، نسيت نفسي كُليًّا، وكانت أطباق الطعام تتعفن حول سريري، قبل أن يبدأ والداي برفعهم من حولي بعد أيام، مع جمل كثيرة من اللوم والاستجداء بأن أنهض وأتغير.

حاولت بادئ الأمر شرح ما أمر به، لكن كان ذلك يقابل بالاتهام بالدلع، أو محاولة لفت الأنظار، رغم أنه كان من الواضح أني أحتاج إلى المساعدة، خاصة بعد محاولة انتحار، ثم البدء في أسلوب "جرح النفس" كلما تفاقم الألم، غير أن ذلك كان يقابل من المحيطين أيضًا باللوم، أو بالاستخفاف التام والقول بأنها "حركات مراهقات".

العزم على النجاة

بعد أن أنهيت المدرسة، عزلت نفسي مدة عام ونصف في غرفة ملحقة بـ "روف" المنزل، لم أكن وقتها أرغب في التعامل مع العالم الخارجي بأي شكل، لم أذهب إلى الجامعة، ووجدت نفسي فجأة في مواجهة وحوش كثيرة، وكان لا بد أن أتعامل معها.

كان والداي يحاولان رعايتي، وإقناعي بالخروج للعالم، والذهاب إلى الجامعة، لكن لم يكن هذا العالم الذي أريد الانخراط فيه، فبعد نشأة طويلة في السعودية، في مجتمع ديني، أردت أن أعود إلى مصر؛ أبحث عن جذوري، وأختار طريقي في الحياة، أتوه وأتشرد إذا لزم الأمر، أذهب بعيدًا في العالم، بدلًا من الإجبار على عيش حياة تقليدية ورتيبة، لكن لم يكن تحقيق ذلك واردًا.

أول شيء اعتقدته وعزمت عليه، إذا أردت بصدق أن أنجو، هو أن أغادر البيئة التي أمرضتني.

خلال الثلاث سنوات التالية، أدركت بالطرق الصعبة بأنه لن ينقذني أحد، لذلك بدأت بالعودة للحياة تدريجيًا، بدلًا من الجلوس هكذا دون فعل شيء، والبقاء فريسة للاكتئاب، والمزاج المتقلب. سألتُ نفسي: هل تريدين النجاة؟ لم أحصل على إجابة، لكن عرفتُ يقينًا بأني أردت أن يتوقف الألم.

لذلك خرجت للعالم، وبدأت أتعلم الحياة من جديد، فبعد عام ونصف من التوقف التام عن الكلام، والتعامل مع الناس، ذهبت للجامعة، وبدأت بدراسة الأدب الإنجليزي، لكن لم أكن أعيش أيامي، بل كنت أحاول النجاة منها، فمع خروجي للعالم، وجدت كل شيء في البداية قاسيًا، ومن الصعب التعامل معه، كما أنني كنت ما أزال أتقلب بين الحالات المزاجية المختلفة، وصعوبة التركيز، والبقاء في الحاضر، عوضًا عن الاستذكار ومحاولة النجاح بدرجات عالية.

كانت تمر عليّ أيام أشعر خلالها بأن شاحنة سريعة تدوس على روحي وتقوم بتفتيتها، وأن هناك أشواكًا كثيرة تتجمع في رئتيّ، وأيام أخرى كان الألم يتركز كله في الرأس، فأشعر بأن دماغي سائلة، وأنها ستسقط إذا حركتها يمنة أو يسرة، لتتدحرج بعيدًا. وأيام أخرى يتجمع الألم في عينيّ، فلا أقوى على فتحهما.

حاولت أولًا أن أعرف ما الذي يقوم بتهييج الألم فأتجنبه. كان الحديث مع والديّ في مرحلة ما قبل العشرين من عمري، أكثر شيء يمكنه أن يرج أي استقرار داخلي أملكه، لذلك عملت على تجنبه قدر المستطاع. ثم كان للحديث مع الناس وسماع تعليقاتهم حول غرابة شخصيتي وتفكيري، يُحدث الأثر نفسه، فتجنبت تكوين الأصدقاء.

في تلك الفترة تجنبت التفاعل مع الآخرين قدر الإمكان، إذ كان هدفي أن أحمي نفسي من الأذى. فقد كانت جروحي كلها منكشفة، والخارج كان شبيهًا بكتلٍ من الملح التي تنثر فوقها. لذلك عملت على تغليف روحي، فصرت أتحرك في العالم كأني داخل فقاعة، أو بالون، أو حتى رحم. أبصر العالم وأتجول فيه، لكن لا أسمح له بلمسي أو الاقتراب مني.

وكطريقة عملية لتنفيذ ذلك، غلفت نفسي بالموسيقى، حتى نسيت كيف يتحدث الناس، وقد عملت الموسيقى على عزلي كليًا، فحين كنت أضطر لإبعادها عن أذني، كان العالم ينهمر عليّ، ولا أقوى على حمله، فأدفن تحته.


احتجت أيضًا إلى التواصل، وإلى الكلام مع الناس، لكن ذلك لم يكن متوفرًا في محيطي، لأني كنت عرضة لسوء الفهم. نجحت بإنشاء بعض الصداقات، في الجامعة، لكن كنت أشعر دائمًا بأنني مختلفة عنهم، وأنهم لا يفهمونني، حتى لو أحبوني. لذلك اتخذت من السوشيال ميديا ملجأً، وعلى مدار سنوات بعد ذلك، أنشأت صداقات مؤثرة وعميقة في حياتي، وصرت أشعر بأني مفهومة، وأن أسئلتي مجابة، وأن هناك من يسمعني، وأني أستطيع أن أجد أشباهًا لي في العالم، لا يحكمون عليّ، والأهم من ذلك، أستطيع أن أخوض معهم حديثًا مثمرًا.

الخروج التدريجي للنهار

بدأت عملية الشفاء تدريجيًا، عندما بدأت "أفهم" وأعمل على تغيير أفكاري، وإعادة برمجة عقلي، ولم يكن ذلك سهلًا، لكن النجاح في تغيير بعض الأفكار، عمل بالضرورة على تغيير بعض التصرفات، واتخاذ مسارات جديدة في الحياة.

أول شيء اعتقدته وعزمت عليه، إذا أردت بصدق أن أنجو، هو أن أغادر البيئة التي أمرضتني، ورغم أني تمنيت وحاولت ذلك في صباي، لكن لم أتمكن من تحقيقه إلا حينما عادت عائلتي إلى مصر، بعد سنوات من العيش في الخليج. فكان بدء حياة جديدة وإعادة وصل جذوري بالأرض، عاملًا مهمًا، كما أن الأمل توهج في داخلي عندما قطعت في البداية صلتي بالمدينة القديمة، والماضي القديم، والذاكرة القديمة. فمن هناك ابتدأ كل شيء سيّئ، وقد كنت في أمس الحاجة لترك كل شيء خلفي، والبدء من جديد، ولم أعرف أبدًا بأنني لن أتوقف عن القفز في الهواء ومحاولة البدء من جديد كلما احتدمت الأمور.

انتقلت للدراسة في أكاديمية الفنون، وبذلك صرت أقرب للفن، والسينما التي أحب، وعددت ذلك نقلة كبيرة باتجاه أحلامي، أو بالأخص أحلام الطفلة التي كنتها، فأذكر أني في بداية صباي، ومع اكتشافي للسينما الفرنسية، تحديدًا في تلك الفترة التي قضيتها منعزلة في مخزن المنزل، كنت أحلم بأن أعمل بالسينما، وأن أكتب أفلامًا تشبهني، وأن أصبح ممثلة. لكن كنت أفتح عينيّ حينها على نافذة الغرفة، ثم أتذكر بأني ما أزال أقبع في بلدة صغيرة في صحراء نجد، وأسأل نفسي: هل سأخرج من هنا أبدًا؟ وأصاب بالإحباط، ثم أعاود النوم من جديد.

بعد انتقالي إلى مصر وبدء دراستي للدراما في المعهد العالي للفنون المسرحية، تركت منزل عائلتي في التجمع الخامس، ثم انتقلت للعيش في الدقي، دعمتني وقتها عائلتي ماديًا وعاطفيًا، رغم محاولتهم إقناعي باستمرار السكن معهم، لكن كان لا بد من الانتقال بسبب المسافة الكبيرة بين منزل العائلة ومحل دراستي، أو هذا ما أقنعتهم به.

وقعت في غرام اتساخ أحذيتي البيضاء، وصرت أعتبرها دليلًا على التمرغ في الحياة، ومعاركتها.

لكن الحقيقة هي أني كنت أرغب بأن أجرب الحياة بعيدًا عن كل شيء أعرفه، أن أحقق حلمًا قديمًا بالتسكع، أن أعيد وصل جذوري بالأرض، بالقاهرة التي لا أعرفها، إذ رغبت بعيش حياة مختلفة كليًا عن حياتي في الخليج، والتجمع يشبه الخليج، بينما كنت متعطشة لكل ما هو مصري، فعوضًا عن التسكع في أحد مولات التجمع، كنت أفضل التمشية في شوارع الدقي أو الجلوس على قهوة في وسط البلد، وكان ذلك في البداية مبهجًا وغريبًا وممتعًا، ويملأ في روحي ثقوبًا كثيرة.. فعدت لمصر وأنا أردد ما كتبه مظفر النواب ذات يوم "جئتك من كل منافي العمر، أنام على نفسي من تعبي".

وقد كان، تركت نفسي للقاهرة لمدة ثلاث سنوات بعد ذلك، حاولت التخلص من كل شيء كان مشابهًا لتربيتي في الخليج، أول شيء وأصعبه، كان التوقف عن وضع المكياج، بعدما كنت لا أستطيع الخروج من المنزل بدون مكياج كامل، ثم، ترك شعري على طبيعته، بدون تمليسه، شعري المجعد والحر، وبعد ذلك ارتداء أبسط ملابس ممكنة، دون المبالاة بمسح حذائي كل يوم قبل النزول، بل وقعت في غرام اتساخ أحذيتي البيضاء، وصرت أعتبرها دليلًا على التمرغ في الحياة، ومعاركتها، وهذا ما تمنيته ورجوته في صغري.

لكن على الرغم من حماسي للحياة الجديدة، التي اخترتها، وأحببتها رغم قسوتها واختلافها عما رسمه لي والداي، فإني كنت سعيدة بها، لأنها اختياراتي، وحياتي التي حددت كل جزء فيها. وخلال انشغالي بصنع حياة في الخارج، كنت في صراع آخر مع حياتي في الداخل، إذ كان الاكتئاب يختفي لأشهر، فأشعر خلالها بأني أخرجت رأسي من تحت الماء، ثم أكون مبتهجة ومتحمسة وأبدأ باتخاذ قرارات جريئة في حياتي، وأحتفل كل يوم لأني " شُفيت" من الاكتئاب، فيبدأ الناس بسؤالي ما الذي فعلته لأصبح بصحة نفسية جيدة؟ فأقول: لا أعرف. الأيام الغائمة تجيء وتذهب.

لكن سرعان ما تحل الأيام الغائمة سريعًا، وأسابيع الإشراق التي أنعم بعدها تبدأ بالانحسار تدريجيًا، ووقتها أمتن لها، لأني خلالها أستطيع أن أقوم بكل ما أعجز عن القيام به في أشهر الاكتئاب: أغير بجرأة تخصصي في الجامعة، أحتفل، أنتقل من المنزل، أتورط في علاقات جميلة وسريعة. لكن سرعان ما أبدأ بالانكفاء على نفسي من جديد، ومحاولة إصلاح كل ما أتلفته شخصيتي المبتهجة.

من حسن حظي أن أيام الابتهاج والنشاط لا تستمر طويلًا، فعلى الأقل أستطيع التعامل مع الاكتئاب، بسبب تمرسي، كما أنه لا يسبب الكثير من الفوضى في الخارج.

لكن الأقسى من الاكتئاب ونقيضه، هي تلك الأيام التي تختلط فيها الحبال البيضاء والسوداء معًا، ويلتفون حول جسدي، فأصبح مكتئبة ومهتاجة في الآن ذاته، وأمتنع عن النوم لأيام، وأصبح كأني ثور هائج، تستيقظ عائلتي في الليل وتجدني أدور في الصالة بدون توقف. وخلال تلك الأيام يعمل عقلي بلا توقف، أذكر أني جلست مرة على جهازي المحمول أكتب لأربعين ساعة متتالية، لم أتحرك من مكاني، لم آكل أو أشرب، ولا أذكر حتى أني نهضت للذهاب إلى الحمام.

أنهيت وقتها مجموعتي القصصية حكايات السأم وبعدها تداعت كل أعضائي. كنت وقتها في الثانية والعشرين من العمر، ولأول مرة منذ بدأت معاناتي، وجدت نفسي أطلب النجدة؛ هاتفت أحد أصدقائي، قلت له بأني إذا لم أذهب إلى طبيب نفسي، فربما أموت الآن، عقلي وجسدي سينفجران من الداخل.

حملني صديقي إلى الطبيب، وبعد جلسة واحدة سألني خلالها عدة أسئلة، شخصني بالاضطراب ثنائي القطب (بايبولار)، وأعطاني أدوية كثيرة، مضادات اكتئاب ومضادات هوس ومضادات قلق وأدوية للصرع، ابتلعتها جميعًا، ثم استمررت عليها مدة أسبوعين حتى تحسنت، وبعدها شعرت أني لست بحاجة إلى الدواء بعد الآن، فتخلصت منه*.

وعلى مدار ثلاثة أعوام بعد ذلك، ظل نمط حياتي مشابهًا، أمشي بهدوء وروية على حبال ممدوة فوق حافة، وعندما يحين موعد سقوطي المعتاد، أهرع إلى طبيب جديد، وأستمر على الدواء لمدة قصيرة، ثم أنقطع عنه.

السير على حبل ممدود بين غيمتين

لوصف حياتي سأقول إنها حياة واهنة، حتى لو كانت تبدو على العكس من ذلك تمامًا. الناس تراني شخصًا قويًا، صلبًا، يعيش حياة ثرية، يفعل كل ما يريد فعله، ويتنقل بين حقول الفنون ببراعة وجرأة. لكنهم لا يرون ما يختبئ خلف كل ذلك، وأنني عشت حياتي الماضية، وربما سأعيش ما هو قادم، على طريقة شخص يسير على حبل ممدود في السماء، يحاول أن يتوازن طوال الوقت، لأن أقل إيماءة قد تجعله يهوي إلى أودية مظلمة، وأن خوفي المستمر يتمثل في أنني قد أسقط إلى هناك يومًا، وقد لا أعود.

أذهب إلى ما وراء الواقع، ومن هناك أحضر قصائد وجنيّات، لكنها رحلة شاقة، فالفن يجيء محاطًا بالنيران، التي تحرق وتلسع وتؤذي، وعلى الرغم من أن الفن باختلاف مجالاته هو ما ساعدني، بلا أي مبالغة، على البقاء حية، دون اللجوء للأدوية حتى الآن، فكل مرة مررت بنوبة من تلك النوبات التي ظننت أنه يستحيل أن أخرج منها، كان الفن يمسك بيدي ويدلني على مخرج الطوارئ، فما ساعدني على عبور نوبة الاكتئاب الأخيرة، هو أني كنت أنكفئ لأرسم لأكثر من 12 ساعة يوميًا، تشرق الشمس وتغيب وأنا ما زلت جالسة في مكاني. كما ساعدتني الكتابة أيضًا على مدار سنوات طويلة، على تهدئة روحي وفهم نفسي وإطفاء ما يشتغل في الداخل، أما الموسيقى فهي ما يساعدني على البقاء في العالم، فهي التي تصل بيني وبينه، وتجعله أخف وأقل حدة، فلا أحتمل العيش العادي، دون أن تكون هناك موسيقى تعمل في خلفية حياتي، وإلا فإن كل شيء سيكون مزعجًا ومبالغًا به وصعبًا.


الخوف من أن يسلبك الدواء شخصيتك

الخوف الأساسي الذي يجعلني أتجنب العلاج الدوائي رغم الألم، هو أن أصبح شخصًا آخر. وقد سمعت هذه العبارة من العديدين في مثل حالتي، وسمعت أيضًا ردود الأطباء عليها، وهو أن العلاج سيجعلك فقط أكثر تحكمًا وسيطرة، لكن هاجسًا آخر يلوح في رأسي دائمًا، وهو: هل أرغب بأن أتغير وأصبح مثل هؤلاء الناس في الخارج؟ ماذا لو أني لا أريد أن أتخلص من المصابيح الصفراء التي تومض في رأسي؟

هل أرغب حقًّا بالتخلص من الغزال الذي يحدق في وجهي كل يوم عندما أفتح عينيّ؟ ماذا لو خسرت قدرتي على الكتابة، ورغبتي في الرسم، وموهبتي في التمثيل؟ هل أرغب بأن أصبح إنسانًا بلا أعراض جانبية؟

لكن أحرص بجهد بالغ على أن أظل داخل الدوائر، لأني إذا تركت زمام الأمور، فإن عقلي سيصبح مثل شاحنة بلا فرامل، وحتمًا سيخرج عن المسار، وسيتحطم. لذلك أعيش داخل روتين صارم، أعرف يوميًا ما سأقوم به طوال الأسبوع، من سأقابل وإلى أين سأذهب، فلا مكان للعشوائية، والمقابلات المفاجئة، ولقاء الغرباء، ولو حدث ذلك، فإنني أظل لأيام بعدها أحاول إعادة كل شيء في عقلي إلى مكانه الصحيح، ومنحه الاستقرار، وهكذا، أيامي الشاقة كلها تمضي بهذه الطريقة. ولم أعد أبالي بأن يفهم الناس ما أمر به، كل ما أحرص عليه هو أن يحترموا الحدود التي أضعها، لأن أقل قدر من الضغط سيقوم بتدمير كل شيء، فأبتعد عن مسببات الضغط، في العمل أو الصداقات، لأن صحتي النفسية أهم، ولأنني في النهاية من ستسقط الأشياء على رأسه، وحده.

أنا الآن في السنة الرابعة والأخيرة، على وشك التخرج من تخصص أحبه، أصدرت ثلاثة كتب حتى الآن ما بين الشعر والقصة القصيرة، كتبت ومثلت في العديد من الأفلام القصيرة، وما زلت أحلم، وأحاول أن أنجو من أيامي. أعيش بخليط من التفاؤل المتجدد واليأس المتجذر، نظرتي للحياة رغم ابتهاجي ومرحي، لا تخلو من الحزن، من تاريخ طويل من الحزن، لكن أحاول أن أتحسن، ان استمر بالحلم، لأنه ما يبقيني حيّة. أن أتمسك بالفن لأنه ليس لديّ غيره، ولا أعيش من أجل وبسبب شيء آخر، أكتب وأرسم وأمثل، ولا أتخيل نفسي أقوم بشيء آخر في الحياة.

منذ صغري، عرفت ما أنا قادمة من أجله، شيء في داخلي يدلني، ويقودني، وييسر لي طريقي. وكل تحسن ذاتي، يجعلني أقاوم الأفكار التي تدعوني للبقاء داخل الفقاعة، فقد حدث وجربت الحياة بدون المرض وتأثيره، حتى أني نسيت ما كنت أعاني منه، فأوقات "الشفاء" والعيش العادي خارج النوبات، يجعلني أدرك كم أن الحياة سهلة وممكنة، لكن يعود الوحش لالتهامي، وأعود لأظن بأنه من الممكن التعايش داخل بطن الحوت، والنَّاس الذين لم يبتلعهم الحوت أبدًا، لن يدركوا معنى أن تعيش مُلتهَمًا، وتحاول التأقلم على ذلك.

أما الناس الذين ولدوا أصلًا داخل بطن الحوت، أو بقوا هناك لفترة طويلة حتى نسوا كيف يبدو العالم خارجًا، فهؤلاء ربما يظنون أن الحياة كلها على هذا المنوال. ربما منهم كان أقارب أعرفهم، لا يؤمنون بالطب النفسي ولا يعرفون أن ما يمرون به له اسم، وعلاج يقدمه أطباء نفسيون. فقد عاشوا وماتوا، وبعضهم انتحر، لأنهم يظنون أن الحياة هكذا، شاقة ومؤلمة ومتعبة وجارحة.

ربما لحسن حظي، وربما بسبب الانترنت وانتشار المعرفة، أني وضعت يدي على موطن الألم، وبدأت أبحث وأقرأ وأفهم وأعرف، وأتنزه خارج بطن الحوت أحيانًا حتى لو أنني ولدت داخله وأعيش في الأصل هناك. لكن المعرفة جعلتني أرى أن هناك حياة أخرى خارجها، وأصبح جريئة بما يكفي لأن أضع أقدامي فيها، وأجرب العيش الرائق والمستقر. وأتحسن تدريجيًا وببطء، وأحاول تحجيم النار المشتعلة في الداخل. فأنا أرغب بأن أعيش جيدًا، ولا أريد أن أعود لما كنتُ عليه حينما كنت في السابعة عشرة، والتاسعة عشرة، وحتى الثانية والعشرين. فالتقدم في العمر يمنحني قدرة أكبر على الفهم، والسيطرة، والعلاج البطيء الذي أحصل عليه، يجعلني أمشي بضع خطوات، باتجاه أرض بلا أشواك.

لكن ربما أكثر فكرة تساعدني، هو قبول أنه ما من شفاء تام، بل هي محاولات للتعايش، والتقبل، وتحجيم الألم. وقبول هذه الفكرة ساعدني على تقبل مصيري، والتأقلم معه، وعيش هذه الحياة باجتناب مهيجات الألم، واللجوء دومًا للأطباء والدواء. حتى لو تخليت عنهم بعد ذلك بأسابيع، فيجب ألا أيأس من نفسي، ومن قدرتي على التحسن، ورغبتي فيه، دون محاولة للتحسن السريع كما رغبت في السابق، فلا يوجد تحسن سريع، والأدوية ليست حبوب مخدرات تنقلنا إلى عالم آخر، لكن العلاج يمنحنا أدوات تساعدنا على التعامل مع الواقع، ومع كل هذه المياه في الرأس، مع الديدان التي أستمر بصيدها، ومع هذه الأشكال السوداء التي اعتدت رؤيتها في السابق، مع اليد التي تصير نملًا في الليل، مع الانسحاب للداخل كل حين، في محاولة لإعادة ترتيب الأعضاء، الرأس في مكانه واليد في مكانها والعيون للداخل. ثم العودة للعالم ونزاله من جديد، قبل الانسحاب مرة أخرى، والتأقلم مع العيش هكذا: قدم داخل العالم، وقدم أخرى خارجه.


* يحذر الأطباء من إيقاف الأدوية بشكل مفاجئ دون إشراف من متخصص.