الصورة من فليكر برخصة المشاع الإبداعي (Betsssssy).

البديكور الذي أنقذني: حيلة نسائية لمواجهة الكآبة

دائما ما كنت أشعر بالكآبة في الإجازات، خاصة الطويلة منها. إجازة العيد من أكثر الإجازات التي تحمل الكآبة لي. أشعر أن العالم بالكامل سينتهي بقدومها. سينتهي بحق وليس مجازًا. كأن الإجازة تجرني جرًا إلى حافة الكوكب، وتأخذني إلى فضاءات مقفرة شاسعة ترسخ الوحدة بداخلي، لكن في تلك الإجازة البديكور أنقذني.

يحب الناس الإجازات لأنهم يغيرون ملابسهم ويتركون منازلهم، يجددون الأماكن، يقابلون العائلة والأصدقاء. أنا لا أحب كل ما سبق. منذ سنوات طويلة، لم أعد أرغب في مغادرة البيت. أصبح البيت هو منتهى الأمل. البقاء فيه أفضل من رحلة مع الأصدقاء، شراء كرسي مريح للبيت أفضل من شراء ملابس جديدة للخروج. أفكر في مطعم ما، ولا أحب أن أزوره، أُفضل أن أطلب الطعام وألتهمه على مهل في البيت. حتى السينما لم أعد أحب الذهاب إليها. أشاهد الأفلام على المنصات المختلفة دون حاجة إلى تغيير ملابسي والمغادرة.

لا أعرف تمامًا متى تحولت من فتاة منطلقة لا تفوت فرصة للخروج بصحبة الأصدقاء، إلى أخرى لا ترغب في مغادرة المنزل. أعتقد أن ذلك التحول حدث بعد ولادة طفلتي الأولى حين أصبح من الأسلم البقاء في المنزل. الخروج بطفلتي كان يحولني إلى جليسة أطفال.

لا يمكنني الاندماج مع الأصدقاء، ولا اختيار مكان أفضله، بل أختار المكان الذي يلائم ابنتي. آكل ما يلائمها. حتى الملابس يجب أن تكون مريحة وعملية. عندما أتمت ابنتي الكبرى عامها السابع رزقني الله بابنتي المتوسطة، فأعدت الكرة من جديد، وبعدها الأبنة الثالثة فالتزمت المنزل قدر ما يمكنني لأحافظ على طاقتي من الفناء.

مع هجوم كوفيد 19 على العالم، لم أعد وحدي في البيت. انعزل الجميع في منازلهم، وترسخت الرغبة في البقاء في البيت بداخلي أكثر و أكثر. بالنسبة لي، لم يعد البيت مجرد كلمة صغيرة، هو أقصى ما أتمنى في الحياة. يقول باشلار "البيت هو الكون الأول" هو المكان الذي أتمنى العودة إليه والبقاء فيه.

يمكن أن يتغير كل فعل نقوم به عندما نفعله بوعي. يحول الوعي كل فعل إلى فعل إيجابي، يسمح لنا بأن ننظر لكل فعل صغير نظرة تفكيكية تمكننا من الاستمتاع به تمامًا. هنا قررت أن أستمتع بالبديكور تمامًا بوعي كامل بكل فعل صغير.

موائمة الانطوائية والانطلاق

لا تناسب رغبتي الاحتماء في المنزل بناتي، في الأوقات التي يسعني فيها المقاومة والخروج معهم، أفعل ذلك دون تردد، ودائمًا تكون فسحة جميلة متعددة الأماكن، دون شجارات أو رفض غير مبرر لأي من طلباتهن، بينما في الوقت الذي أرفض فيه الخروج أحاول تعويضهن عن رفضي، وأتركهم مع الألوان والأوراق أو مع فيلم جديد وأحيانا أخرى أتركهم لأنفسهن وأنام، دون أي شعور بالذنب، لأنني تجاوزته منذ سنوات، ولم أعد أرغب في أن أكون أمًا مثالية.

حاولت مع بداية الإجازة أن أكون أمًا أكثر لطفًا مع نفسي ومع بناتي. لكنني لم أجد طريقة تناسبنا معًا، ثلاث فتيات في السابعة والتاسعة والخامسة عشر، وأم في الأربعين. هن بالتأكيد يفضلن الخروج، وأنا أحاول إيجاد حلول وسط يمكنها إقناعهن بالبقاء في المنزل. انكسر ضرسي قبل وقفة العيد بيوم فظننت أنها ذريعة مناسبة للبكاء والنوم، لكن الأمهات لا يمكنهن النوم ولا يمكنهن الانغماس في البكاء.

ارتديت عباءة سوداء وغطيت شعري بطرحتها إمعانا في التماهي مع العالم حولي، ربما تنزاح مشاعر الاغتراب التي تتلبسني قليلًا. اشتريت كل ما يمكن أن يجعل البقاء في البيت أجمل. فواكه ومقرمشات وعصائر، بقى أن أشتري الذرة والحمص والترمس، عندها اكتشفت ضياع محفظتي. لا أعرف إن كنت فقدتها أم سرقت أم سقطت مني مع التوقف عدة مرات في محال مختلفة. فقدت محفظتي أثناء تجوالي في السوق، ما رسخ بداخلي رغبة أكبر للبقاء في المنزل.

عدت منغمسة في بحيرة من الكآبة. بكيت وتذكرت كل ما يؤلمني. درت في أركان البيت مثل غريق يبحث عن نفس هواء صغير يعيده للحياة. لم يكن بي طاقة لمشاهدة أفلام أو محادثة الأصدقاء. ناهيك عن القراءة والرسم، فكرت أن أضع نفسي بالكامل داخل البانيو حتى أتخلص من الأفكار السلبية مع الماء المتسرب من ثقبه الدائري الصغير الذي يشبه بوابة دائرية تفصل بين عالمين، لكنني لم أقو على الحركة ولا النهوض.

البديكور هو الحل

رغم شعوري المروع بالكآبة والألم والحزن، وافقت أن تأتي صديقات بناتي ليقضين معنا ليلة وقفة العيد، ما خفف من شعور الكآبة الذي فرضته على المنزل بالكامل. أصبحت الليلة أكثر لطفًا بالنسبة لهن، خاصة بعد أن توقفت عن البكاء.

كنت أنوي زيارة الكوافير لكن ثقل الكآبة حبسني داخل الجدران الأربعة لمنزلي. قلت لا يهم مازال اللون الأحمر القديم عالقًا بشعري، أما حاجبي يمكن تهذيبهما بالشفرات النسائية. لكن ماذا عن البديكور؟ سأقوم بعمله بنفسي في المنزل، شجعني تذكر معلمتي في دبلومة العلاج بالفن، والاسترخاء الهدوء الذي كنت أشعر به عندما جعلتني أنا وصديقاتي نتبادل تدليك الأقدام لبعضنا بعضًا بزيت اللافندر كنوع من أنواع العلاج الذي يخفف التوتر والمشاعر السلبية.

وتبعًا لرودولف شتاينر صاحب فلسفة الأنثروبوصوفيا فإن تدليك القدمين يستخدم كعلاج للأطفال أصحاب فرط الحركة الذي يحدث أحيانًا بسبب بعض الاضطرابات الأيضية، ويعمل على تهدئة تلك الاضطرابات، بالإضافة إلى كونه وسيلة لتخفيف القلق والتوتر، وهو ما كنت بحاجة إليه في تلك اللحظات.

يمكن أن يتغير كل فعل نقوم به عندما نفعله بوعي. يحول الوعي كل فعل إلى فعل إيجابي، يسمح لنا بأن ننظر لكل فعل صغير نظرة تفكيكية تمكننا من الاستمتاع به تماما. هنا قررت أن أستمتع بالبديكور تمامًا بوعي كامل بكل فعل صغير.

ملأت الطبق بماء ساخن قدر الإمكان، راقبت بلورات الملح وهي تنزلق على كفي واستشعرت برودتها وخشونتها بين أصابعي، مررت أصابعي على الوجه الخشن لأداة الصنفرة، ثم على الوجه الأقل خشونة، ملمس يحفز حاسة اللمس، أقرب لرمال الشاطئ عندما ندوس عليها بأقدامنا الحافية.

يرى رودلف شتاينر أن حاسة اللمس أحد الحواس الأساسية التي تتطور خلال السنوات السبع الأولى من حياة الإنسان، وعندما تتطور بشكل صحيح تسمح لنا بمعرفة أنفسنا جيدًا. غالبًا ما يتجاهل الجميع تلك الحاسة، يمكن أن تمر سنوات دون أن نتواصل جسديًا مع أحبائنا ومع أنفسنا ومع الموجودات من حولنا. نمسك الأشياء بأطراف أصابعنا دون أن نستشعر خشونتها أو نعومتها أو برودتها وسخونتها. نتجاهل حاسة اللمس حتى نفقد أنفسنا تمامًا.

اللمس هو طريقتنا للتعرف على العالم وعلى أنفسنا. باطن القدم من أكثر الأماكن حساسية في الجسم، يمكننا أن نشعر بوجودنا الفعلي عندما نخلع أحذيتنا ونستكشف بأقدامنا رمال في الصحراء الساخنة، و رمال الشاطئ الباردة، نستكشف رطوبة الحشائش الخضراء المروية بالماء، ونعومة الرخام وبرودته الحادة.

عندما وضعت قدميَّ في الماء هذه المرة استعدت كل ما أعرفه عن حاسة اللمس. استشعرت سخونة الماء الذي لم يغمر قدميَّ فقط، لكنه غمر الأفكار السوداء التي تتنامى في عقلي، ومشاعر الوحدة والعزلة وآلام الأسنان والضوضاء القادمة من الشباك، وشجارات بناتي حول الألعاب والملابس وطلاء الأظافر. شاهدت الأمواج تتلاطم في عقلي لتنظفه وتجعله منطقة آمنة وهادئة وواسعة.

ابتل الجلد الميت في قدمي، وأصبح رطبًا وضعيفًا يتلاشى بتمريرة واحدة من أداة الصنفرة، مع كل تمريرة تسقط الأفكار السلبية التي وضعها العالم داخلي عن نفسي من عقلي، وتسقط الخطوات التي مشيتها دون رغبة مني، من باطن قدمي.


اقرأ أيضًا| رحلتي من الشعر المفرود إلى الكيرلي: العودة إلى الأصل

خصلات شعر مقصوصة- الصورة: فليكر برخصة المشاع الإبداعي.

غمرت قدميَّ مجددًا في الماء الذي أصبح باردًا ثم جففتهما، وأغدقت عليهما بالكريم المرطّب أدللهما وأدلل نفسي. رطبت يديَّ بما تبقى من الكريم وتسللت رائحة التوت البري إلى أنفي، أستنشقها حتى آخرها. سكبت الماء في البانيو وراقبت الخطوات الكريهة والمشاعر السيئة والجلد الميت وهو يغوص في ثقب البانيو أمامي، مثل شبح يذوب ويتلاشى ويتركني حرة وخفيفة. أكرر البديكور في المنزل أسبوعيًا تقريبًا، لكن تلك المرة لم تكن مثل باقي المرات، كأنني أعدت اكتشاف العملية من بدايتها حتى نهايتها من جديد، ووضعتها في قائمة السعادة.

بعد أن انتهيت أغمضت جفنيَّ المنهَكين المنتفَخين من البكاء، محاولة نفض الألم والحسرة على النقود الضائعة و نمت نومًا طويلًا مثل طفل رضيع حممته أمه وراح بعدها في نوم عميق. نهضت في اليوم التالي كأن شيئا لم يكن، هدأت تمامًا بعد أن تركت بركان الغضب يثور، ولم أعد أذكر من كل الغضب سوى أنني بحاجة للذهاب إلى السجل المدني لاستخراج بطاقة هوية جديدة.