من مسلسل The Walking Dead

لماذا تنجح أفلام الزومبي؟

نلاحظ مشهدًا يتكرر في كل أو في معظم أفلام الزومبي، إذ نرى مجموعة الزومبي تتحرك كالقطيع وتهاجم الأبطال، ودائمًا ما تكون مجموعة الزومبي مكونة من عدد كبير وتهاجم مجموعة قليلة من الأفراد.

منذ بداية هذا القرن شهد العالم ظاهرة سينمائية عالمية و هي انتشار أفلام الزومبي "الموتى الأحياء" و تحقيقها لأرباح خرافية. ومن المُلاحظ أن نصف عدد أفلام الزومبي التي أنتجتها السينما عبر تاريخها تم إنتاجها بعد عام 2000، مما يفرض هنا سؤالًا هامًا وهو لماذا راجت أفلام الزومبي؟ ما الذي يجعل الناس تُقبِل على مشاهدة أفلام يتحول فيها البشر لوحوش يأكلون لحوم بعضهم البعض؟

يعتبر البعض السينما هي المكان الذي نري فيه أحلامنا و مخاوفنا وما يدور في عقلنا من أفكار مُجسّدًا أمامنا على الشاشة سواء بشكل مباشر أو بشكل رمزي، ورواج نوعية معينة من الأفلام في زمن ما و مجتمع ما يرتبط ارتباطًا وثيقا بذلك. وهذا ما يجب أن نعيه جيدا في محاولتنا لمعرفة أسباب شعبية أفلام الزومبي أو غيرها من الأفلام.

مولد الزومبي

زومبي كلمه مصدرها فلكلور جزر هايتي في الكاريبي، وهي تعني الأموات الذين يُبعثون مره أخرى بواسطة عمل سحري. يخبرنا معجم أوكسفورد أن أصل الكلمة يعود إلى قبائل وسط أفريقية انتقلت لجزر الكاريبي كعبيد. أول استخدام لكلمه زومبي في اللغة الإنجليزية كان في كتاب للشاعر البريطاني روبرت ساوثي عام 1819، لكن دخول الكلمة كمصطلح ذائع الاستخدام في اللغة الإنجليزية كان في عام 1929 في كتاب ويليام سيبروك "الجزيرة المسحورة". تدور أحداث الرواية في هايتي و تتعرض لثقافه الفودو الموجوده هناك، وترى مجلة "تايم" البريطانية أن كلمة "زومبي" انتقلت للغة الإنجليزية و منها لباقي اللغات بفضل روايه سيبروك.

أول فيلم تناول موضوع الزومبي هو فيلم "الزومبي الأبيض" من إنتاج عام 1932 للمخرج فيكتور هالبرين، تدور أحداث الفيلم حول فتاة تتحول لزومبي بسبب عمل من أعمال السحر الأسود "الفودو" . لكن البدايه الحقيقية لأفلام الزومبي كانت عام 1968، مع المخرج جورج روميرو وفيلمه "ليلة الموتى الأحياء" الذي حقق نجاحًا كبيرًا، وبين فيلم هالبرين وفيلم روميرو توجد فروق كثيرة من أهمها أن فيلم هالبرين تحول فيه شخص واحد إلى زومبي، ولكن مع روميرو يجد البطل العالم حوله تحول إلى مجموعة من الزومبي وتأكل لحوم البشرة وقادرة على تحويل ضحاياها إلى "زومبي" بمجرد عَقرَهم. وعند هالبرين أيضًا يعود سبب التحول إلى السحر، في حين أن سبب التحول عند روميرو هو كارثة كونية نتجت عن تلوث إشعاعي من الفضاء الخارجي.

قبل روميرو كانت أفلام الزومبي تنتمي لأفلام الرعب التقليدية، لكن فيلم روميرو خَلَق نوعية جديدة من أفلام الرعب.


لماذا نجح فيلم روميرو عام 1968؟

بما أن الناس ترى في السينما أحلامها ومخاوفها وأفكارها، ورواج الأفلام مرتبط بذلك، فدعونا نلقي نظرة سريعة على أمريكا والعالم في عام 1968، وقت إنتاج فيلم روميرو: الستينيات، الحرب الباردة، والرعب من حرب نووية، وحرب فيتنام، وحركة الدفاع عن الحقوق المدنية، واضطرابات عنصرية، وفي نفس العام اُغتيل مارتن لوثر كنج. كان هناك جيل شاب يخرج للتظاهر ضد الحرب في أمريكا، ويناصر حركة الحقوق المدنية، وكانت هناك مظاهرات الطلبة في فرنسا ومصر، وربيع براج في تشيكوسلوفاكيا. جيل يرغب في إقامة عالم أفضل ويواجه مقاومة شديده من السلطات ومن القطاعات المحافظة في مجتمعه، جيل يشعر بخيبة أمل شديدة في الجنس البشري، جيل تأثر بفظائع فيتنام وغاضب من العنصرية، ثم تألم من فشل ربيع براج وفقد الثقة في الحكومات و مؤسسات المجتمع، ويشعر أننا نعيش في عالم سيء. في ذلك الوقت الذي يشعر فيه الناس بالإحباط و خيبة الأمل، قام الشاب جورج روميرو بإخراج فيلمه "ليلة الموتى الأحياء"، وحقق نجاحًا جماهيريًا كبيرًا.

بعد فيلم "ليلة الموتى الأحياء" لروميرو أصبح الزومبي رمزًا لفقدان البشر لإنسانيتهم وتحولهم لوحوش يشعلون الحروب ويمارسون العنصرية على بعضهم، وعلى هذا يمكننا القول ان نجاح فيلم روميرو كان انعكاسًا لحالة ما ومزاج عام في تلك الفترة.

ومن الملفت أن المخرج اختار الممثل الأفريقي الأمريكي دواين جونز لأداء دور البطولة في الفيلم، ولا نعتقد أن اختيار ممثل أسود البشرة تطارده مجموعة من الزومبي البيض من قبيل الصدفة، خاصة إذا عرفنا أنه من النادر اختيار ممثلين سود لأداء أدوار البطولة في هذه الفترة.

الألفيه الجديدة وعودة الزومبي

بعد فيلم روميرو عام 1968، قدّمت السينما عددًا من أفلام الزومبي بعد ذلكـ لكنها لم تحقق نجاح أو حققت نجاحًا محدودًا. لكن في اول الألفية الجديدة، وتحديدًا في عام 2002، عادت أفلام الزومبي بقوة بعد إنتاج فيلم "بعد 28 يومًا" للمخرج داني بويل، وهو الفيلم الذي حقق نجاحًا جماهيريًا كبيرًا. دفع نجاح الفيلم شركات الإنتاج للتفكير في إنتاج أفلام أخرى من نفس النوعية، فتوالت أفلام الزومبي، فشاهدنا "زومبي لاند"، و"الحرب العالمية زد" وغيرها من الأفلام التي حققت رواجًا في العالم كله، وأصبحت ظاهرة سينمائية.

والسؤال هنا، لماذا نجحت هذه الأفلام في السنوات الأخيرة؟ تكمن الإجابة في العالم الذي نعيش فيه. ومثلما رجع نجاح فيلم روميرو عام 1968 إلى الحالة والمزاج العام اللذين سادا تلك الفترة، لأنه جسّل المخاوف والإحباطات وخيبات الأمل، فإن رواج أفلام الزومبي منذ بداية القرن الحالي تعكس حالة ومزاج مشابهين.

أُنتج فيلم "28 يومًا" في عام 2002، بعد عام واحد فقط من أحداث 11 سبتمبر، التي غيّرت العالم من بعدها، كانت الحرب في أفغانستان دائرة، وطبول الحرب تدق لحرب العراق، ولكن هذه كانت فقط البداية، إذ شهد العِقد الأول من القرن الحالي الكثير من الأحداث الجسام المتوالية؛ تصاعدت وتيرة الأعمال الإرهابية بشكل مرعب، وحدثت أزمات اقتصادية انهارت فيها مؤسسات كبرى. وظهرت المخاوف من التغيرات المناخية، وهستريا الخوف من الأمراض الوبائية، مثل فيروس H1N1 والإيبولا وغيرها من الأمراض، بالإضافة إلى الحروب والاضطرابات السياسية التي تحدث في بلاد كثيرة. كل هذا جعل العالم تسوده حالة من الإحباط التي قد تدفع الفرد لتمني حدوث كارثة كونية تنهي الحياة في العالم، وكل هذه الأشياء خلقت مناخًا مثاليًا لرواج أفلام الزومبي.

الرمز والسحر

أصبح الزومبي رمزًا بداخل أذهاننا، ويعبّر عن مخاوفنا من أشياء كثيرة مثل الإرهاب والحروب والأزمات الاقتصادية وتلاعب الشركات الكبرى والإعلام بالناس وتحويلهم لقطيع من المستهلكين، أو لقطيع يردد وجهات نظر وأفكار بدون فهم أو وعي حقيقي لما وراءها. تحول الزومبي إلى تعبير يستخدمه الناس في حياتهم اليومية وكتاباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي للدلالة على البلادة وردود الافعال المخزية من الناس تجاه الكثير من الأحداث المؤسفة التي يشهدها العالم. و في مجالات الدراسات السياسية والاقتصادية ظهرت تعبيرات مثل سياسات الزومبي و اقتصاديات الزومبي لوصف سياسات معينة. و هكذا اتسع الزومبي كرمز شديد الجاذبيى للتعبير عن أمور عديدة و متنوعة.

نلاحظ مشهدًا يتكرر في كل أو في معظم أفلام الزومبي، إذ نرى مجموعة الزومبي تتحرك كالقطيع وتهاجم الأبطال، ودائمًا ما تكون مجموعة الزومبي مكونة من عدد كبير وتهاجم مجموعة قليلة من الأفراد، تحاول المجموعة القليلة الهرب بكل ما أوتي لها من وسائل، وتستغل ذكاءها، وهو سر تفوقها أمام مجموعات الزومبي التي لا عقل لها.

في هذا المشهد تحول الزومبي إلى رمز لخوف الفرد من طغيان الجموع أو طغيان أغلبية في المجتمع ذات وعي مغيب. يصير من السهل النظر إلى مجموعات الزومبي على أنها جماهير فقدت عقلها وإنسانيتها، وهمها أن تقضي على كل من يخالفها الرأي، وتحاول أن تجعل من الآخر صورة منها. ولكن رغم ذلك تجد في هذه الأفلام أفراد يحاولون المقاومة، لأنهم لا يريدون أن يفقدوا إنسانيتهم وذواتهم. نرى الأبطال يكافحون حتى يظلوا بشرًا، وألا يتحولوا إلى كائنات ممسوخة تتحرك بلا عقل كالقطيع، بدون مشاعر ولا هدف سوى الطعام. لهذا نجحت أفلام الزومبي، لأنها ببساطة تجسد كفاحنا البشري.

إذا كانت أفلام الزومبي تدور حول مخاوف الجنس البشري، فهي تُظهر أيضًا قدرة البشر على مواجهة أبشع المخاوف والتهديدات، وقدرتهم على الانتصار عليها في النهاية، وهذا هو سحر أفلام الزومبي، وسحر السينما.