في المدينة الجديدة يبدو كل شيء دائما على ما يرام

أحاديث الغربة والوطن

في الصيف الماضي؛ تبين لي؛ إلى أي حد تعقدت علاقتي بوطن ما بعد الهزيمة. للمرة الأولى تحمل القاهرة لي من الثقل ما يستحيل معه أن تستقيم حياة.

في المدينة الجديدة يبدو كل شيء دائمًا على ما يرام.

كل شيء كما تركته تماما أو أفضل قليلا؛ شتى درجات الأحمر في أوراق أشجار الخريف، السناجب اللاهية في حديقة منزلي الخلفية، الموسيقى الخفية التي تفاجئ المارة بين جنبات الشوارع. سائق الباص اللاتيني لايزال يحييني بالإسبانية ظنًا منه أني لاتينية الأصل. نزل مصفف شعر لاتيني أخيرًا بالحي الذي أسكنه، وفتح صالون تدليك بأسعار جيدة أبوابه على بعد أمتار، وصارت هناك أيضا مغسلة جديدة، تبدو أفضل من القديمة، ومطعم هندي آخر.

هنا؛ الوجوه الغريبة دائما مبتسمة. وجوه الناس هنا تتقن كيف تكون أكثر مرحًا مما هو معتاد بين أهل كوكب الأرض، الذي تحمل أخبار كل صباح مستجدات نكباته. إذا ما تغافلت عن أخبار كوكب الأرض، يمكنني هنا بشكل عام أن أتنفس جيدا. الثقل الذي كان يمسك برأسي طوال الصيف في القاهرة ويرسل إشارات ألم إلى يدي اليمنى، يزول تدريجيا.

يختفي الثقل ويحل خواء.

تقول سارة: "الأيام المُرضية في مجملها أفضل من الأيام البائسة. لا يوجد أيام سعيدة".

تمر أيامي هنا في مجملها مُرضية.. كل ما يحيط بي الآن هو النقيض الصارخ للبؤس.. لا بؤس يسكن المدينة الجديدة، لا نقاشات حول سعر صرف الدولار٬ ولا رسائل كارثية من البنوك. لا أصدقاء ممنوعون من السفر هنا، والصحف المحلية لا تحمل أخبار محاكمات هزلية. لا أزمة سكر، ولا نقص دواء، ولا معارف معتقلين في أماكن مجهولة. لا ضحايا إهمال طبي. لا زحام مرور ولا أزمة مواصلات ولا سحابة سوداء. لا حوادث سخيفة ولا ضجيج. يمكنني أن أرتدي ما يحلو لي وأمشي أينما يحلو لي دون قلق. لا قلق هنا بشكل عام. يمكنني معاودة الانتظام في فصول اليوجا. كما أنني خبزت كعكة الفانيليا للمرة الأولى، وأتقنت أخيرا وصفة البينك صوص.

يبدو كل شيء على ما يرام. ربما الوطن هو أن يكون كل شيء على ما يرام؟

أتذكر يوم بعينه في خريف 2010، حين جلست إيناس قبالة مكتبي القديم المطل على ميدان التحرير، تُحدثنا عن خيار المغادرة. حينها كنا نقف على أرض صلبة، وإن ضاقت بنا. ثم جاءت نداهة الثورة ببراح يصل الأرض بالسماء. تبخرت فكرة المغادرة كأن لم تكن.. يتقاطع العمل العام مع الحلم الشخصي مع شعور (أننا-الآن-هنا)، قريبين من فعل الحياة أكثر من أي مكان وزمان آخرين.

في الصيف الماضي؛ تبين لي؛ إلى أي حد تعقدت علاقتي بوطن ما بعد الهزيمة. للمرة الأولى تحمل القاهرة لي من الثقل ما يستحيل معه أن تستقيم حياة.

ربما راودتني فكرة الرحيل من قبل. أتذكر يوم بعينه في خريف 2010، حين جلست إيناس قبالة مكتبي القديم المطل على مشارف ميدان التحرير تُحدثنا عن خيار المغادرة، قالت: "لقد ضاقت الأرض بما رحبت.. بما رحبت". حينها كنا نقف على أرض صلبة، وإن ضاقت بنا. تدور في رؤوسنا أحلام. ثم جاءت نداهة الثورة ببراح يصل الأرض بالسماء. تبخرت فكرة المغادرة كأن لم تكن. تكثفت علاقاتنا بالأماكن والأشخاص. ننتمي إلى عشرات المجموعات والمبادرات والأفكار. ننتمي طوال الوقت. يتقاطع العمل العام مع الحلم الشخصي مع شعور (أننا-الآن-هنا)، قريبين من فعل الحياة أكثر من أي مكان وزمان آخرين.

ثم انقلبت الموازين. تفرقت المجموعات وتشتت الأفكار. صارت قدرتنا على الفعل شبه منعدمة. وصرنا نقف طوال الوقت على فوهة بركان نرجو الله ألا ينفجر. لا أرض صلبة ولا رحبة، ولا براح لأفق يصلح للأحلام. انهزم "الوطن الحلم"، وصارت الثورة فردوسا مفقودًا نتباكى عليه.

صارت الثورة فردوسا مفقودة نتباكى عليه

أغبط كل هؤلاء الذين ظلوا قادرين على إدارة معاركهم على جبهات القاهرة بشكل ما. حاولت بشتى الطرق على مدار عامين قبل الرحيل الأول، ثم لصيف بعده. لا أعرف في أية لحظة تحديدًا رفعت راية بيضاء وهجرت ساحة المعركة، وهل هي الهزائم الشخصية أم العامة أم خليط منهما أم تراكم كل الخسارات، هو ما اقتلعني من جبهة الوطن.

تمر أيامي هنا يومًا بيوم، لا خطط طويلة المدى. ربما آفاق واحتمالات، لكن لا يقين هنا كما لا يقين هناك. الآن؛ وهنا؛ كل الأشياء تبدو بعيدة: الخطط طويلة المدى، وأرض الوطن التي ضاقت بما رحبت، وأخباره، وأيامه، والأصدقاء.

كل شيء بعيد كمنزل جدتي القديم الذي قررت العائلة هذا الصيف طرحه للبيع. لو طلب مني اختيار بقعة واحدة من الأرض تختزل معنى الوطن، ربما كانت مطبخ جدتي في المنزل القديم.

عيد ميلاد عائلي-منزل جدتي القديم

كل شيء بعيد كسرير أمي المحجوب داخل عنبر العناية المركزة. أمضي اليوم على باب العنبر، يفصلني عنها أمتار معدودة، لكنني غير مسموح لي بالدخول سوى في ساعة الزيارة. في وطن آخر لا تورث تجربة النزول بالمستشفيات كل هذه الكوابيس. أمر ببساطة انتقال مريض من مستشفى إلى آخر؛ وضعني وجهًا لوجه مع ملمح لم أدركه قبل اللحظة لقسوة الوطن.

"لا أماكن"، "لا نفضل استقبال مريض مر على عنبر عناية مركزة في مستشفى أخرى"، "نعطي أولوية حجز أسِرّة الرعاية لحالات تابعة لأطباء المستشفى". ربما أعتبر عجزي عن نقل أمي من ذلك العنبر الكريه إلى المستشفى الذي أرادته؛ هزيمتي الكبرى. لا خذلان يماثل في مرارته أنني كنت حقا أصدق أنها ستغادر ذلك العنبر على قدميها.

السناجب اللاهية في الحديقة هنا على مسافة مترين من شرفتي، تبدو أبعد مما كانت عليه في الخريف الماضي. في الخريف الماضي أخبرت أمي أن السناجب تتقافز داخل شرفة البيت الجديد، ضحكت وحذرتني كي أنتبه حتى لا يعضني سنجاب. أرسلت لها حينها صورًا عديدة للحديقة والسناجب وأوراق شجر الخريف الحمراء.

لا أعرف كيف على وجه التحديد عبثت بمحتويات هاتفي حتى فقدت كل الصور المحفوظة في تاريخ محادثات الواتساب. أبكي بحرقة حين أعرف أن لا سبيل لاستعادة الصور المفقودة، كأنني اكتشفت لتوي أن أمي غابت إلى الأبد، وأنها لن ترد على رسائلي النصية مرة أخرى.

لا سبيل لاستعادة الصور المفقودة، ولا ضحكة أمي، ولا منزل جدتي، ولا أحلام التحرير.

كل الأشياء تبدو بعيدة.


قال: "الحياة تعوضنا بشكل ما.. هناك دائما فرصة أخرى تطرق الباب."

قلت: "لكن الخسارات تبقى خسارات، تترك ندوبها في الروح وتُضاعف هشاشة القلب، تكسر توقعاتنا إزاء الحياة وتسحب من رصيد الثقة المطلقة بشكل عام. تأتي الفرص الأخرى مكبلة بذكريات الفرص الأولى الضائعة. الخسارات تجرعنا درس الحياة القاسي: كل ما هو موجود الآن مهدد بالفقد. كل ما يبدو قريبا سيغدو بعيدا. وسيعجز القلب عن القفز فوق حواجز المسافات".

أحيانا تبدو الأشياء معه أجمل وأقرب: يشاركني الكثير من الأحلام. يتأمل معي قلق الأسئلة الوجودية، ويحمل عني بعض الأحزان. لا يفهم معظم نكاتي لكنه يضحك كثيرا على أي حال. قد يكون هو اليوم هنا، قريب ككف يدي المستقر في كف يده. غدا سيأخذه السفر، وسيعجز عقلي عن حساب مسافة القارات والمحيطات وفروق التوقيت التي تفصلنا، وسيعجز قلبي عن القفز فوق حواجز المسافات.

هل يغنينا الانتماء لشخص ما عن الانتماء لبقعة من الأرض؟ هل يمكن للبشر أن يكونوا وطن؟

كل الأشياء تبدو بعيدة.


أتذكر حديثا عابرًا مع مدير سابق، كان يودعني بفخر العام الماضي قبل السفر حين قال: "عليك أن تفكري جيدًا أين تريدين أن تبني لك حياة. ربما لم يعد السعي لبناء مستقبل في مصر هو الخيار الأمثل. انتهزي الفرصة وفكري جيدًا".

تحدثني خبيرة علم الإنسان المتخصصة في شئون اللاجئين عن معنى "الحق في الانتماء". أتعجب كيف طوال انشغالي بدراسة موضوعات المواطنة، أني لم أتوقف عند دراسة المعنى المركب للحق في الانتماء، كأنه من البديهيات المسلم بها.

أبتسم حين أتذكر كيف أتقنت مي اللهجة التونسية بعد شهور قليلة من انتقالها للعيش في تونس، بينما كنت أضجر أنا من ثقل اللهجة نفسها أثناء زيارتي القصيرة لها. أضجر الآن حين لا أفهم الكثير من النكات التي يتبادلها سكان المدينة الجديدة. تفاجئني مجددا حقيقة أن لا سبيل لإشراكهم فيما قد يستهويني من نكات. أتابع مثلهم أمور الانتخابات الأمريكية لكنها متابعة الباحث والمحلل، لا من تعنيه الانتخابات بشكل شخصي. أدليت بصوتي في انتخابات رئاسية مرة واحدة في جولة واحدة: مصر-2012- الجولة الأولى-خالد علي-حصل على 134 ألف صوت. وقتها قلنا أصواتنا تبني مستقبل الوطن.

أتذكر حديثا عابرًا مع مدير سابق، كان يودعني بفخر العام الماضي قبل السفر حين قال: "عليك أن تفكري جيدًا أين تريدين أن تبني لك حياة. ربما لم يعد السعي لبناء مستقبل في مصر هو الخيار الأمثل. انتهزي الفرصة وفكري جيدًا".

يمكنني أن أعيش أياما مُرضية في المدينة الجديدة. يمكنني أيضا أن أهرب من الأيام البائسة. تتخذ المنافي خيارا، لكن هل تُتخذ الأوطان؟

أفزع حين تحدثني نفسي بأفكار الصباح مستخدمة اللغة الإنجليزية. أفكر أنني ينبغي أن أعود لممارسة القراءة باللغة العربية بانتظام، وإلا قد لا أعود لمشروع كتابة الرواية أبدا، وستكون تلك فاجعة كبرى! أهرع لكتاب علاء خالد "مسار الأزرق الحزين". أنتمي لأحزان علاء خالد بالطبع، أكثر مما أنتمي للوجوه البشوشة دائما في المدينة الجديدة.

أفكر في الكاتبة الفلسطينية رنا بركات التي ولدت في شيكاغو، وأمضت عمرها تسعى للعودة إلى فلسطين متحدية الاحتلال. ربما الوطن هو معركة التحدي تلك؟ ربما يتشكل معنى الوطن بصمودنا في معركة ما على جبهة ما؟

لم أعد أملك تعريفا للوطن. ولكنني أعرف في هذه اللحظة أنني كنت أريد حقا مشاهدة "خرج ولم يعد" في قاعة سينما، وأن بي وحشة لمشاركة نكات بلا معنى مع بعض الأصدقاء.