عادل عجايبي في مخبزه بوسط القاهرة

"لقمة عيش" قطعها السكر.. الأزمة تُسرِّح عمال المخابز والحلوانية

إذا كان تسريح العمالة في مخبز قائم في واحد من أكبر ميادين القاهرة وأكثرها ازدحامًا لايزال في إطار التهديد القائم؛ فالأمر أصبح واقعًا في مخبز أحمد مصطفى بالمرج: "باشتغل بإيديا، بعد ما اضطريت أقعّد اتنين صنايعية في بيوتهم، لأني كنت بدفع لهم من جيبي".

في المخبز "الإفرنجي" شبه الخالي، الكائن بشارع شبرا، تجلس "الحاجة شادية"، بصبحة قريبتيها وشريكتيها، تفكرن فيما قد يُضطررن للجوء إليه، للتحايل على نقص السكر، والذي انتهى بمخبزهن الواقع في أحد الشوارع الرئيسة بحي شبرا؛ إلى "فاترينة" جاتوه فارغة، ومخبوزات قليلة لا يستغني عنها زبائنهن.

أثناء استراحة تطول بين لحظات بيع مخبوزاتها تقول الحاجة شادية التي تحولت مؤخرًا لخبز بضائعها بيدها: "كان عندي 5 عمال ومشّيتهم، وفروا لي.. حرام قطعت عيشهم، إنما هعمل إيه؟ علشان إحنا كمان نعيش، المكان ده ملك ورثة، وفاتح 8 بيوت". تقول إحدى قريباتيها الجالستين: "بنفكر نستعمل العسل الأسود بدل السكر".

"مش لاقي سكر، وهقفل وأسافر، خليهم ياكلوا طوب بقى".

الحاج عادل عجايبي - صاحب مخبز بميدان طلعت حرب بوسط القاهرة

ثلاجات جاتوه فارغة، و"فاترينات" حلوى نصف ممتلئة، ومخبوزات انكمشت لنصف حجمها، وأخرى ارتفع سعرها، وعمال قُطِعَت "لقمة عيشهم"، ومقاهٍ شبه خالية، مشاهد رصدتها "المنصّة"، كنتيجة لأزمة سكر، طالت مؤخرًا حتى كبريات الشركات والمصانع، بصور مختلفة.

وصادرت السلطات، الأحد الماضي، ألفي طن سكر من أحد مصانع شركة "إيديتا" بمحافظة بني سويف؛ لتضطر الشركة إلى وقف الإنتاج بالمصنع مؤقتًا، ما تسبب في هبوط أسهمها في البورصة بنسبة 1.1%، وهو ما اضطر الشركة إلى إصدار بيان لقطاع الإفصاح بالبورصة تؤكد فيه أن قطاع الحلويات يُمثل 4% فقط من إنتاجها.

ووفقًا لتصريحات المهندس هاني برزي رئيس مجلس إدارة الشركة لبرنامج من العاصمة، فإن العمالة المهدد بفقد أعمالها في حالة توقف الشركة عن العمل تبلغ 5500 عامل.

المخابز تعمل بأقل من طاقتها

لقمة عيش مقطوعة

يقول عادل عجايبي بعد أن أوشك مخزونه من السكر على النفاد: "يومين بالظبط والسكر هيخلص عندي، وهقفل المحل وأمشِّي العمال"، ويواصل: "باقي عندي شوالين 50 كيلو، ودلوقتي كل ما اتصل بتاجر الجملة يقول مفيش سكر. أجيب منين؟ أروح أقف في الجمعية علشان اتنين كيلو؟ هيعملوا إيه إذا كان عجين الفينو والبقسماط بس عايز 5 كيلو؟".

وإذا كان تسريح العمالة في المخبز القائم في واحد من أكبر ميادين القاهرة وأكثرها ازدحامًا لايزال في إطار التهديد القائم؛ فالأمر أصبح واقعًا منذ شهرين في مخبز أحمد مصطفى بالمرج: "باشتغل بإيديا، بعد ما اضطريت أقعّد اتنين صنايعية في بيوتهم، لأني كنت بدفع لهم من جيبي". ينتاب الرجل تشاؤم، وإن قال إن قراره تسريح العاملين مؤقت: "إحنا كل يوم في الأسوأ، والصنايعي عايز يومية 120 جنيه (13.6 دولارًا وفقًا للأسعار الرسمية، و7.7 دولارًا وفقًا لأسعار السوق الموازية)".

"كنا حوالي 18 شخص في محلين جنب بعض شغالين زي النحل، دلوقتي إحنا 5 أو 6، وبقالنا حوالي شهر ونص ثلاثة أرباع العاملين قاعدين في البيت".

هاني عصام- عامل بمحل حلويات بالمرج

يقول خالد عيش رئيس النقابة العامة للعاملين بالصناعات الغذائية لـ"المنصة"؛ إن إجمالي عدد المسجلين في النقابة يبلغ حوالي 160 ألف شخص، يمثلون العمالة المنتظمة في 7 قطاعات هي "السكر، والمشروبات، والألبان، والمطاحن، والمخابز، ومضارب الأرز، والدخان. وأن عدد المسجلين بشعبة المخازن يبلغ 60 ألفًا من العمال".

وأوضح "عيش" أن الرقم السابق هو نفسه تقريبًا، إجمالي عدد العمالة غير المنتظمة، في الجهات التي لم تُشكل فيها لجان نقابية، وأن خطة النقابة لعام 2017، هي إدراج 160 ألف عامل آخرين في قوائمها، للتمكن من متابعة مشكلاتهم، ما يرجح أن عدد العاملين في قطاع المخابز قد يصل إلى 120 ألف عامل.

صاحب مخبز انتظار الزبائن-  تصوير صفاء سرور- خاص "المنصة" 

في أحد محال الحلويات في حي المرج، جلس هاني عصام (عامل) يصارع الملل لغياب الزبائن. يحكي هاني كيف فرضت الأزمة عليه ورفاقه جدولاً للعمل بالتناوب: "كنا حوالي 18 شخص في محلين جنب بعض شغالين زي النحل، دلوقتي إحنا 5 أو 6، وبقالنا حوالي شهر ونص ثلاثة أرباع العاملين قاعدين في البيت، شوية يشتغلوا في اليوم والباقيين أجازة، أو تتقسّم إحنا ساعتين وهما ساعتين، وأوقات كله بيبقى أجازة".

لم يُضطر أحمد الأسيوطي، صاحب مقهى "الأسيوطي" بشبرا، إلى تسريح العمال، وإن شكا من الأزمة نفسها "السكر غالي وناقص في السوق كله، ده اللي كنت لحد شهرين فاتوا بشتريه من الشركة بـ5 جنيه، ودلوقتي فيه ناس بتبيعه بـ9 و10".

ويتهم نقيب العاملين بالصناعات الغذائية خالد عيش بعض المصانع باستغلال أزمة السكر، "لتفتعل أزمة وتستغني عن العُمال"، قائلاً: "لو موقف المصنع سليم وما يختزنه من سكر بفواتير سليمة، لن يتعرض لأي مشكلات، لكن بعض المصانع تتذرع بالأزمة للتخلص من العمال".

ووفقًا لنشرة الأسعار الشهرية، التي تصدرها هيئة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة "فاو"، ارتفع سعر السُكر عالميًا، في سبتمبر/ أيلول الماضي، بنسبة 6.8% عنه في أغسطس/ آب الماضي، لأسباب تتعلق بسوء الأحوال الجوية في البرازيل، وقرارات خفض الإنتاج في الهند، أكبر دولتين مصنعتين للسُكر.

عسل أسود

يشير هاني عصام إلى ثلاجتين فارغتين تمامًا قائلاً "مفيش بضاعة، التلاجات فاضية. ولو الأزمة دي استمرت شهر تاني بالظبط، المحلات كلها هتقفل".

ثلاجة فارغة بأحد محال الحلويات بالمرج تصوير صفاء سرور- خاص للمنصة

حتى لا يلاقي هذا المصير، قرر أحمد مصطفى- صاحب مخبز بالمرج- استبدال العسل الأسود بالسكر رغم مُشكلاته: "العسل الأسود بيطلّع العجينة غامقة، والناس بتشتكي، خاصة وإن حجم المخبوزات قل، لأن الدقيق غالي، وكذلك الزيت والسمن والسكر والخميرة، مش عارفين نشتغل ولا نلم تمن المونة (الخامات)".

فواتير مضاعفة وسلعة غائبة

"قللنا حجم العيش والباتيه، حتى الكيكة قللتها للنص، علشان أفضل أبيعها بجنيه، ماقدرش أبيعها باتنين جنيه، الأطفال عايزينها ومش معاهم".

صاحبة مخبز شبرا بالاس

"المونة" ارتفعت أسعارها، وفقًا لتأكيدات أكثر من مصدر، منهم "عجايبي" الذي يقول "الفاتورة الشهرية للخامات اللي كنت بجيبها وفيها السكر بـ4 آلاف جنيه، دلوقتي بجيبها بـ8 آلاف ومن غير سكر. كل الخامات غليت، حتى الزبيب، ده الملبن زاد الضعف من قبل أزمة السكر؟ ده كمان بنستورده؟".

أما "شادية" فتعلنّ صراحة ما لجأت إليه- على مضض- من إجراءات: "بطلت أعمل جاتوه، ورفعت سعر البقسماط اتنين جنيه من 16 لـ18، والفينو كنت ببيع 4 أرغفة بجنيه، خليت 3 بجنيه"، وتتدخل شريكتها قائلة "قللنا حجم العيش والباتيه، حتى الكيكة قللتها للنص، علشان أفضل أبيعها بجنيه، ماقدرش أبيعها باتنين جنيه، الأطفال عايزينها ومش معاهم".

في يونيو/ حزيران الماضي؛ أعلن وزير الزراعة عصام فايد أن إنتاج مصر من السكر تخطى 2.2 مليون طنًا، وتحقق الاكتفاء الذاتي منه بنسبة 77%، فيما ذكرت وكالة رويترز للأنباء أن مصر تستورد سنويًا مليون طن سكر، وهو ما عجزت عنه البلاد هذا العام لارتفاع سعر الدولار.

"مفيش مشكة سكر"، بتلك العبارة علق صلاح العبد، عضو مجلس إدارة الغرفة التجارية بالقاهرة، ورئيس شعبة الحلويات بها لـ"المنصة" على شكاوى من شُح السلعة قائلاً: "إحنا المصريين اللي بنعمل أزمة من لا أزمة، كل بيت فيه سكر يكفيه دلوقتي 5 أو 6 شهور. فيه أزمة سكر وأنا في بيتي 4 أو 5 كيلوات سكر، أجري أجيب 10 كيلو، طيب ليه؟ ولازمتها إيه؟ طبعا الدنيا بتولع، لكن أصلاً السكر موجود وما شاء الله وزارة التموين وجميع الأقسام جنبها عربيات بتوزع سكر، بس هو سلوك مواطنين".

كفاف يومنا

يسعى الحلواني عصام، الآن، جاهدًا للحصول على كفاف يومه "بنعدي على كذا محل بيبيع سكر حر، ممكن نقف 10 أشخاص علشان كل واحد ياخد 2 كيلو علشان نعرف نشتغل، خلاص مفيش الطن والنص طن، يعني المحل بيضطر يشتغل بـ15 كيلو سكر بس".

"أنا لفيت امبارح على العمارة اللي إحنا فيها دي، علشان أجيب سكر من السُكان، وكل واحد من العمال جاب سكر من بيته علشان نمشّي الشغل".

صاحب مقهى بميدان أحمد حلمي

مثله تمامًا، سعت شادية وشريكاتها خلف السُكر، لدرجة قطع مشوار من شبرا للسيدة زينب، في سبيل الحصول على 3 كيلوات فقط من سلعة، كانت تشتري منها حتى وقت قريب، زِنَة أجولة: "مش ممانعة أقف، لكن يكون موجود ويدوني، ومايكونش في منطقة واحدة زي السيدة زينب، لأ في جميع المناطق عربيات، ولما الحكومة تقول إنها صادرت سكر، تنزل تبيعه للناس".

أما أغرب الحلول، فلجأ إليها عمال أحد مقاهي شارع أحمد حلمي، كما حكى أحدهم- طلب عدم ذكر اسمه- "أنا لفيت امبارح على العمارة اللي إحنا فيها دي، علشان أجيب سكر من السُكان، وكل واحد من العمال جاب سكر من بيته علشان نمشّي الشغل".

في المقابل، طرح "صلاح العبد" حلاً آخر، قائلاً إن "جميع مصانع الحلويات يمكنها صرف حصة من الشركة القابضة، بعد التقّدم بطلب للغرفة التجارية، لتُصَدّق عليه". لكنه يرهن قبول الطلب بأن يكون مُقدمه صاحب سجل تجاري، وعضو في الغرفة التجارية، مُسددًا اشتراكاتها، ويمتلك محل عمل بالفعل، وبرر ذلك بقوله: "علشان نلغي المحتكرين، مش كل من هب ودب نصرف له".

 مواطنون يتسابقون لنيل كيس سكر - الجزيرة 

شبح المحاضر

يؤرق نقص السُكر أصحاب المخابز ومحال الحلويات، لكن ما يخيفهم هو توفرّه في ظل تعامل السلطات معه الآن كسلعة قابلة للمُصادرة: "لو لقوا معاك سكر بيقفلوا المحل ويعملولك قضية"، يقول الحلواني هاني عصام.

وأعلن رئيس الوزراء، الإثنين، أن حملات السكر على المصانع والمخازن خلال الفترة الماضية، انتهت إلى ضبط 9 آلاف طن، بينما شكا تُجار لوكالة "رويترز" من أن ارتفاع سعر السلعة بنسبة 50% عن العام الماضي مع ارتفاع سعر الدولار؛ جعل مساعي المستوردين للحصول عليه مُكلفة وخطيرة"، ملقين باللوم على الحكومة في الأزمة بسبب "تضارب تصريحاتها".

"دي مشكلة، بنبقى قاعدين مرعوبين إن أي حد ييجي يعملنا مشكلة، يعني ولا عارف أجيب سكر اشتغل بيه ولا أي خامات، مع إننا شغالين حر مش مُدعم"، يقول أحمد مصطفى، الذي زاد عبئه بقلة إقبال الزبائن: "أصلهم بدأوا يستغنوا حتى عن الأساسيات، ويلجأوا للعيش البلدي لساندوتشات المدارس بدل الفينو. لا الناس عارفة تشتري ولا احنا عارفين نبيع".

مخاوف هاني وأحمد وغيرهما، دفعت منذ يومين فقط صاحب شركة لإنتاج الحلوى إلى وقف العمل في 3 مصانع له، بعد 16 عامًا من الإنتاج، بعد تردد أنباء مصادرة سكر "إيديتا"، وفقًا لما ذكره تقرير لصحيفة "الشروق".

يبدي رئيس شعبة الحلويات بغرفة القاهرة تعاطفًا مع تلك الشركات، بقوله "دي شركات عندها سكر مشترياه بفواتير رسمية، والأمر موكول في الآخر للنيابة التي ستصدر قرارها، لكن لما أكون شركة حلويات ومشتري سكر علشان استخدامي، ليه يتاخد مني؟ مفيش أزمة، القفل (غلق الشركات) هو اللي هيعمل أزمة"، لكنه في النهاية يُصر على رأريه بعدم وجد أزمة "ماقدرش أقول إن فيه أزمة، السكر موجود".