مُتَرجَم | زادي سميث تكتب عن أحمد ناجي: الضحك في لحظة مظلمة

يكتب ناجي في "استخدام الحياة": "يُهيأ لي أن القرف الداخلي ليس سوى انعكاس للقرف الخارجي، أو ربما العكس لكن في كلتا الحالتين فهذا القرف يتسلل داخل روح الجميع ويفسدها". ولكن بدليل كتابته نفسها فـ "القرف" لم يتسلل إلى ناجي، ولا حتى في زنزانته.

زادي سميث
ترجمة عن نيويورك ريفيو أوف بوكس


سمعت باسم أحمد ناجي لأول مرة في مأدبة العشاء التي نظمتها جمعية "الشعراء وكاتبو المقالات والروائيون" PEN في الربيع الماضي. رفعت عيناي من على طبق الحلوى لأرى صورة كبيرة لشاب مصري، أقرب للوسامة، ذو مظهر فاسق قليلًا، يحمل شارب شبيه بشارب بيرت رينولدز، ويرتدي قميص "نهرو" فاخر، على وجهه شبه ابتسامة تشير إلى شخص مسلّ ويتسلّى بسهولة. علمت أنه في الثلاثين فقط من عمره، وكتب رواية باسم "استخدام الحياة"، وبسببها يقضي في السجن حكمًا لمدة عامين.

فكرت أن عنوان الكتاب جيد، وهي فكرة يسهل أن تراودك في هذه اللحظة ولكنها ما فكرت فيه. أعجبت بالصدى الذي يحيل إلى كتاب جورج بيريك: "الحياة: دليل المستخدم"، وجمال ذلك، وأظن أنني رأيت في صورة ناجي شيء غريب وجريء، لا يختلف عما تراه عندما تنظر لصور بيريك. يمكنك أن تدعو ذلك حكمًا على كتاب من غلافه: ولكني فكرت في ذلك باعتباره إحساس لقاريء يشعر بأن هذا الكتاب سيعجبه. إذا كان ألّف كتابًا بعنوان "طواويس في ضوء القمر"، وصُوِّر صورة من نوعية صور الكتاب الذين يضعون رؤوسهم على قبضة يدهم، كنت سأشعر بالفزع والحزن لمعرفة أنه تعرض للسجن، ولكن ربما لم أكن سأحب أن أقرأ الكتاب.

بينما تراودني تلك الأفكار غير الجدية، لخّص لنا الواقفون على المسرح محتوى الرواية تقريبًا. بدت الرواية مثيرة للاهتمام، هي نوع من الهجين الأدبي، إذ أن بعض فصولها مرسوم كأنها رواية مصورة، مع حبكة هزلية تتعلق بقاهرة ديستوبية، ولكن المحتوى الجنسي في الرواية هو الذي أدى بالكاتب إلى السجن. على الرغم من أن جهاز الرقابة المصري أجاز الرواية، شعر "مواطن مهتم" يبلغ من العمر خمسة وستين عامًا بالإهانة، عقب قراءة جزء من الرواية في جريدة "أخبار الأدب" الأسبوعية. رفع المواطن دعوى أمام القضاء المحلي، الذي اتهم ناجي ورئيس تحرير الجريدة الأسبوعية بـ "خدش الحياء العام". (لم يتعرض رئيس التحرير للسجن ولكنه دفع غرامة). بالنسبة لي كان هناك شيء بشع، ولكنه أيضًا يحمل بعض الكوميديا السوداء؛ متعلق بفكرة القاريء الذي لا يكتفي بالتعبير عن عدم إعجابه بكتابك، وإنما هو يسجنك بسببه، وذلك على الرغم من أن التركيز في مأدبة العشاء كان عن بشاعة الموقف وليس على الجانب الساخر فيه. ولكن عندما عدت إلى المنزل في تلك الليلة، وجدت حوارًا على الإنترنت مع ناجي لم يفقد فيه الكاتب تمامًا إحساسه بعبثية الموقف:

"استمتعت جدًا بالتصريح الدرامي للقاريء صاحب الدعوى. قال للنيابة إنه يشتري الجريدة بانتظام من أجل بناته، ولكن في هذه المرة، دَخَلَت عليه زوجته الغرفة وجعلته يقرأ الفصل المنشور، وانتقدته لأنه يُحضر تلك الكتابات إلى منزلهما. قال المدعي إنه (حدث له اضطراب في ضربات القلب، وانخفاض حاد في ضغط الدم) بينما كان يقرأ الفصل".

بدا ناجي أيضًا يشعر بتسلية كئيبة في الشهور التي احتوت على الجدل اللغوي الذي قاد إلى محاكمته، وحاول القضاة من خلاله أن يفصلوا الأدبي عن غير الأدبي (المقال)، وحددوا في النهاية أن الجزء المنشور هو في الحقيقة عبارة عن مقال، وبالتالي هو عرضة للمحاكمة باعتباره نوعًا من الكشف الشخصي:

"وفقًا لتحقيقاتهم وأوراقهم الرسمية، روايتي تعتبر اعترافًا بممارسة الجنس مع السيدة ملعقة (إحدى شخصيات روايتي)، بداية من تقبيل رُكبَها وحتى نزع الواقي الذكري. اعترضوا أيضًا على استخدامي لكلمات مثل (كس، زبر، لعق، مص)، ومشاهد تدخين الحشيش. المثير للمفارقة هو أن الفصل يتحدث عن الأيام السعيدة في القاهرة، في مقابل أيام الفقد، والحصار المهيمن على الفصول المتبقية. هذا الفصل تحديدًا هو محاولة لوصف ما يمكن أن يبدو عليه اليوم السعيد لشاب مصري في القاهرة، ولكن ربما تبدو الحياة السعيدة مثيرة للاستفزاز بالنسبة للمدعي العام".

بدا هذا مثيرًا للاهتمام بشكل أكبر. بعد عدة أيام استطعت أن أتواصل مع صديقة أحمد ناجي وأحيانًا مترجمته منى كريم، التي أرسلت لي نسخة "بي دي إف" من رواية "استخدام الحياة" (بترجمة بن كيربر) لأقرأها على الكيندل. تبدأ الرواية بجملة جميلة من لوكريتيوس، ورأيت حينها أن حس القرابة السطحي الذي شعرت به من قبل له ما يبرره: "الولادة تتكرر من شيء إلى شيء، والحياة لا تُعطى لأحد كملكية وإنما كاستعمال". وبينما أكملت القراءة، صار لعنوان الرواية صدى مختلفًا مجددًا، لأننا هنا أمام كاتب لا يرضى فقط باستخدام عنصر أو اثنين من الحياة، لا، هنا كاتب أراد أن يستخدم كل ما في الحياة:

"في شهر سبتمبر بدأ سكان المدينة يفيقون من صيف الصدمات، حيث حدثت مجموعة من الهزات والزلازل أصبح تُعرف بعد ذلك بـ (الزلزال العظيم) الذي نتج عنه تهدم نصف المدينة، ثم سلسلة من التشققات الأرضية ابتلعت شوارع كاملة، وأصابت مجرى نهر النيل بتحورات مفزعة، الأمر الذي نتج عنه اختفاء جزر كاملة على رأسها جزيرة الزمالك. التصدعات ضربت الأهرامات ولم ننجح في إنقاذ الهرم الأكبر الذي تحول إلى ركام من الحجارة المتناثرة، ما تبقى من تراث، حضارة، عمارة، أرشيف موثق رسمي أو شفهي على هذه الأرض كل هذا كان مصيره أسوأ حتى من مصير الأهرامات التي سقطت من جرّاء الزلزال العظيم وطُمرَت تحت بحور الرمال".

هنا نرى الأسلوب الملحمي – الترميز الرائع للبؤس السياسي القائم – ولكن يليه مباشرة وبشكل غير متوقع الأسلوب الحميمي والعابث والهزلي:

"... أكمَلَت لف الجوينت. سوّت أطرافه ثم برمته، صنعت في نهايته طربوشًا صغيرًا. تناولت الولاعة وأحرقت الطربوش. في العتمة بدا كأنه يحترق ببطء لكن بمتعة. شعرت بحكة خفيفة على طربوش زبي، وبرغم ذلك هرشت في شعر العانة".

الفتاة المذكورة هي "موني مي" وهي امرأة صعبة المراس. السارد شاب يعيش في دولة فاشلة، ولكنه أيضًا مجرد صبي يعشق امرأة (أكبر منه قليلًا) وتزعجه: "نظرت لوجهي في المرآة. وطرحت على نفسي السؤال بشكل جدي... لماذا أنا هنا؟ إذا كنت أتحمل كل حذلقتها وحماقاتها وهلاوسها ومخاوف وهواجس أزمة الثلاثينات التي تمر بها، فما المقابل؟... على الأقل حتى لو كنت أحبها وما زلت شغوفًا بها فلا يوجد معنى لوجودي هنا، حيث أن وجودي يسبب خللًا في عالمها". القلق والحب والجنس والقضبان الذكرية بالإضافة إلى الرسوم، التي على الرغم من أنها لم تكن موجودة في نسخة الـ "بي دي إف"، أرضيت نفسي بقراءة أوصافها الجذابة: "بقايا الخراء العالقة بأجسامنا سببت تشوهات. أدت لتدهور العلاقات الزوجية ثم الوفاة". "استخدام الحياة" رواية متمردة عن دولة فاشلة، ومدينة فاسدة، وسلطة منافقة، ولكنها أيضًا عن كؤوس التيكيلا وممارسة الجنس وتدخين الحشيش مع صديقتك المثيرة للحنق، والجدل حول ما إذا كانت موسيقى الروك انتهت في السبعينيات، أو إذا كان كوينتين تارانتينو عبقريًا أم مدعيًا. إنها كتابة تخص شاب، يصطدم شبابه بلحظة مظلمة من التاريخ.

خفّة ناجي التي لا تُحتَمَل

في مواجهة قمع الدولة، يكتب بعض الكتاب مثل سولجنتسين، أما الآخرون من أمثال ناجي، فيجدون نَسَبهم في أشباه نابوكوف وميلان كونديرا، وهم الكتاب الذي حافظوا على غريزتهم التي تنزع للخفة واللذة غير المحتملين

في محاولة لجذب اهتمام أكبر لقضية ناجي، ترجمت منى كريم مؤخرًا ثلاث قصص قصيرة جدًا لموقع "PEN". ونشروا واحدة وهي "نبتة" التي تبدأ كالتالي:

"لن آتي من الباب ولا النافذة.

بل نبتة صغيرة لن تلاحظيها بالعين المجردة.

سأنمو يومًا بعد يوم بسبب صوت غنائك وإيقاع تنفسك في الليل. نبتة صغيرة لن تلاحظيها في البداية تنمو أسفل سريرك.

من الباب إلى الفراش، إلى الحمام، إلى الدولاب، إلى الوقوف أو الجلوس أمام المرآة. في كل تلك الأفعال صوت دندنتك بالموسيقي والأغاني سأنمو. نبتة صغيرة خضراء. أوراقها العريضة النحيفة ستتسلل من تحت فراشك".

قرأت هذا الصوت في البداية باعتباره روح للمقاومة المختبئة، ثم كأساس للدكتاتورية المهيمنة، ثم عدت إلى المقاومة مرة أخرى. القصة غير المنشورة الأخرى كانت بعنوان "سيارة الإسعاف" وبدأت كالتالي: "كانتْ تمص زبري، ثم توقفتْ وسألتني ما إذا كنتُ قد أعطيت الجدة الدواء". والثالثة غير المنشورة أيضًا كانت بعنوان "عادي"، وبدأت بهذه الطريقة: "صادف ذات يوم أنني كنتُ عائدًا في وقت متأخر إلى 6 أكتوبر، حينما ظهرتْ لي فَجْأَة شرموطة عَاملة بالزي الرسمي، عباية سوداء دون طرحة، بل شعر أسود تسقط منه (قُصة) على جبينها، وتَحمل بالطبع حقيبة ضَخمة جدًا ذات لون فسفُوري".

بدت منى متحيرة قليلًا لأن PEN اختارت قصة واحدة من القصص الثلاث، ولكني كنت متفهمة لذلك. الكاتب المسجون يمثل قضية جادة جدًا ولا ينبغي أن يُعامَل بخفة، لذلك يجد الناشط نفسه في موقف صعب عندما يكون الكاتب محط الأنظار تعبيرًا عن الخفة نفسها. سرد ناجي يواجه صراحة ما يحدث عندما يتقابل شاب غير جاد بشكل أصيل ومفرط الشهوانية مع نظام سلطوي وجاد تمامًا، يقوم بعملية هدم ذاتي. هذا حظ تاريخي سيء جدًا، ومن نوع لم أعانٍ منه قط. إنه أمر وحشي، وعبثي.

ولكن الأمر الذي لا ينبغي أن نتجاهله هو حقيقة أن العقاب لا يناسب الجرم، فالسجن في هذه اللحظة في القاهرة، هو رد فعل عبثي على كتابة كلمة "كس". في لحظة تاريخية أخرى، أو هذا هو ما تخيلته، سيشارك أحمد الشاب في عشاء PEN، ويجلس إلى جانبي، قادمًا من القاهرة في رحلة قصيرة ليقابل أصدقاءه الكتاب في حي بدفورد ستايفسنت، وربما سيشعر ببعض الضجر من الخطابات الرصينة، ليتسلل إلى وراء المتحف الذي يقام فيه العشاء ليدخن سيجارة، ثم يعود مرحًا في وقت مناسب ليشاهد أديبًا عظيمًا لا يحترمه وهو يصعد على المسرح ليتسلم إحدى الجوائز. على أي حال هذه هي الروح التي وَصَلْت لها من روايته: شخص مشاغب ورائع، ممتليء بالشباب والطاقة والخفة. في مواجهة قمع الدولة، يكتب بعض الكتاب مثل سولجنتسين، أما الآخرون من أمثال ناجي، فيجدون نَسَبهم في أشباه نابوكوف وميلان كونديرا، وهم الكتاب الذي حافظوا على غريزتهم التي تنزع للخفة واللذة غير المحتملين، للجنس والحب، للمشاغبة والبهجة، في مواجهة ضيقي الأفق العنيفين الممتعضين دومًا.

يكتب ناجي في "استخدام الحياة": "يُهيأ لي أن القرف الداخلي ليس سوى انعكاس للقرف الخارجي، أو ربما العكس لكن في كلتا الحالتين فهذا القرف يتسلل داخل روح الجميع ويفسدها". ولكن بدليل كتابته نفسها فـ "القرف" لم يتسلل إلى ناجي، ولا حتى في زنزانته. كان ناجي جزءًا من نهضة إبداعية عظيمة في القاهرة، يشترك فيها روائيون وشعراء وكُتاب قصص مصورة شباب، وربما الأوضح بينهم هم فنانو الجرافيتي، الذين حولوا جدران المدينة المتزايدة إلى معارض للتظاهر السياسي والتعبير الفني. منذ عام 2014 قَمع الرئيس السيسي هذا المجتمع، وذلك بفرض قيود جديدة على الصحافة، وبالقيام باعتقالات متعددة للفنانين والكتاب، رغم أن الدستور المصري يضمن كلا من الحرية الفنية وحرية التعبير، حوكم ناجي وفقًا للمادة 178 من قانون العقوبات التي تجرّم: "المحتوى الخادش للحياء العام".

رُفضَت الاستشكالات لوقف حبس ناجي، ونُظِر في آخر طعن على الحكم في 4 ديسمبر (تم تأجيله إلى 18 ديسمبر). إذا قرأت المقال وشعرت بالتأثير غرّد على هاشتاج #FreeNaji ، وفي أي موقع تواصل اجتماعي يناسبك. وقّع مئات من الفنانين والمثقفين المصريين عريضة دعمًا لناجي، ولكن هناك أيضًا أصوات عالية تشعر أن مثال ناجي لا ينبغي أن يُستخدم في الدفاع عن "حرية الأدب"، لأن كتابته لا تعتبر أدبًا حقيقيًا، لأنها غير جادة على الإطلاق. بالتأكيد رواية "استخدام الحياة" ساخرة وجنسية وجريئة، هي عمل لشاب غاضب، وعلينا أن ندافع عن حريته بما هي عليه. عرفت من رواية ناجي أن المرء "يخاف حينما يقع في الحب في مدينة كالقاهرة من السيناريوهات البسيطة، لا يمكنك مثلًا أن تتقدم نحوها وتعترف (موني مي لقد وقعت في حبك). عبارة مثل هذه كفيلة بنسف كل خطط وأحلام المستقبل". هنا في نيويورك، لن توقعك تلك الكلمات في المشاكل، حتى الآن. إذن ما الذي سنجرؤ على كتابته إذا صار هذا واقعنا؟