يوم اللي اتغير عالم "كِلنا سوا"

سوريا الأن تطبق ما قيل بـ"إذاعة كلنا سوا" حرفيًا، كلمات الألبوم بدا أنها تتنبأ بالربيع العربي وثوراته، وما لاقته تلك الثورات الاجتماعية السياسية من فشل أو نجاح.

"عندنا توجهات مختلفة وفي الأفكار مختلفين. نحن شبه سوريا، لكن نظل كلنا سوا. حتى وإن بعدنا نتابع أخبار بعض"

هذه الجملة جاءت في حوار أجرته إذاعة مونت كارلو الدولية مع أيهم العاني عضو الفريق الغنائي السوري "كِلنا سوا".

في هذه الجملة، يلخص الفنان السوري الشاب تجربة الفريق الغنائي الذي صار الآن ذكرى، والذي تجسد فيه تنوع المجتمع السوري وثراؤه قبل أن تمزقه الحرب الأهلية، التي تورطت فيها البلاد بعد محاولة للثورة السلمية على النظام السوري الذي بادر للعنف، ليتحول المسار السلمي للثورة إلى حرب أهلية عنيفة صارت مركزًا للصراعات الدولية والحرب بالوكالة. ومع تمزق البلاد؛ تمزق الفريق الغنائي، الذي تحكي سيرة صعوده وتفككه قصة تمزق سوريا- قلب الشرق.

كلنا سوا من البداية

كِلنا سوا هو فريق سوري تأسس عام 1995 من مجموعة من الطلاب في جامعة دمشق من المغرمين بالموسيقى والغناء. جمعهم الاهتمام بالغناء الغربي وموسيقى الروك.

تميز الفريق من البداية بكونه مفتوحًا لانضمام كل من يرى في نفسه موهبة، إذ انطلق أعضاؤه من فكرة الرغبة في أن يكون هذا الفريق جامعًا لكل ما تمثله سوريا، وحاضنًا لتنوعها الثقافي والبشري، ومن هنا يأتي اسم الفريق "كلنا سوا".

تكوَّن الفريق من 12 موسيقي أساسيين هم إياد الريماوي (جيتار وصوت) وأيهم العاني (جيتار وصوت) وبشار موسى (صوت) وسونيا بيطار (صوت) وحازم العاني (بيانو) ومروان نخلة (كيبورد) ورافل حفار (باص جيتار) ونزار عمران ونادر عيسى (نحاسيات) وسيمون مريش وناصر حمدى (إيقاع) وكنان العظمة (كلارينت).

أصدروا ألبومهم اﻷول بعنوان سفينة نوح في 1998 بعد ثلاثة أعوام من البدايةالرسمية للفريق، وبعدها بعام واحد أعادوا إصدار الألبوم نفسه بتوزيعات جديدة للأغاني، بالإضافة لمجموعة من اﻷغاني الجديدة، وصدر تحت اسم "شي جديد".

ونظرًا لنجاحهم الكبير تعاقدت معهم شركة EMI Music العالمية لإصدار ألبوم يحمل اسم الفريق، ومكنتهم من لعمل ألبوم كلنا سوا وسهل لهم التعاون الجديد القيام بسلسلة من الحفلات في الأردن والمغرب ولبنان ودول أخرى، وحققت جولتهم الأولى نجاحًا كبيرًا. وفي عام 2003 كان أنتجت لهم الشركة العالمية نفسها ألبوم "موزاييك" وواصلوا بعده سلسلة حفلاتهم الناجحة إلى أن كان ألبومهم الأخير "إذاعة كلنا سوا (المستمرة دائمًا)" الصادر في 2008 إيذانًا بالنهاية.

كِلنا سوا نغني التراث


شكلت كِلنا سوا شخصيتها بعد تأثرها بالغرب في البدايات، وظهر هذا في تقديم الفريق للعديد من الأغاني الأجنبية، قبل أن يلتفتوا إلى التراث السوري والعربي، لينتجوا من خلاله أغنيات تنطلق من خلفياتهم وهموم أعضاء الفريق الشخصية. وظهر هذا في أربعة أغنيات تراثية أعادوا تقديمها وهي "نزلن على البستان" من التراث الأردني، وإن كان أعضاء الفريق ظنوها تراثًا عراقيًا عندما بادروا لغنائها. وغنوا من التراث السوري "عالمايا" ومن التراث الجزائري "نجمة قطبية"، ومن التراث الفلسطيني -مع إضافة بعض الكلمات- كانت "وين ع رام الله".

في تلك الأغنيات تجد شخصية كلنا سوا واضحة في التوزيع الذي يعكس رؤية الفريق العصرية ودمجهم للعديد من الآلات الحديثة مع الآلات التراثية التي صنعت روح تلك اﻷغاني.

تأثرهم بالغناء الغربي ظهر كذلك في تكامل عمل الفريق، فكل عضو من أعضاء كلنا سوا ظل له دور في الكتابة واللحن والتوزيع، في روح غالبًا ما تغيب عن فرق الغناء العربي.

هذه الروح سخر منها الفريق في الكليب الخاص بأغنية "وين ع رام الله"، التي أظهروا فيها المكائد والغيرة الفردية التي تفسد عمل الفرق الغنائية العربية، والعمل العربي المشترك عمومًا، وإن جاءت رسالتهم خفيفة الظل وأسهمت في نجاح الأغنية على المستوى العربي.

يوم اللي تغير العالم

ما حدا منا قدر يفهم

كلنا سوريا

سوريا الأن تطبق ما قيل بـ"إذاعة كلنا سوا" حرفيًا، كلمات الألبوم بدا أنها تتنبأ بالربيع العربي وثوراته، وما لاقته تلك الثورات الاجتماعية السياسية من فشل أو نجاح.

ربما لا يصدق أعضاء الفريق أنفسهم قدرتهم على التنبؤ التي ظهرت في هذا الألبوم. ومن كتاباتهم على الشبكات الاجتماعية وتصريحاتهم الإعلامية، بدا أن لديهم شعور متناقض، يتأرجح بين الفخر بانجازهم الموسيقي في هذا الألبوم وبين الندم على ما خطّوه من كلمات. كتب أيهم العاني في التعليق على إحدى أغاني الألبوم على يوتيوب: "ليتنا كتبنا فى حب سوريا أكثر من النزاع السياسي، والهموم". كان المقصود فى الألبوم وقتها هو الحصار والحرب في العراق وتفجير برجي التجارة بأمريكا لكن الألبوم جاء معبرًا عن قضايا أكبر من ذلك.

يعتبر ألبوم إذاعة كلنا سوا تجربة فريدة فى الغناء العربي، ومثال حقيقي للموسيقى البديلة، فهو واحد من ألبومات عربية قليلة يمكن تصنيفها ضمن الفن المفاهيمي concept art، فهو يشبه تجارب كألبوم الجدار The wall لبينك فلويد الذي يدور حول أفكار العزلة والانزلاق للجنون.

وكما امتد نجاح ألبوم الجدار ليصبح فيلمًا سينمائيًا ناجحًا، سعى فريق كلنا سوا لتحويل ألبومهم الأخير إلى فيلم يمثل فيه أعضاء الفريق بشخوصهم الحقيقية، يحكي عن أحداث سبتمبر 2001، وكذلك العدوان على لبنان 2006. لكن بعد عام 2011 وما شهدته سوريا، توقف المشروع تمامًا، فقد صارت كلمات وأفكار الألبوم واقعًا يوميًا في بلد الفريق.

اشترك في هذا الألبوم/ العمل الإذاعي أكثر من 20 فنان من غير أعضاء الفريق الأساسي، انطلاقًا من سعيهم لأن يعبِّر الألبوم عن حالة التنوع السوري ويعكس تعدد الطوائف واختلافاتها، ما احتاج إلى فريق عمل كبير ذي خلفيات متنوعة.

شباكك مطفي


بسمة جبر واحدة من المشاركين في الألبوم من غير أعضاء فريق كلنا سوا، كان هذا الألبوم هو بدايتها الحقيقية إذ قدمت فيه أغنيتين ناجحتين هما "شباكك مطفي" و"عم جرب".

لم تنس بسمة رغم هجرتها للنمسا ما منحه لها فريق كلنا سوا، فتكتب باستمرار عن اشتياقها لأعضائه. وقدمت العديد من الأغنيات التي كتبها ولحنها أعضاء كلنا سوا كأغنية "بياعة الزنبق" التي كتبها وشاركها الغناء فيها إياد الريماوي.


فاصل مع الربيع العربي

ما تشهده مصر الآن هو رجع صدى لما شهدته سوريا قبل ثورتها التي استحالت حربًا أهلية.

تستعرض أغنيات الإذاعة الهموم العربية بشكل عام، لكن أغاني الألبوم يمكن عرضها كتعليق على أحداث ما بعد الربيع العربي دون تعديل يذكر. في أغنيتهم الأخبار يقدم أعضاء الفريق نموذجًا لما ظلت - وربما ستظل عليه- وسائل الإعلام العربية، حيث الأخبار ذات المصدر الواحد والرواية الواحدة التي تتردد وتسود، لتعتم على ما ينافيها من روايات ومعلومات: "المجزرة منقولة الليلة على بيتك بالقمر الصناعي"، وحيث ترتبك المفاهيم وتختلط، وتُستخدم الكلمات لتطبع في أذهان المتلقين صورًا محددة لما عليه الخير والشر والبطولة والجريمة: "أنا إرهابى لكن طيب"، وهي الأغنية التي لو أصدروها الآن في دولة نعرفها جيدًا لصارت دليلاً ضدهم وحجة عليهم، ولعدتها السلطات الأمنية اعترافًا منهم بممارسة الإرهاب.

في مصر الآن عشرات متهمون بجرائم تتعلق بالإرهاب بناء على التحريات الأمنية وحدها ودون أدلة إضافية. ما تشهده مصر الآن هو رجع صدى لما شهدته سوريا قبل ثورتها التي استحالت حربًا أهلية، ما جعل كلنا سوا يغنون:

خافو من صوتي وخافو من الحقيقة.. إذا فني هلأ صار يخليني إرهابي.. رح غني بأعلى صوتي.. أنا إرهابي

احتضار

بعد انعطاف الثورة السورية نحو العنف في 2011 ومع حضور الإرهابيين الحقيقيين في المشهد، اختار إرهابيو كلنا سوا الطيبون مقاعدًا على الطائرات المغادرة لسوريا، متفرقين بين بلدان اللجوء "كل يوم بقول إنه بكرة رح يكون أحسن بشوي"، أو على الأقل إن لم يكن فالتمني أن يكون"اسوأ بشوي.. بيكفي شوي".

قبل نهاية الفريق، وفي أﻷبومهم الأخير، امتلأت أغنيات الإذاعة بكلمات "الحرب والزناد وحقوق الإنسان والأرض والإرهاب والعسكر ومجرم الحرب"، كأنها إنذار لسوريا أو نبوءة باحتراق البلد بينما يفتش "عبد العظيم السلطان العادل" وسط الأنقاض عن أعدائه الإرهابيين: "ما عدنا نعرف الإرهابي مين"، في بلد وصلها العسكر لكن "الحرية صارت قدر"، قد يتحقق بالثورة أو بانتخابات الإصبع البنفسجي الذي يتلاشي حبر ديمقراطيته في هدوء الاستسلام.

عم بيقولو بالإذاعات كرمال عيون الزعامات.. رح منساوي انتخابات حتى لو بسببها مات واتدمر كل شي

النبض الباقي

إياد الريماوي 

رغم غياب أكثر أعضاء الفريق بعد اندلاع الحرب الأهلية السورية؛ بقي إياد الريماوي متمسكًا بحلمه الموسيقي.

إياد الريماوي كان من أهم أعضاء الفريق، فهو يشارك فى الكتابة واللحن والتوزيع بالإضافة إلى الغناء. وهو من بين أقلية في الفريق ظلت بسوريا إلى الآن، ولا يزال يعمل وينتج الموسيقى من الاستديو الخاص به، ويقدم حفلات في الأوبرا السورية. لكن أعماله تحمل -بالطبع- اسمه منفردًا لا اسم الفريق.


يقوم إياد بتلحين شارات (تترات) المسلسلات السورية. ومن أبرز أعماله العراب ولعبة الموت وضبو الشناتي وصمت البوح وأوركيديا وحجر جهنم وغيرها الكثير. لكنه لا زال يقدم كذلك أعمالا بالتعاون مع من تبقى من أعضاء الفريق مثل أغنية بياعة الزنبق. وكذلك شارك فايا يونان فى أغنية شبابيك وشارك كارمن توكمه جى المقيمة بسوريا أيضًا العديد من الأغنيات وصارت تغنى معه بالحفلات بسوريا.

كتمت هواك زمانًا في الفؤاد وفي أنين الروح سرّ حكايتي.. وعن سؤال الناس عن صمتي لم أزل اجيب بالصّمتِ حتى باحَ صمتي

يعيش الريماوى فى سوريا على هذا المقطع الذى كتبه ولحنه، إذ يتجسد فيه حنينه لعالم ما قبل الحرب، والحلم الذي تأسس عليه فريق كلنا سوا بوحدة سورية حقيقية تنصهر فيها كافة الطوائف والاتجاهات الفكرية، وتتوحد على العمل من أجل وطن أكثر حريةً وتناغمًا يجمعه مشروع نهضة ورخاء. هذا الحلم يجد طريقه دومًا لموسيقى الريماوي، كما في مقطوعته الغفران التي يناشد فيها بني وطنه الغفران لبعضهم البعض حتى يتمكنوا من التعايش في وطن غير ممزق.

أصدر الريماوي ألبومين مع شركة سوني ميوزك العالمية هما حكايات من دمشق 2012 وسكون فى سوريا 2016. وحقق الألبومان مبيعات كبيرة. ولا شك أن تلك الموسيقى تنبئ عن أن الريماوي سيصير أحد أهم موسيقيي العالم العربي يومًا ما.

إلى جانب الأثر الذي تركه الفريق في مسيرة عضوه البارز إياد الريماوي، فهناك بصمة أخرى لا تقل في الأهمية تركها الفريق في سواه من الفرق الموسيقية السورية.

تمتلك سوريا قدرًا هائلاً من المواهب الموسيقية. ومع انطلاقة كلنا سوا المغايرة للموسيقى السورية السائدة، ظهرت العديد من الفرق التي نجحت في اجتذاب اهتمام الجمهور.

وبين فرق الأندرجراوند والموسيقى العربية البديلة؛ ظلت الفرق السورية تحمل تميزًا واضحًا، ورغم الحرب ظل صوت سوريا مسموعًا من خلال فرق مثلا إطار شمع الذي تميز بصوت رشا رزق وفرقة جين وغيرهم.

فرقة جين تأسست في عام 2005 وكانت تهدف لتكون فرقة روك تغني بالفصحى والعامية. ومن ضمن أعضائها حازم العاني أحد مؤسسي كٍلنا سوا. قدم الفريق ألبوم واحد فقط باسم جين


كنان العظمة عازف كلارينت كٍلنا سوا أسس في عام 2005 فرقة حوار، والتي أصدرت ألبوم حوار وتلاه فى عام 2007 ألبوم 9 أيام من العزلة، ثم عزف كنان بعدها مع بعض الفرق الأجنبية، وصار الآن عضوًا في فريق Silk Road Ensemble وفاز معهم بجائزة جرامى العالمية هذا العام عن ألبومهم Sing Me Home.


بشار موسى مطرب فريق كلنا سوا والمحب لكتابة أغنيات بالإنجليزية، كان ممن يحاولون إثبات أن الوسط الموسيقي السورى غني بالمواهب والإبداع. ففي عام 2006 قام بعمل ألبوم فردي بعنوان بلدي. تنوع الألبوم بين أغاني مكتوبة بالعربية وأخرى بالإنجليزية. كذلك ضم الألبوم أغنيات تعامل فيها بشار مع رفاقه في كلنا سوا مثل مروان نخلة وحازم العاني ونزار عمران.


بعد عام 2011 رحل كثير من السوريين إلى مختلف الدول، بطرق بعضها قانوني وبعضها غير منظم قانونيًا، وتكونت فرق جديدة ظلت رسائلها عن الإنسانية والتأثر بأحداث الربيع العربي. منها طنجرة ضغط وخبر دولة. واتخذت هذه الفرق موسيقى الروك للتعبير عن واقعهم، وتردد في موسيقاهم صدى "كلنا سوا".

كلنا وحدنا

كنت عضوًًا فى كلنا سوا ولكن صرت الآن وحدي، مثلما صار كل منهم وحده، حتى لو تم التعاون بين فردين منهم فى أغانٍ منفردة. كنت عضوًا لأن كلنا سوا ليس مجرد فريق يؤدي على مسرح أمام جمهور، بل هو والجمهور وحدة متكاملة في صناعة المنتج الفني؛ كلنا سوا نضع الموسيقى التصويرية لأحداثنا اليومية وكلنا نغنيها/نعيشها. وإلى الأن نغني في كل أنحاء العالم العربي عما نراه ونعانيه يوميًا من أحداث ونزاعات لا تتوقف، كما يقول الصحفي محمد أبو الغيط فى مقاله عن مقتل مسعد عزو الناشط الاعلامي السوري:

القصة مكرّرة من الجزائر إلى السودان، ومن اليمن إلى العراق، حين تصبح كل الخيارات الواقعية سوداء، تختار بين السيء والأسوأ، بين الموت برصاص عسكري وسيفٍ إسلامي، وبين ظلم الغريب وظلم القريب.

فى كل مكان الآن لنا شهيد، نغني له ونزفه حتى لو كانت موسيقانا حزينة، نفخر به وندق له طبول الزفاف.