أمنية تقوم بأعمال الإيتامين في منزلها - من تصوير زوجها

الهروب من نار الحكومة إلى جنة الإيتامين

"قعدة المكتب مش بتاعتي. مالاقتش نفسي فاستقلت ومشيت"

ثلاثة أعوام تقريبًا قضتها أمنية عمرو بعد استقالتها من وظيفتها الحكومية، مكتفية بدورها كربة منزل في الظاهر، لكن في داخلها كان هناك بحث لا يهدأ عن شغف يعوضها عن سنوات الوظيفة الضائعة، "قعدة المكتب مش بتاعتي. مالاقتش نفسي فاستقلت ومشيت".

في 2012، تقدمت أمنية عمرو باستقالتها من عملها في مكتبة الأسكندرية التي التحقت بها عام 2008 بعد سنوات من التفوق الدراسي. لكن الخلاص من الوظيفة لم يأت معه خلاص من الملل. صارت أمنية كملايين من ربات البيوت المصريات؛ غارقة في الروتين اليومي للبيت ورعايةطفليها، بينما ينشغل ذهنها بالبحث عن وسيلة لهزيمة الرتابة.

منذ تفكيرها في الاستقالة كانت أمنية تبحث عن خلاص من ملل التكرار، "كنت عاوزة أي تحدي أو مغامرة جديدة" بالإضافة للخلاص من تعقيدات العمل والتضييقات الآخذة في التزايد بدعوى "الحفاظ على الأمن". شعرت أمنية بعدم جدوى الاستمرار في العمل فتقدمت باستقالتها في خطوة مفاجئة بعد أربع سنوات فقط من تسلمها للوظيفة.

في يوم يتوسط عام 2015 تقريبًا، وفي محاولة لقتل الوقت، جلست أمنية تتذكر أيام الدراسة، ليقفز إلى ذهنها شغفًا قديمًا باشغال الإبرة كالإيتامين والكانفاة. وأمام شاشة الكمبيوتر أخذت أمنية تلتهم كتابات ومقاطع مصورة، قدمت لها حلاً لأزمتها المستمرة منذ أعوام.

اقرأ أيضًا: "وورلد تريكو".. الحياكة طريقًا للنضال الاجتماعي

أوقات فراغها التي كان يأكلها التفكير وعدم الارتياح، صارت مكرسة لمشاهدة عشرات الفيديوهات المتاحة على الإنترنت حول أفكار الإيتامين الجديدة.

بدأت في التعلم بمفردها. تتعرف على أسماء الأدوات وأنواع الخيوط والبدائل المتاحة محليًا، وبمساعدة الفيديوهات، غرزة وراء الأخرى، أنتجت أمنية قطعتها الأولى: "كانت سلسلة عليها سنو وايت. كانت أول إنتاج ممكن يتباع ، لكن مبعتهاش واحتفظت بيها. قبلها كنت باعمل قطع قماش عليها أشكال الحيوانات اللي أصحابي بيحبوها وأهاديهم بيها". هذه السلسلة كانت البداية التي أطلقت في ذهنها الإصرار على المشروع.

تبلورت في ذهنها فكرة مشروعها الجديد الذي ستحقق فيه ما كان سببًا من أسباب هروبها من الوظيفة "البيروقراطية والحضور والإنصراف والإجازات مكانتش مناسبة لشكل الحياة اللي عاوزة أعيشها". وفي أسواق الأسكندرية بدأت في البحث وشراء الأدوات والخيوط المطلوبة، ودلتها شقيقتها على محال بالمنشية تبيع الإطارات التي ستحتاجها في عملها بأسعار الجملة، ثم عادت للإنترنت لشراء ما عجزت عن إيجاده في الأسواق المحلية عبر مواقع التسوق الإلكتروني.

مكتب مرتجل للعمل في بيت أمنية 

سلاسل وحقائب وحُلي و"توك" شعر، وعلامات كتب Bookmark. محافظ جيب وخواتم وأساور وأقراط، منتجات أخذت تخيطها أمنية بحماس. وانتقل حماسها لأسرتها التي تولت الدعاية لمنتجاتها بين المعارف والصديقات. ومن أجل استمرار النجاح؛ تعلمت أمنية التصوير الفوتوغرافي حتى تتمكن من تصوير منتجاتها بنفسها تمهيدًا لنشرها على صفحة أنشأتها على فيسبوك لترويج تلك المنتجات.

تقول أمنية: "الإيتامين بالنسبة لي كان المعادلة الناقصة. كنت محتاجة شغف في حياتي وكنت بأعيط وأدعي كتير بالموضوع ده. ودلوقتى بقى منفذ للضغط، وباحسه طاقة حب كبيرة بشوفها في سعادة البنات لما يستلموا الشغل ويلبسوه ويهادوا بيه بعض".

عزز شغل الإيتامين من ثقتها بنفسها، تخففت من انطوائيتها بالتدريج، وتراجع خوفها من الغرباء بعد أن صاروا شركاء عمل، يطرحون عليها الأفكار ويحمسونها بشراء المنتجات "أنا اتغيرت للأفضل والأحسن. بعد شغل الإيتامين بقيت باشوف الناس بشكل أوسع عشان بتعامل مع ناس أكتر. فبقيت باصبر أكتر وبقيت اجتماعية أكتر".

وأدركت مع نظام حياتها الجديدة أنها أغلقت باب الضغوط النفسية التي كانت تشعر بها، بعد أن صار ذهنها منصرفًا للغرز الدقيقة التي يحتاجها عملها الجديد.

الآن يمكنها العمل من المنزل. ألزمت أمنية نفسها بساعات عمل يومية لا تقل عن ساعتين ولا تتجاوز الخمس ساعات، وتحولت شرفة منزلها إلى أتيليه صغير. صارت مكتبها الذي تقضي فيه ساعات العمل قريبة من أولادها، بينما يتولى زوجها - مهندس- رعاية الطفلين عند خروجها من البيت لتسليم البضائع. وتجد سعادة خاصة في أن ابنها الأكبر (4 سنوات) يشاركها مسؤولية العمل: "الولاد اتعودوا يشوفوني باشتغل، وابني إذا لقى أي خيط أو قصقوصة في البيت يجيبهالي ويقوللي خدي يا ماما شغلك".


استطاعت أمنيه أن ترتب وقتها وأولوياتها بحرية لم تكن متاحة في وظيفتها القديمة: "باشتغل من ساعتين لخمس ساعات يوميًا. عندي فرصة آخد بالي من بيتي وأسافر وأشوف أصحابي وأشوف الشمس، بعد ما كنت طول الوقت قاعدة في مكتب تحت الأرض مبتدخولش الشمس".

النجاح ألهمها حلمًا جديدًا: تأمل أمنية في افتتاح جاليري يمكنها فيه تعليم فتيات أخريات أشغال الإيتامين لتفتح لهن أبواب الرزق وتنتشر منتجاتها بين المزيد من شريكات العمل "الزبائن" وأن تشارك في معارض مختلفة لعرض منتجاتها.