الخروج من دولة الخلافة

نحن إذن أمام إشكالية وجودية للدولة المصرية أكبر بكثير من مجرد الحديث عن ما سترثه المرأة أو عقيدة زوجها، فهذا وذاك له حلول عدة وطرق مختلفة للتحايل عليه في ظل القوانين الحالية.

ثار الكثير من الضجيج واللغط فى الأيام الماضية عقب تصريحات الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي، التي طالب فيها بمراجعة القوانين الخاصة بالمواريث في تونس لمساواة النساء بالرجال، وإلغاء منشور يمنع زواج التونسية المسلمية من غير المسلم.

بعدما أعلنت مؤسسة الأزهر اعتراضها الحاد، الذي وصل إلى درجة التحريم الصريح، على رؤية الرئيس التونسي رغم تأييد دار الإفتاء هناك؛ فإن أكثر ما لفت انتباهي هو اجتهاد الكثير من الداعين للدولة العلمانية فى تفسير، بل وتأويل، النص القرآني، والإشارة إلى أنساق ومواقف تاريخية ومجتمعية، يُفهم منها أن ما طرحه الرئيس التونسي ممكن دينيًا، وبالتالي فلا ضير من تشريعه قانونًا.

ومشكلة ذلك من حيث المبدأ، ليس فقط أنه بمثابة اتباع من القوى المناوئة للإسلام السياسي، لنفس منهج الإسلاميين أنفسهم -وإن كان هذا الطرح يبدو ظاهريًا أكثر رحابة، وربما أكثر اعتدالاً- ولكن كذلك كون هذا الطرح في جوهره سيؤدي حتمًا إلى نفس النتائج.

ورأيى الشخصي بالمناسبة؛ هو أن الآيات واضحة وصريحة وغير قابلة للفهم بأي صورة أخرى خارج معناها المباشر، ولا حتى بأي منطق هيرمينوطيقي (تأويلي): "يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ۚ فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ۖ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ۚ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ ۚ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ۚ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ۚ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۗ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ۚ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا" (النساء- 11)

لكن الحقيقة، رأيي الشخصي في هذا الموضوع لا يُقدم ولا يؤخِّر كثيرًا ولا حتى قليلاً، لأنه في النهاية ليس سوى وجهة نظر فى تفسير النص تخصني دون غيري، وأنا لست بفقيه فى الدين.
إلا أنني في الوقت نفسه أرى أن النقاش من هذا المنطلق خطأ من حيث المبدأ، لأنه يحمل فرضية أنه لا يجوز قانونًا سوى ما يجوز دينيًا، وهذه ليست فقط فكرة خلافية؛ ولكنها فى واقع الأمر خطيرة للغاية، ليس من باب صحة أو خطأ ما تفرضه الشريعة؛ وإنما لعصفها بفكرة القانون الوضعي ومبرر وجوده من الأساس. وتقضي أيضًا على الحد الأدنى من احترام المُشرع البرلماني ورجال القضاء الذين يجب علينا – إذا ما أخذنا هذا الخط على استقامته – استبدالهم بشيوخ الجوامع وأساتذة العلوم الدينية، باعتبارهم أدرى بشؤون القانون الساري، وما يجب أو لا يجب فى ساحات المحاكم وتحت قبة البرلمان. أليست هذه بعينها هي الدولة الدينية التي كنا نخشى قيامها في فترة حكم الجماعة وانتفضنا ضدها وفي مقدمتنا من يرفضون اليوم رفضًا قاطعًا التخلّي عن حكم الشريعة في المواريث وغيرها؟

باتباع هذا النهج إذن، نكون في الحقيقة قد قضينا على إمكانية أن يطور المُشرع الوضعي من فلسفة القانون نفسها.

باتباع هذا النهج إذن، نكون في الحقيقة قد قضينا على إمكانية أن يطور المُشرع الوضعي من فلسفة القانون نفسها، وكبلناه تكبيلاً بنصوص إطارية قد لا تتسق مع ما طرأ من مستجدات منذ عصور الخلافة الأولى.

لا أتحدث هنا عن النظرية المُستهلكة القائلة بأن ما كان يصلح للمجتمعات وطبيعة تركيبتها قديمًا ربما لا يصلح لها الآن، لكنّي أقول إن المسار التاريخي والمجتمعي تعدى فكرة فرض الأيديولوجيا الميتافيزيقية جبرًا منذ الحركة الإصلاحية البروتستانتية على يد مارتن لوثر فى القرن السادس عشر.

يذكرني هذا بدول تطلق سلطاتها الأمنية لإجبار المواطنين على الصلاة. وأفكر ماذا لو لو رأت دول أخرى ذات أغلبية مسلمة أو مسيحية أن تصدر قوانين وضعية شبيهة، تلزم المسلمين بالتوجه للمسجد يوم الجمعة، والمسيحيين بالتوجه للكنيسة يوم الأحد؟

صحيح أن مثل هذا الإجبار لا يزال قائمًا في مجموعة من الدول ذات الأغلبية الإسلامية بدرجات متفاوتة، وصحيح أيضًا أن بعض أسس الديانة المسيحية لا تزال تشكل جزءًا لا يتجزأ من الوعي الجمعي للشعوب في أوروبا والأمريكتين (خاصة أمريكا الجنوبية)، ولكن هذا ليس دليلاً على صحة ذلك الاتجاه، ولا على إمكانية استمراره بشكل سرمدي. بل هو السبب لتخلف معظم تلك الدول اقتصاديًا ومجتمعيًا.
فبالرغم من أن بعض الدول التي قررت أن تتخذ من الشريعة الإسلامية مصدرًا لقانونها الوضعي تمتلك ثروات طبيعية هائلة (إيران والسعودية على سبيل المثال) ومواقع جغرافية متميزة؛ إلا أن مجتمعاتها تظل حتى يومنا هذا عاجزة عن مواكبة معظم التطورات الحديثة ومكتسباتها الفعلية، لأنها ظلت منغلقة بدرجة كبيرة على محيطها، ولم تتمكن بالتالي من التعامل مع الحداثة إلا من خلال استيراد بعض مظاهرها. واضطرت أيضًا للإبقاء على اقتصادات نفطية أحادية الرؤية غير قائمة على أي إنتاج فعلي – رغم ثراءها – بسبب تناقض الأنسقة الاقتصادية المعاصرة مع بعض ثوابت الشريعة (العمل المصرفي أبرز الأمثلة).

صدامات بين الشرطة والمواطنين في فنزويلا على خلفية الأزمة الاقتصادية والسياسية في البلاد

والتجاوز الذي أتحدث عنه هنا ليس تجاوز الديانة في حد ذاتها، ولكنه تجاوز نظرية أن تكون التعاليم الدينية أو ما تفرضه الشرائع بالضرورة، هي أرضية ينبني عليها قانون الدولة (كما ينص الدستور المصري في مادته الثانية على سبيل المثال) وبما يتناقض مع مبدأ الحرية المطلقة في التشريع الوضعي، رغم كونه أساس الدولة البرلمانية الحديثة كما نعرفها، وبما يفكك أسس الدولة نفسها لأنها في هذه الحالة لن تملك أدوات الحكم فعليًا، وستفقد حرية اتخاذ قراراتها بلا رجعة بعدما تفرض على نفسها قيودًا دوجماطيقية لا تملك تعديلها بأي شكل، وتنتهي قدرتها على تطوير نسقها. وهذا تحديدًا هو سبب التخلف الاجتماعي لمعظم البلدان التي تتخذ من أية شريعة غير أرضية أساسًا لقانونها. وليست الشريعة نفسها هنا هي السبب؛ وإنما تكمن المشكلة في توظيفها بشكل لا نعلم حتى إن كان هو ما تعنيه تلك الشريعة أم لا.

ببساطة: تطبيق الشريعة الإسلامية يتطلب بوضوح تركيز السلطات كافة في أيدي نخبة حاكمة دون مشاركة شعبية حقيقية، ودون رقابة متبادلة من سلطة على أخرى.

كما يؤدى هذا أيضًا إلى إزدواج قانوني لا يستقيم، لأننا في هذه الحالة نقف أمام دولة تطبق قانونين مختلفين في وقت واحد من ناحية؛ وتُعلي أحدهما على الآخر من ناحية أخرى، وهو الوضع الذي تعانيه الدولة المصرية التي يُفترض أن تكون حديثة، حيث تمثل المادة الثانية من الدستور تغولاُ واضحًا على مبادئ حرية التشريع الوضعي، وهو السبب الذي رفض البعض على أساسه فكرة المبادئ الفوق دستورية، التي كانت مطروحة لفترة بعد ثورة يناير 2011.

من مظاهرة للقوى الإسلامية لرفض وثيقة المبادئ فوق الدستورية - يوليو 2011

كما تتناقض الفكرة مع التعريف الحديث للقضاء، كما أسلفت، لأن وجود سيف مسلط على رقبته طوال الوقت غير الدستور؛ يجعل الحيز التقديري له ضيقًا للغاية، هذا الحيز التقديري هو أساس ما يمييز السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية. أي أن المبدأ الموجود حاليًا لا يهدد فقط استقلالية السلطات الثلاثة وفصلها؛ ولكنه يتهدد وجودها من الأصل. وقد كان هذا هو الأساس الفعلي لدولة الخلافة الأولى، مثلما كان منظلقًا رئيسيًا لشرعنة الدور السياسي الذي لعبته الكنيسة فى أوروبا العصور الوسطى.

ببساطة: تطبيق الشريعة الإسلامية يتطلب بوضوح تركيز السلطات كافة في أيدي نخبة حاكمة دون مشاركة شعبية حقيقية، ودون رقابة متبادلة من سلطة على أخرى، خاصة وأن حتى مفهوم الشورى الوارد بنص الآية: "وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ" (الشورى -38)" يطرح رؤية ضيقة ومقيدة للشورى، حيث قال القرطبي فى أمر تلك الآية: "مدح الله المشاورة في الأمور بمدح القوم الذين كانوا يمتثلون ذلك . وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه في الآراء المتعلقة بمصالح الحروب، وذلك في الآراء كثير. ولم يكن يشاورهم في الأحكام؛ لأنها مُنَزَّلة من عند الله على جميع الأقسام من الفرض والندب والمكروه والمباح والحرام"(1). أي أن الأحكام ليست موضع شورى أصلاً، ويجب تطبيقها جامدة كما هي.

لست بالطبع مع فكرة تحويل الحداثة أو نظريات ما بعد الحداثة إلى بعل ذهبي نرقص حوله ونعبده ليكون هو الدين الجديد. المبدأ ببساطة هو مبدأ سيادة القانون والدفاع عن حرية الفرد فى تقرير مصيره وحرية التصرف بناءً على معتقداته، حتى لو كان هذا المعتقد هو رفض العقيدة إجمالاً، كما تكفل له ذلك الفقرة الأولى من المادة (64) لدستور 2014، بدلاً من طوق العبودية الحالي الذي وضعه الدستور نفسه حول رقاب اليهود والمسيحيين المصريين في المادة الثالثة منه التي حكَّمت شرائعهم في أحوالهم الشخصية، وهو ما يفتح الباب واسعًا أمام دخول الكنيسة والجامع الأزهر إلى لعب دور قانوني محوري، باعتبارهما المرجعية الأساسية لأصحاب الديانتين الرئيستين فى البلاد.

مجرد التفكير في تغيير تلك الأوضاع يجعلهم يفرون إلى حصن التدين وأبدية الكلمة الإلهية، وهما عنصران لا علاقة لهما في الحقيقة بما يريدونه فعلاً.

نحن إذن أمام إشكالية وجودية للدولة المصرية، أكبر بكثير من مجرد الحديث عن ما سترثه المرأة أو عقيدة زوجها، فهذا وذاك له حلول عدة وطرق مختلفة للتحايل عليه في ظل القوانين الحالية. الإشكالية الحقيقية لدينا هي أهمية خروج الدولة من الحالة الفصامية التي تعيشها بسبب مادة فى الدستور، ومن قبلها التصورات الإجتماعية اليمينية المحافظة التي تخشى كافة أشكال التغيير، لأن ما يملكه أصحاب هذه التصورات من سلطة، يرتبط مفصليًا ببقاء الأوضاع على ما هي عليه. ومجرد التفكير في تغيير تلك الأوضاع يجعلهم يفرون إلى حصن التدين وأبدية الكلمة الإلهية، وهما عنصران لا علاقة لهما في الحقيقة بما يريدونه فعلاً من إجبار الجميع على عدم كسر ما يطلقون عليه "العادات والتقاليد".

يحضرني في هذا الصدد ما هو وارد بالإنجيل على لسان عيسى، حينما قال في موعظة الجبل: "السبت إنما جُعل لأجل الإنسان، لا الإنسان لأجل السبت" (مرقص 2- 27). وهو هنا كان يتكلم عن فرض الراحة فى يوم السبت المُقدس لدى اليهود، وقصد بذلك الإشارة إلى أن حتى الفروض الدينية يجب أن تنحني أمام صالح الإنسان لأنها وُضِعت لخدمته، وليس للتحكم فيه، أو كما يقول القمص تادرس يعقوب ملطي فى تفسيره الشهير أن "الناموس وضع لأجل خدمة الإنسان وراحته وليس لتنفيذ حرفيته" (2).

دعونا إذن نحاول التخلي عن دولة اللاهوت، ونخرج من دولة الخلافة التي كان لها سياقها الذي انهار منذ مئات السنين قبل انقضاء دولة الخلافة نفسها في مطلع القرن العشرين. وربما يكون للحديث بقية..


(1) "الجامع لأحكام القرآن" لأبى عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، الطبعة الثانية، دار الكتب المصرية، 1935
(2) "الإنجيل بحسب مرقص"، القمص تادرس يعقوب ملطي، إصدار كنيسة الشهيد مار جرجس باسبورتنج، 1984