رفعة الجادرجي، صورة الفنان "خارج" شبابه

يَبْسُط الجادرجي آلية وعي لمجتمعنا، مفادها تجاوز الحواضن الفكرية الغيبية وأوهامها، وما تفرضه على المنجز الفني والفكري من انفصال عن الواقع.

تحظى مرحلة الشباب بهالة رمزية دون غيرها من مراحل العمر. كثيرة هي الأقوال والتنميطات التي تلحق بها، خاصّة إذا رصدنا هذه المرحلة عند فئة معيّنة من المبدعين والمفكرين، أو حتى في المقابل: عند القادة والزعماء. لكن دائمًا، هناك من يخرق التأطير والنمطية في إنتاجه الفكري، بل إنّ عملية الإبداع عنده تبني ذاتها بالحدّ من شرط الزمن وعوامله. وإلى هذه الفئة ينتمي المعماري والمفكر العراقي رفعة الجادرجي (1926-...).

يتوسّط الجادرجي جيلين من المعماريين العراقيين. وبين جيل الجادرجي ومن سبقوه ولحقوا به، تباينت المدارس المعمارية والفلسفية. من الجيل الأوّل يبرز اسم المعماري والمفكّر محمّد مكيّة (1914، 2015) كأحد الروّاد الأوائل الذين درسوا فن العمارة في بريطانيا، وتأثروا بمدرسة تميل أكثر نحو المحافظة. ثم يأتي الجيل الثاني حيث الجادرجي ورفاقه الآخرين كالنحات جواد سليم (1921، 1961) الذي أنجز المَعْلَم الأبرز في تاريخ بغداد "نصب الحرية"، وقحطان عوني (1926، 1971) الذي يشير إليه الجادرجي بأنه الأكثر نقدًا للجيل السابق عليه. أمّا الجيل الثالث الذي يبدو الأوفر حظًّا من ناحية الإعلام، فتتصدّره المعمارية الشهيرة الراحلة زها حديد (1950، 2016) التي قلّما اهتمت بتأطير مذهبها نظريًا، إنّما ترجمت مذهبها التفكيكي في تصميماتها المعمارية.

جدارية الحرية - الفنان العراقي جواد سليم 

وهذه النقطة الأخيرة تفصل قليلاً بين الجيلين من حيث فهم كلّ منهما للعالم ووعيه، ولا نعني هنا الفهم المجرد؛ بل الفهم الوظيفي الذي يفرّق بين تيار حداثي عقلاني بدأه الرعيل الأول وشدّد عليه من الجيل الثاني "الجادرجي"، وتيار آخر أقرب للعملية والانسجام مع البذخ البصري والتكنولوجي مثّلته زها حديد بقوّة. ورغم الاختلافات الواضحة بين الأجيال الثلاثة؛ فإنّ عصبَ التجربة المشتركة يكمن في التحصيل الجامعي في دول غربية، وبالأخص بريطانيا التي درس فيها أصحاب أهم الأسماء في الأجيال الثلاثة، ومنهم رفعة الجادرجي.

مسألة الأجيال وما يرتبط بها من استحضار أعمار الفنانين، هي نقطة مهمة في الحديث عن علاقة عمر الفنان بإنتاجه الفكري، وهي الالتفاتة الذكية التي يطرحها الجادرجي في أحدث أعماله الفكرية الصادر 2014 في 784 صفحة، بعنوان دور المعمار في حضارة الإنسان عن مركز دراسات الوحدة العربية.

الغيب والمعمار

في كتابه يذهب الجادرجي للحديث عمّا يسميه ب"الحوار الباطني" بين المتلقي والفنّان المُسٍن، المدعّم بتجربة ناضجة وتقنيات اختمرت طويلاً في الذاكرة. فالفنان المسن - فيما يراه الجادرجي-هو "الفنان المكتفي بذاته".

يبرهن الجادرجي على طرحه بأسماء كبيتهوفن في الموسيقا، كوربوزيه في العمارة، وبيكاسو في الرسم. انطلاقًا من هذا الطرح الملتبس، يمكن التشعّب في عالم رفعة الجادرجي التنظيري والفكري، والابتعاد قليلاً عن الموقف النقدي من إنجازاته المعمارية في محاولة للتركيز على ما جاء به "دور المعمار" بوصفه جدلية شمولية تمتد في مناح عدة من مناحي الحياة كالسياسة والاجتماع، وليس العمارة فقط.

رفعة الجادرجي يرمز إلى مرحلة حداثية وعقلانية في ثقافتنا العربية خلال القرن العشرين، بدأها شابًّا متمرّدًا بفكره الحر خارج متاهات الاستبداد والرجعيّة، وما زال كذلك حتى في تسعينه الراهنة.

مخطط تصميمي لأحد إنجازات الجادرجي المعمارية  - شبكة archnet

ينقسم الكتاب إلى مقدمة، وتسعة عشر فصلاً، غلبت عليهم سمة الشمولية التي يتصف بها فكرُ الجاردجي؛ إذ تبتعد الفصول عن أحادية المواضيع المغلقة، بقدر ما يأخذ الكتاب قارئه بأسلوبه الذي لا يكلّ عن الاستعادة والتأكيد حتى تستوي صياغتُه في سلسلة متصلة، تتكرر فيها الخطوط والمبادئ العامة. فمنذ «الفصل الأول: الإنسان العاقل، قدرات الفكر والتطور» يمكن للقارئ أن يلاحظ القاعدة العقلانية والتنويرية الكلاسيكية التي يبني عليها الجادرجي منهجه الفكري، في عالم يعجّ باللاعقلانية والنسبوية التي تعصف بحقول الثقافة والفنون، ولم تستثنِ منها حقل العمارة.

غلاف "دور المعمار في حضار الإنسان"

يستغرق تأكيد ضرورة العقلانية في مواجهة كل فكر غيبي ومثالي الفصول العشرة الأولى من الكتاب. يعقِد المفكر العراقي هنا مقارناتٍ في التعامل الحضاري مع العمارة، والأشكال التي يختلف فيها هذا التعامل بين حضارة وأخرى، مركّزًا أمثلته على أوروبا الإغريقية والرومانية كما في الفصل التاسع، ثم على منطقة الشرق من خلال نموذجين فكريين/دينيين، الزرادشتية ومن بعدها الديانات الإبراهيمية الثلاثة (اليهودية، والمسيحية، والإسلام) كما في الفصل العاشر. وخلال هذا التفتيش الدقيق بين الحقب التاريخية لا يعفي الجادرجي الفكر الغيبي عامّة، والديني خاصّة، من النقد اللاذع، ويحمّله أسباب الحد من تطور الحركة الفنية، والحرية الفكرية. فالإبراهيميات عند الجادرجي "محض إذلال يومي" ومنها تناسلت حركات حرَّمت التصوير وحطمت الأيقونات، وفصلت الفضاءات والأمكنة بين رجال مهيمنين ونساء مُهَيمَن عليهن.

المنحى التاريخي الذي تطالعنا به هذه الفصول ليس بالملمح الجديد على مؤلفات الجادرجي، إذ طالما كانت مقدمات كتبه أو الفصول الأولى منها تتشابك فيها موضوعات التراث والتاريخ ومساءلة جدوى التأصيل، بالمقارنة مع الراهن والمعاصر. تتقارب هذه المقدمات مع أخرى توازيها في كتب مثل «في سببية وجدلية العمارة» الصادرة طبعته الأولى في 2006.

المركزية الأوروبية

أمّا الفصول من الحادي عشر وحتى الثالث عشر، فعادت فيها مدرسية التاريخ في صيغتها الكلاسيكية ذات المركزية الأوروبية لتدفع بالجادرجي لحصر أمثلته وتَتَبُّعها في حيّزها الأوروبي، بادئًا حديثه من نقطة العمارة القوطية، ثم ينساب مع حركة التاريخ الخطية نحو عصر النهضة.

لو نظرنا إلى الإطار العام لهذه الفصول فسنجدها تحوي مقدمات تردد صدى أفكار وردت في كتبٍ سابقة للجادرجي، والسبب الأساس الذي يقف وراء رجوع الجادرجي لأطر المقارنة بين الشرق والغرب، هو حياته التي فرضت عليه حضور هذه المقابلة الدائمة منذ تكوينه ونشأته حتى شبابه في بغداد، ثم إتمام تحصيله العلمي في كلية هامرسمث البريطانية التي تخرّج فيها. ويشهد كتابه شارع طه وهامرسمث الذي أصدره عام 1985، بكونه مسكونًا بهذه الفكرة.

بالعودة إلى الفصول الأخيرة من "دور المعمار في حضارة الإنسان"، نجد الجادرجي يركز على معالجة المشكلات الراهنة لعصرنا (عصر الحداثة) في ستة فصول، تبدأ من الفصل الرابع عشر الذي يتناول فيه المعماري التشخُّص (الهوياتية) والمجتمع المدني، وهنا نلاحظ أنّ التنظير أخذ منحى سوسيولوجيًا (اجتماعيًا)، حتى أنّ المعجم الذي يستعين به الجادرجي ينمّ عن فهم ليبرالي يعتمد الفرد وحريّة الفرد ركيزة محورية لتجاوز المعوقات الفئوية التي يرسّخها المجتمع الأهلي التقليدي. مرورًا بالحديث عن المكننة (التشغيل الآلي Automation) وعجز التنظير الحداثي، ثم ينتقل إلى نقد المركزية الغربية؛ رغم ظهور تأثيرها في تناوله لتاريخ العمارة في الفصول السابقة، ويفنّد كلاً من العولمة والقُطْريّة.

وينتهي في الفصل التاسع عشر والأخير إلى "مهمة قادة عمارة الوطن العربي"، وهنا لا يُفصّل الجادرجي هذه المهام بصيغة البنود والنقاط على طريقة اللجان والمؤتمرات، وإنما يَبْسُط دينامية وعي لمجتمعنا، مفادُها تجاوز الحواضن الفكرية الغيبية وأوهامها وما تفرضه على المنجز الفني والفكري من انفصال عن الواقع، ومن ثمّ إخضاع هذه الحواضن والأُطُر لمتطلّبات الفكر الحديث، وبذلك يكون المنجز الفكري قد تحرر من الخصوصية، وتحوّل لكينونة مضافة إلى عالم الحداثة الكوني الرحب، عالم المجتمع المدني الملحد لا المجتمع الأهلي المتديّن. وعليه نجد أنّ الجادرجي صريحٌ لا يموّه إلحادَه، ويعتبره شرطًا حتميًا للنفاذ من الأهلي إلى المدني، ومن الحرفي اليدوي إلى المُمَيْكَن.

يمكن تمييز الهم الفكري الذي ينعكس في مؤلفات رفعة الجادرجي، وتحديده في ثلاثة أقسام: القسم الأول ما ينتمي إلى الحقل العَملي، وهو مجالٌ يفتّش به المعماريُّ في نماذج وأمثلة عينية، كبيت جدّه عارف آغا الذي يصفهُ لنا بكُتيّب "مقام الجلوس في منزل عارف آغا"، ويشرِّح فيه الحالة الطبقية وانعكاساتها المعمارية من خلال بيت/نموذج. وهذه المؤلفات من حيث الأسلوب هي الأكثر سلاسة وابتعادًا عن التقعُّر الاختصاصي.

منزل عارف أغا- بيت جد المعماري رفعة الجادرجي 

القسم الثاني يقترب من السيرة الذاتية والكتابة الأدبية والإبداعية مثل كتابه المشترك "جدار بين ظلمتين"، الذي وضعه مع زوجته بلقيس شرارة، ويرصد فيه فترة اعتقاله في سجون صدام حسين. أو كتابه "صورة أب" الذي يتحدّث فيه عن السيرة السياسية لوالده كامل الجادرجي.

ويبقى القسم الثالث هو الأكثر وعورة وتخصصًا، وذلك لاعتماده العلم المعماري النظري موضوعًا له، لكن هذا لا يعني أنّ التخصّص عند الجادرجي منغلق على ذاته، فهو ينتمي إلى ما يمكن تسميته بمدرسة الوضوح في الحداثة، أو تيسير الاختصاص، مقارنة بباقي النظريين والمعماريين ذوي النزعات ما بعد الحداثية المبتذلة في شكلانيتها، سواء على صعيد المنجز المعماري العيني أو المقدمات النظرية الورقية. الأمر الذي يسمح بالتدليل على أنّ الأعمال التفكيكية الأولى لزها حديد ظلّت رهينة النظري قبل أن تسمح لها طفرة التسعينات بالتمثُّل العملي.

وفي هذا القسم الأخير يمكن رصد أعمال ومؤلفات للجادرجي مثل "صفة الجمال في وعي الإنسان"، أو "في سببية وجدلية العمارة"، وكذلك كتابه اﻷحدث "دور العمارة في حضارة الإنسان".

بالمحصلة الأخيرة يمكن القول إنّ كتاب «دور المعمار في حضارة الإنسان» كان كما أراد له مؤلفه: تتويج ناضج "للفنان المُسنّ" في الحقل التنظيري.

في روايته الفلسفية "صورة الفنان في شبابه" يستعير جيمس جويس اسم بطله الشاب الثائر على تقاليد عائلته الكاثوليكية ستيفن ديدالوس من أسطورة يونانية تتحدّث عن مهندس إغريقي أسطوري، اشتهر ببنائه متاهة لملك كريت «مينوس» قبل أن يغضب منه هذا الملك، ويأمر بحبسه في متاهته التي ابتكرها. لكنّ المهندس الذكي صمم لنفسه أجنحة حلق بها بعيدًا عن متاهته. فإذا كان ديدالوس_الإغريقي رمز على مرحلة اقتحم فيها الخشبُ الفنونَ والمُصنّعات في اليونان القديمة، وإذا كان ديدالوس-جويس يرمز إلى الانعتاق والتحرر من أسر العائلة البطريركية وعاداتها؛ فإنّ في المهندس رفعة الجادرجي (ولو أنّه يحبّذ صفة المعماري على المهندس) شيئًا من هذا وذاك، فهو يرمز إلى مرحلة حداثية وعقلانية في ثقافتنا العربية خلال القرن العشرين، بدأها شابًا متمرّدًا بفكره الحر خارج متاهات الاستبداد والرجعيّة، وما زال كذلك حتى في تسعينه الراهنة.