كيف عالجت موسيقى الجاز غثيان سارتر

ربما أساء سارتر قراءة التعريف الشكلي للجاز، ولكنه وصف الاستماع إليه حيًا وسط الحشود المتعرقة الصاخبة، كتجربة أصيلة للحرية. وجد سارتر في الجاز وسيلة للتسامي.

جمع الفيلسوف الوجودي "جان بول سارتر" بين الفلسفة والرواية، لتمثل أعماله واقعًا مرعبًا يتملك ويحيط بالإنسان الحديث، ولكن في روايته "الغثيان"، يجد البطل روكنتان نوعًا من العلاج، هو موسيقى الجاز، ولكن ما علاقة سارتر بهذه الموسيقى، وكيف تعرف عليها، وكيف استخدمها في روايته لتجاوز حالة القلق الوجودي؟

يجيب على هذه التساؤلات جوش جونز في مقالته بموقع Open Culture، والذين نترجمه كاملًا.


في عام 1938، نشر جان بول سارتر روايته الفلسفية "الغثيان"، التي اعتَبَرَها من أفضل رواياته بل وأعماله، يقوم بطل الرواية "أنطوان روكنتان" بالاعتماد على موسيقى الجاز لمعالجة رعبه الوجودي الذي يتخذ صورة مرضية، وتحديدًا باستماعه لتسجيل قديم لأغنية باسم "بعض تلك الأيام" – لكن في أي تسجيل؟ نحن لا نعلم. يكتب الناقد تد جويا في مقال منشور حديثًا: "كنت أتمنى أن يكون سارتر أكثر تحديدًا لأسماء الموسيقيين في ذاك الوقت. كنت أحب أن أسمع مقطوعة الجاز التي تستدعي فرويد، وتعالج المريض، وتشفي القلق الوجودي".


سُجّلَت أغنية "بعض تلك الأيام" لأول مرة عام 1911، بصوت مغنية أوكرانية يهودية تدعى صوفي تاكر – وهي الأغنية التي صنعت نجوميتها – وكتبها كندي أسود يدعى شيلتون بروكس. ولكن بطل سارتر يشير إلى مغنية أمريكية أفريقية أو "زنجية"، ويصف كاتبها بأنه "يهودي، ذو حاجبين أسودين". هل كان هذا خلطًا من جهة سارتر؟ أم أن سارتر يشير إلى واحد من مئات التسجيلات للأغنية؟ (ربما كان يقصد تسجيل إيثيل ووترز). أو أن هذا اختراع وتلك التطابقات جرت في مخيلته، خاصة أن روكنتان كان كاتبًا فاشلًا؟


في وصفه للتسجيل اختزل روكنتان مغنية ومؤلف الأغنية في نمطين هما مغنية الجاز "الزنجية" و"اليهودي" الأمريكي حليق الوجه ذو الحاجبين الأسودين الكثيفين، والذي يقيم في "ناطحة سحاب نيويورك".

يخلق هذا التنميط ما تطلق عليه ميرياما يونج تشييء الصوت والشخصية من خلفها". في الرواية التي كانت نهايتها سعيدة بشكل غريب، يستعيد روكنتان نفسه المفككة بربطها بتلك الشخصيات الجامدة التي لا تحمل أسماء، الذين تتكرر أصواتهم مع تكرار الأغنية على آلة الفونوغراف، والذين "أنقذتهم" هم أيضًا الموسيقى.

يجادل "جيمس دونالد" أن سارتر "ظل يؤمن بقوى الفن المُخَلِّصة". في آخر ذكر للتسجيل بالرواية، [يقول الراوي]: يطلب روكنتان أن يستمع إلى "الزنجية وهي تغني، فتغني. بالتالي وصل كلاهما للخلاص: اليهودي والزنجية. وصلا للخلاص". إلا أنه بدلًا من اكتشاف الأصالة المُخَلِّصة للموسيقى، يجادل دونالد بأن استخدام الجاز في رواية "الغثيان" أشبه باستخدام آل جونسون لها في فيلم "مغني الجاز": "فعل إبداعي لسوء الاستماع والتكلم من البطن"، أو "توليد لانعدام الأصالة".

مفهوم سارتر المبكر عن هذه "القوة المخلِّصة للفن" اعتمدت على هذا النوع من انعدام الأصالة، يكتب في كتابه "التخيل: السيكولوجيا الفينومينولوجية للمخيلة"، الذي نُشِر عام 1940: "العمل الفني غير واقعي". يكتب عدنان منديريس أنه في يوميات روكنتان، أو في الرواية نفسها: "في أي عمل فني يمكن للوجود الحالي للإنسان أن يظهر كشيء متشابك في علاقات ضرورية. ولكن في مقابل العمل الفني، وفي العالم الواقعي، وجود الإنسان أمر مُصادف، ولهذا الأمر نفسه فهو حر". بسبب هذه الحرية والمصادفة الموجودة في العالم، وعدم القدرة على الانغماس في الواقع، تنتج حالة الغثيان الموجودة عند روكنتان وأزمته الوجودية. و"عدم واقعية" تسجيل الجاز، هو الذي يحل هذه الإشكالية.

فريق الجاز في بار نيك "يتحاور مع أفضل جزء منك، الجزء الأقسى، الأكثر حرية، إلى الجزء الذي لا يريد لحنًا أو لازمات، إنما ذروة اللحظة التي تصيبك بالصمم".

من رواية "الغثيان"

استخدام سارتر للنمطين العرقيين "الزنجية" و"اليهودي" كتعبيرات عن الروح الأوروبية المعقدة والمضطربة، يذكرنا باستخدام كامو اللاحق لـ "العربي" في رواية "الغريب". وعلى الرغم من أنه بَحَث بشكل نقدي ومفصل في قضايا العنصرية ومعاداة السامية في كتاباته اللاحقة، ربما لم يكن بمأمن من الأفكار البدائية التي هيمنت على الحداثة الأوروبية، وعلى سبيل المثال هذا جعل جوزيفين بيكر مشهورة في باريس. (بيكر نفسها لاحظت ذلك في إحدى المرات: "وجود المخيلة البيضاء مؤكد عندما يتعلق الأمر بالسود"). ولكن هذه الأنماط نفسها غير واقعية، كالعمل الفني؛ إسقاطات بحث روكنتان المتخيل عن الصلابة في الآخرية الغريبة للجاز. بعد حوالي عشر سنوات من نشر "الغثيان"، كتب ساتر عن انجذابه للجاز في مقال قصير ساخر بعنوان "اكتشفت الجاز في أمريكا"، هذا الذي جعل ستيفن ميشلمان يصفه بأنه "أشبه بالأنثروبولوجي الذي يصف ثقافة غريبة".


في المقال الذي يعود إلى عام 1947، يكتب سارتر عن الموسيقى التي سمعها في "بار نيك" في نيويورك، ويصفها بأنها "جافة وعنيفة وقاسية، ليس مرحة، وليست حزينة، ولا إنسانية. كأنها صرخة قاسية لطير يتعرض للافتراس". كانت الموسيقى حيوانية ولحظية وغريبة، على خلاف الشكلانية الأوروبية. يكتب سارتر: شوبان أو آندريه كلافيو يجعلانك تحلم. ولكن ليس هذا هو الأمر مع الجاز في بار نيك. إنه يسحرك". كما هو الحال مع إسطوانة روكنتان، فريق الجاز في بار نيك "يتحاور مع أفضل جزء منك، الجزء الأقسى، الأكثر حرية، إلى الجزء الذي لا يريد لحنًا أو لازمات، إنما ذروة اللحظة التي تصيبك بالصمم".

يوصي جويا أن نتخلى عن تيودور أدورنو كنقطة انطلاق مرجعية أوروبية للكتابة عن الجاز (وأنا أتفق مع ذلك)، ويحيل إلى سارتر بدلًا منه. ولكني متردد في التوصية بذلك. فالارتجال وخلافه، يقوم بأشياء غير عادية باللحن واللازمة، ويمزق بنُى الأغاني التقليدية، ثم يجمعها مرة أخرى (انظر على سبيل المثال أغنية Salt Peanuts لديزي جيليسبي من عام 1947) ولكنه لا يتخلى عن الشكل الموسيقي تمامًا في "نشوة اللحظة" المستمرة الخالية من الشكل، وفقًا للإيحاء الجنسي لجملة سارتر.


إلا أن هذا الجاز الجديد، نوع البيبوب الصادم والفوضوي، يختلف عن الفرق التقليدية الكبيرة، وظهرت فيه نغمات أعجبت سارتر في الثلاثينيات. سيكون من السهل على المتحمس ألا يسمع سوى الذروة. يكتب جويا أن سارتر تحمس جدًا لهذا النوع من الموسيقى "قال عن الجاز إنه موسيقى المستقبل" وسعى جاهدًا للتعرف على مايلز ديفيز وشارلي باركر، والاستماع إلى جون كولترين، على الرغم من أن كتاباته عن الموضوع كانت انطباعية أكثر منها تحليلية".

من خلال الفكاهة والوصف الحي، تؤدي مقالة سارتر عملًا رائعًا في نقل تجربته في سماع موسيقى الجاز الحية، باعتباره معجب ومستمتع. على الرغم من أنه يبدو أنه كانت لديه بعض الصعوبة في أن يفهم تمامًا طبيعة الموسيقى بعيدًا رد فعله الانفعالي. يكتب سارتر: "الحشد كله يصرخ في الوقت نفسه، لا يمكنك حتى الاستماع للموسيقى، تشاهد الفريق على المسرح وهو يتعرق في الوقت نفسه، تود أن تدور، أن تصرخ حتى الموت، أن تصفع الفتاة التي تقف بجانبك".

ربما ما استمع إليه سارتر واختبره وشعر به أثناء عزف البيبوب الحي، هو ما أراد دومًا أن يستمع إليه في الجاز المسجل، شيء يوازي اشتياقه الفلسفي. في مقال عن أحد أكبر المؤثرين فيه، هوسرل، كتبه في العام التالي لنشر "الغثيان"، يصف سارتر الطريقة التي "نكتشف بها أنفسنا […] بالخارج، في العالم، بين الآخرين، لا مختبئين. المشاعر القوية، الكراهية والحب والخوف والتعاطف، كل ردود الفعل الذاتية الشهيرة تلك التي تطفو في المياه الآسنة في العقل.. هي ببساطة طرق لاكتشاف العالم".

نأتي إلى الوجود الأصيل، يكتب سارتر، مستخدمًا عبارة من شأنها أن تشبه مقاربة جاك كرواك الوجودية اللاحقة للجاز "على الطريق، في المدينة، في وسط الحشود، شيء بين الأشياء، إنسان بين البشر". بهذه الطريقة يخمن جويا أن سارتر على الأرجح "رأى الجاز كتعبير موسيقي عن الحرية الوجودية التي وصفها في نصوصه الفلسفية". ربما أساء سارتر قراءة التعريف الشكلي للجاز، ولكنه وصف الاستماع إليه حيًا، وسط الحشود المتعرقة الصاخبة، كتجربة أصيلة للحرية، على خلاف التسجيل الذي أنقذ روكنتان من خلال التكرار و"اللا واقعية". ولكن في الحالتين، وجد سارتر في الجاز وسيلة للتسامي.