"هي" .. الاغتصاب كروتين يومي

لا تمثل ميشيل إلا نفسها، وتمثل نساء كثر في الوقت ذاته. كم امرأة تعرضت لحادث اغتصاب، ثم مارست حياتها بعادية، حتى اعتادت الكارثة؟

يعود المخرج الهولندي بول فيرهويفن، بعد عشر سنوات من آخر فيلم له (الكتاب الأسود 2006)، بفيلم الدراما النفسية Elle أو "هي"، المأخوذ عن رواية للكاتب الفرنسي فيليب ديجان، بعنوان "...oh". فيرهويفن، الذي يعيش بأمريكا، فشل في تنفيذ الفيلم باللغة الإنجليزية، كما كان مقررًا، وفشل في إيجاد ممثلة تقبل هذا الفيلم، ذا الطبيعة غير الأمريكية.

ويعد "هي" أول فيلم لفيرهويفن بالفرنسية، وقد عرض في مهرجاني كان وتورنتو وغيرهما في 2016، كما حصل على عدد من الجوائز ورُشِح لغيرها. المخرج الذي يقول عن نفسه: "إنني أصنع أفلامًا تكاد تدمرني"، عاد ليقدم فيلمًا يقول عنه: "أردت أن أعطي أسبابًا أخرى للجمهور كي يكرهني".

في البوستر الدعائي للفيلم، تظهر صورة إيزابيل أوبير (ميشيل)، امرأة خمسينية، ممسكة بقطة سوداء، سنعرف لاحقًا أنها ستشهد حادث اغتصابها من شخص ملثم، في المشهد الذي يفتتح به الفيلم، والذي تم في بيتها، الذي تعيش به وحيدة. ميشيل، امرأة ذات شخصية فولاذية، وتعمل مديرة في شركة ألعاب إلكترونية.

ما هو رد الفعل (الطبيعي) على حادث اغتصاب؟

رد فعل ميشيل على اغتصابها كان ثلجيًا. رغم مقاومتها خلال الحادث، لكنها بعده لم تصرخ، لم تبك. فقط قامت بالاستحمام. ذوبت دماءها من أثر الحادث بالصابون. طلبت طعامًا بالهاتف. ثم ارتدت ملابسها في اليوم التالي، وخرجت إلى عملها. لم تتصل بالشرطة. لم تُعلم أصدقائها. كأن الاعتداء عليها شيء روتيني في حياتها. ولكنها اكتفت بإخبارهم لاحقًا، بينما يتناولون العشاء والنبيذ، بطريقة آلية كأنها تتحدث عن شخصٍ آخر.

اعتادت ميشيل العنف؛ بدءًا من والدها، الذي تسبّه وهي تشاهد فيلمًا وثائقيًا عن جرائمه، حتى شركة ألعاب الفيديو العنيفة، التي تعمل مديرة لها، مرورًا بزوجها السابق، الذي انفصلت عنه بعد اعتدائه عليها. وبدا واضحًا أنها لم ترد أن تعيش دور الضحية، مع أنها ضحية بالفعل. وفي الوقت نفسه، لم تترك لها حياتها الصاخبة هامشًا كي تبدي رد فعل لما حدث لها، أو حتى تُجري اختبارات لكل الأمراض المنقولة جنسيًا.

لكن الشخصية القيادية الصارمة، التي بدت وكأنها تألف الاغتصاب، تخفي وراءها شخصًا مذعورًا وهَشًا.

إيزابيل، التي يقول عنها المخرج: "لا أتوقع أن يؤدي الدور أحد سواها"، بدت حادة، حركاتها عنيفة. لكن الشخصية القيادية الصارمة، التي بدت وكأنها تألف الاغتصاب، تخفي وراءها شخصًا مذعورًا وهَشًا؛ تذهب لتشتري وسائل للدفاع عن النفس؛ رذاذ الفلفل؛ سكين؛ تتعلم إطلاق النيران، وتنام بجوارها مطرقة حديدية؛ تستدعي مشهد اغتصابها متألمة؛ تشك في موظفي شركتها، ربما يكون المغتصب واحدًا منهم.

على الجانب الآخر، علاقة ميشيل بكل من حولها معقدة جدًا. زوجها السابق، ابنها ذو الشخصية المنقادة، علاقتها بأمها العجوز التي تتغذى علي البوتوكس، والرجال الأصغر منها بعقود، متأزمة، تستدعي للذاكرة، علاقة بطلة فيلم "معلمة البيانو The Piano Teacher"، للمخرج النمساوي مايكل هانكه. وأخيرًا علاقتها بأبيها، وهو مسجون بعدة تهم قتل.

يحاصرها الشخص المعتدي بإرسال إشارات تدل على مراقبته لها. وفي شركتها، يصل إليها فيديو، تم تركيب وجهها فيه على جسم لعبة يتم اغتصابها. هل من أرسله هو نفس الشخص؟ أم أن ميشيل في حالة اغتصاب دائم من كل من حولها؟

لاحقًا، ستتعرف ميشيل على هوية المغتصب، لندخل في حلقة أخرى من التوتر ، حيث أن المغتصب من دوائر ميشيل القريبة. ستظل تعامله بطريقة عادية تمامًا. يتبادلان التحية. يسرع هو إلى نجدتها، حين تتعرض لحادث سيارة. لا شيء سوى نظرات استغراب وعدم فهم من ميشيل، تقابلها نظرات أسف من الشخص المغتصب.

لا تعرف ميشيل لماذا قام المعتدي بفعلته؟ تسأله، ولا يجيب. لم يهتم الفيلم بتفسيرات حادث الاغتصاب. هل المعتدي مصاب بفانتازيا الاغتصاب؟ هل يريد إذلال شخصية تبدو قوية أمام الجميع؟ لأن الفيلم عن ميشيل وحدها.

بالتوازي هناك علاقة ابنها فانسان بصديقته وزوجته لاحقًا، فتبدو أنها (الذكر) في العلاقة. تعنفه على الدوام أمام الجميع. هي الطرف الأقوى في العلاقة، المقابل لشخصية ميشيل. وفانسان ذو شخصية منكسرة (أنثوية). فهو الذي يحمل طفلهما ويهدهده. ويصل في انكساره لدرجة أنه لا يعترض على وجود وشم على صدر زوجته باسم رجل آخر.

ميشيل التي تتعالى على الانفعالات العادية للبشر، حتى تبدو قوية دائمًا، تعاند إحساس الضعف والمهانة، المتوقع والطبيعي بعد الاغتصاب. حتي عندما تغازل الرجل الذي تستهويه، تغازله بوجه جامد، حاد. وجهها القاسي، يأبى أن يبدو عليه كسرة من الحزن، حتى عند موت أمها.

لا تمثل ميشيل إلا نفسها، وتمثل نساء كثر في الوقت ذاته. كم امرأة تعرضت لحادث اغتصاب، ثم مارست حياتها بعادية، حتى اعتادت الكارثة؟