هكذا تكلم كيفين سبيسي

"إلى أصدقائي الذين ينبهوني إلى السيئ من صفاتي، أنا أعلم أنكم تفعلون ذلك لأنكم تحبونني، ولهذا أحببت أدائي لشخصية ليستر، فمع رؤيتنا لكل صفاته السيئة، إلا أن حبنا له يزداد باستمرار".

كيفين سبيسي

ضع نفسك مكاني.

ماذا لو علمت أن هناك أمرًا ما على وشك أن تفعله، لا تلقي له بالًا، سيحطم حياتك بعد ثلاثين سنة. هل كنت ستفعله؟

أنا كيفين سبيسي، ممثل أمريكي، أحد أقطاب السينما الهوليودية الرئيسيين، حصدت العديد من الأمجاد، وحزت على عشرات الجوائز، منها جائزتي أوسكار، وجائزة جولدن جلوب، وكنت محبوبًا من جماهيري، ويتلهف عليَّ المعجبون. وكنت حريصًا على ألا أفصح عن أي شيء يخص حياتي الشخصية، وبخاصة حياتي الجنسية، حتى أني أغرمت بدوري في فيلم American beauty وبتمثيلي لشخصية مستقيمة الجنس تعشق جسد فتاة في الثامنة عشر من عمرها، وعندما جاء جاري ضابط المارينز معتقدًا أنني مثلي، وتحرش بي محاولًا تقبيلي، أبعدته بيدي، وقلت له: "أنا آسف.. لديك فكرة خاطئة عني".


كانت النتيجة أن قتلني الرجل، لخوفه من الفضيحة. وفي الحقيقة أنا أرى مفارقة مزدوجة، لأنني عندما أعلنت عن مثليتي الجنسية مؤخرًا في الواقع، لأتفادى بذلك - ويالحماقتي - حادثة جنسية كانت تنتظر أن تظهر طوال 30 سنة، قتلني المجتمع. ولكن هذه المرة ليس بطلقات 9 مللي، إنما بسهام نارية من أعينهم، توشك أن تعطل تاريخي المهني، بل ربما تطفئ نجمي اللامع، فلا يبقى له أثر في السماء. فلم أعد شخصًا مرغوبًا فيه. فها هي الأكاديمية الدولية للعلوم والفنون التليفزيونية، قد سحبت جائزة الإيمي مني، وها هو ريدلي سكوت، مخرج فيلمي الأخير All the money in the world، يحذف مشاهدي كلها، كما أوقفت شركة نتفليكس بث مسلسلي الناجح House of cards، والآن تدرس الشركة المنتجة الطريقة التي ستقتلني بها في المسلسل. سيقتلون فرانك أندروود، سيقتلون الأسطورة، سيغتالون الرجل السياسي المخضرم، الذي يتبع سياسة مكيافيلية، للحفاظ على السلطة والمكانة. لقد كان أندروود يعلم كيف يخرج من كل مشكلة، كما يقول المثل المصري كالشعر من العجين، ولكني لم أتعلم من أندروود في حياتي الواقعية أي شيء.


فكيفين سبيسي الذي يتحدث إليكم الآن، كان يتصور أن إجهاره بميوله الجنسية سيجذب الأنظار عن واقعة حدثت منذ ثلاثين سنة، فالزمن ينسينا كما يقولون، أليس كذلك؟ ولكن الغريب أن المجتمع تعامل مع واقعة تحرشي بأنتوني راب وكأنها حدثت اليوم، في ظل عالم نعيش فيه وسط نسور وغربان ينتظر كل واحد منهم فريسة تحتضر ليجهز عليها.

حدث ذلك منذ أكثر من ثلاثين سنة، عندما كنا نحتفل في بيتي، ونشرب ونرقص، وذهب الجميع، وتبقى راب، ولما فعلت الخمر فعلتها، تحرشت به، ولكنه وجد طريقة للهرب.

حقيقةً، أنا لا أتذكر أي شيء من هذه الواقعة، فأنا أنقل لكم تفاصيل تلك الحادثة من على لسان راب نفسه. ولكن ليس معنى ذلك أنها لم تحدث، بل ربما نسيت من فرط الخمر، أو من فرط عدد صغار السن والكبار الذين تحرشت بهم طوال حياتي.

طالما تعودت أن أفصل بين عملي وحياتي الشخصية، وأن أحافظ على أسراري الجنسية، إلا أنني في الأغلب كنت أنفلت كثيرًا دون أن أدري. ولما أشدت بدوري في فيلم American beauty، على السجادة الحمراء، حاملًا جائزة الأوسكار -عندما كنت أحصل على جوائز- مدافعًا عن شخصية ليستر التي كنت أقوم بتجسيدها، وأقول عن وعي: "إلى أصدقائي الذين ينبهوني إلى السيئ من صفاتي، أنا أعلم أنكم تفعلون ذلك لأنكم تحبونني، ولهذا أحببت أدائي لشخصية ليستر، فمع رؤيتنا لكل صفاته السيئة، إلا أن حبنا له يزداد باستمرار"، كنت في الحقيقة أتكلم عن نفسي، لأنني أعلم من هو كيفين سبيسي، وأعلم أن الجميع من حولي ينظرون إليّ بارتياب، لأنني ربما تحرشت بهم دون أن أعي في إحدى السهرات المليئة برائحة النبيذ.


قال عني الممثل المكسيكي روبيرتو كافازوس، إنه يكفيني أن يكون الرجل الذي أمامي أقل من 30 سنة، لأشعر بحرية مطلقة في لمسه. ها هو كافازوس يخرج عن صمته، ويقول هو الآخر إنني تحرشت به منذ حوالي عشر سنوات، ذلك بعد أن أتى الممثل توني مونتانا بادعاء لتحرشي به منذ 14 سنة، والبركة كلها في أنتوني راب. 30 سنة. أين كنتم تختبئون طوال هذه السنين.

من بعدها توالت اتهامات تحرشي بحوالي ثمانية أشخاص من طاقم عمل مسلسلي House of cards، وظهرت مذيعة صحفية تتهمني بتحرشي بابنها الصغير، وأصبح كل من هب ودب يذهب للصحافة، ويقول "أوه، كيفن لمس مؤخرتي!" لقد أصبحت الآن أنا المهرج، الذي لا يعلم كيف يروض حيوانه المفترس.

تريد أن تصبح ممثلًا مشهورًا؟ قل لهم إن كيفين تحسس فخذي. وإن أردت العالم كله أن يتحدث عنك، فاعذرني، كل شيء بثمنه.

والآن الأسئلة التي تدور في ذهني هي لماذا اعتذرت لراب من الأساس؟ ألم يكن بمقدوري أن أرد الصاع صاعين قائلًا بحسم إن راب افتعل ذلك؟ خاصة أنه مر على الأمر ثلاثون سنة، فلماذا الآن بالتحديد؟ لماذا لم أعتبرها شوطة ضمن تداعيات فضيحة المنتج هارفي واينستين؟ أي شخص يمكن أن يدعي أن أي شخص آخر قد اعتدى عليه، ولكن أين الإثبات؟ أين الدليل الذي توارى منذ 30 سنة؟

لماذا لم أتعلم شيئًا من الثعبان الأكبر أندروود قبل أن يقتلوه؟ لماذا أكدت التهمة على نفسي؟ لماذا لم أُكَذّب الخبر، وأستمر في غلق البئر على موضوع ميولي الجنسية؟ والذي أصبح موضوع العالم الآن. العالم بأسره يحارب من أجل التدخل في خصوصياتي، وحياتي، كان آخرها الكشف عن شخصية أبي النازية الذي كان يغتصب أخي الأكبر. العالم كله يحارب من أجل أن يتذكر مرة احتضنت بها أحدهم بحرارة أو أفلتت يدي سهوًا على جسده، وإن كان مر على الحدث عشرات السنين. ومن يعلم، ربما تصيبني النساء أيضًا بلعناتها.

حسنًا، يبدو أني وقعت في المصيدة، ولذلك، قررت أن أعلن عن فترة من الراحة، والمثول للعلاج النفسي، وهو كلام بيني وبينكم فقط حتى يهدأ الجميع، كي يتسنى لي أن أقول: ها أنا أعالج نفسي أيها الضحايا، ها هو كيفين سبيسي يعترف بخطئه، حسنًا؟ لعلكم تهدأون.