النسيان ..طبيب الفقراء وفِرَق الموت

ترسم الرواية ملامح علاقة خاصة نشأت بين هذا الطفل وأبيه، في بيت تملؤه النساء؛ خمس شقيقات وراهبة وخادمتين ومربية، إضافة إلى الأم.

كيف يمكن للكتابة أن تكون سلاحًا، يهزم التعصب والعنف والسلطة الظالمة؟ في رواية "النسيان" للكولومبي إكتور آباد فاسيولينسي، الحاصلة على جائزة حقوق الإنسان، من مكتب واشنطون لشؤون أمريكا اللاتينية، وعلى جائزة أفضل عمل مترجم للبرتغالية، عام 2008/2009، وترجمها إلى العربية مارك جمال عن الإسبانية، يروي الكاتب قصة والده، تلك الشخصية الآسرة، التي تجبرك علي الوقوع في حبها. الأب و الطبيب وأستاذ الجامعة، وصاحب المواقف الشجاعة، في المجتمع الكولومبي، في خمسينيات القرن العشرين وحتى الثمانينيات.

غلاف الرواية

ترسم الرواية ملامح علاقة خاصة نشأت بين هذا الطفل وأبيه، في بيت تملؤه النساء؛ خمس شقيقات وراهبة وخادمتين ومربية، إضافة إلى الأم. فهو يواجه الراهبة برغبته في الذهاب للجحيم، الذي قالت إنه ينتظر والده، لأنه لا يواظب على القداس الإلهي. وعلاقته بأبيه أقرب لعلاقات أصدقائه بأمهاتهم؛ علاقة تعلق وحب عاطفي؛ حب حتى لرائحته في الفراش عندما يسافر. كان الأب حنونًا وعاطفيًا؛ يسمح لابنه بكل شيء تقريبًا، فيما عدا عدم احترام الخادمات، وضرب شقيقاته، وإهمال نظافته العامة. فيما عدا ذلك، كل شيء مسموح؛ من العبث بأشيائه، حتى أخذ أي نقود من محفظته. وكان عدم اهتمام الأب بالشؤون المالية لا يقتصر على أبنائه، بل يمتد للتعامل مع الآخرين، من مزارعين وعمال، بما في ذلك إقراضه المال لطلبة الجامعة الفقراء، عن طيب خاطر. فهو شخص لا يضع المال ضمن اهتماماته في الحياة.

تظهر ملامح الدكتور فاسيوليني، في عاطفة متدفقة على الدوام، فعند وصول الابن للمنزل يغمره بقبلاته وأحضانه والكلمات الحانية والضحك. وكان غضبه نادرًا ولكنه يظهر عند الأوقات الحاسمة، فعندما اشترك إكتور مع عصابة من الأطفال في قذف منزل أسرة يهودية بالحصى، والصياح بعبارات مسيئة لهم، كان رد فعل الأب هو جذب الابن بعنف من ذراعه، وإجباره على الاعتذار للأسرة، ومع العودة للمنزل أخبر ابنه عما حدث لليهود من النازيين عن واجبه في احترام الغجر واليهود والهنود، وهم من عانوا كثيرًا في هذا العالم، فالأب يعطي المحبة ويرفض العنصرية والتمييز بين البشر.

كان الوالد صاحب دور اجتماعي، ومهتم بأن يعرف أبناؤه ما يعانيه باقي المجتمع الفقير في كولومبيا، فكان يصطحبهم إلى أكثر المناطق فقرًا، في "ميديين"، حيث يعيشون.

كان الأب مؤمنًا بأن "السعادة هي خير وسيلة للتعليم"، لدرجة أنه قد سمح لابنه بتأجيل الذهاب لروضة الأطفال، التي لم يكن يحبها لمدة عام كامل، بناءً علي رغبته لينتظم الابن بعد ذلك في الدراسة حتي نهاية تعليمه. وبينما كان الجد يرى أن تربية هذا الحفيد ينقصها اليد القاسية، كان الأب يرى أن الحياة قاسية بما فيه الكفاية، وأنها سوف تقسو على الجميع، فليس عليه إعانتها على ذلك.

كان الوالد صاحب دور اجتماعي، ومهتم بأن يعرف أبناؤه ما يعانيه باقي المجتمع الفقير في كولومبيا، فكان يصطحبهم إلى أكثر المناطق فقرًا، في "ميديين"، حيث يعيشون، ويدرس ما يعانيه سكان تلك المناطق من فقر وسوء تغذية، وتأثير ذلك على القدرة على التعلم، وعلى النمو الصحي، وينشئ برامجًا للتوعية الصحية، ولعمل شبكات للصرف الصحي، وللقضاء على الأمراض المعدية. وكان يقوم بأنشطة مماثلة منذ كان طالبًا في كلية الطب، يصدر صحيفة طلابية تطالب بالرعاية الكافية، ومكافحة مرض التيفويد. ويواجه من خلال صحيفته هذه ممثلي الحكومة المقصرين، ويصف أعضاء المجلس المحلي بالمجرمين، لإهمالهم المتسبب في التلوث، الذي يؤدي لانتشار التيفويد. ولتصبح هذه رسالته في الحياة؛ الطب المجتمعي، وواجب أستاذ الجامعة تجاه مجتمعه، الذي يعاني الفقر والفساد والمرض. ليدخل الدكتور فاسيوليني معركة إصلاح المجتمع، وما يتبعها دائمًا من اتهامات من القوى التقليدية والقديمة.

جلبت تلك الأنشطة الاتهامات للدكتور، واتهمه سياسي مشهور بأنه ماركسي. ونتيجة لهذا الاتهام قرر أن يقرأ ماركس، الذي لم يكن قد قرأ له شيئًا، وتحول إلى مناضل يساري، لكنه محب للمسيح. ماركسي الاقتصاد، ليبرالي السياسة، ضد أي ديكتاتورية، حتي لو كانت ديكتاتورية الطبقة العاملة. كذلك نال هجوم بعض كهنة الكنيسة، الذين اعتبروه الطبيب الشيوعي، الذي ينشر الحقد في المدينة. لا يكتفي الدكتور آباد بوظيفته الجامعية، بل هو ينزل إلى الواقع، ولفئات المجتمع المحتاجة إلى مساعدته، ولتطبيقه المبادئ التي ينادي بها عمليًا.

كانت كلمة الأب التي نصح بها ابنه، هي أن "أسوأ ما في الحياة ألا يكون المرء نفسه"، لتصبح دليلًا يساعده في حياته، وفي اختياراته.

تبدو شخصية اﻷب الاصلاحية هنا أخلاقية ومتدينة، ولكن نظرته للدين هي نظرة مختلفة، تهتم بجوهره المبني على العدل والرحمة بالفقراء، ولا يهتم كثيرًا بالشعائر. ومع تصاعد النشاط التبشيري للكنيسة الكاثوليكية القادم من أوروبا، في مواجهة المد الشيوعي حول العالم. وصل الحماس الديني في المدينة إلى ذروته في "مسبحة الفجر"، وهو موكب يضم ألفي شخص، يجوب الحي في الفجر لإيقاظ الناس، وإيقاظ الإيمان بالعذراء مريم، وعند اعتراض عميد كلية الهندسة على ضجيج الموكب، في مقال في إحدى الصحف، تم فصله من الجامعة وأعلن عدد من المثقفين تأييدهم للقرار، بينما كان الطبيب الأب هو الأستاذ الجامعي الرافض للفصل دفاعًا عن الحق في حرية التعبير. وكان هناك انقسام في عائلة إكتور بين المتدينين، ومنهم والدته، وبين الليبراليين، ومنهم والده. ومع تصاعد العنف بين الليبراليين والمحافظين تخلى الأب عن منصبه في وزارة الصحة، حتى لا يكون شريكًا في مذابح النظام المحافظ، وعمل كطبيب استشاري في منظمة الصحة العالمية، ليترك البلاد في أقسى سنوات المجازر بين الليبراليين والمحافظين، رافضًا التورط في مساندة العنف كما يرفض تكميم الأفواه باسم الدين.

كانت كلمة الأب التي نصح بها ابنه، هي أن "أسوأ ما في الحياة ألا يكون المرء نفسه"، لتصبح دليلًا يساعده في حياته، وفي اختياراته، التي يجب أن تعبر عن شخصية المرء ولا تكون مجرد مجاراة للمجتمع، يكذب فيها الإنسان على نفسه، فأسوأ ما في الحياة ألا يكون المرء نفسه، والتظاهر والرياء هما أسوأ الآفات. فعند مقتل أحد الطلاب علي يد قوات الجيش في السبعينيات، داخل الجامعة في كولومبيا، كان رد فعل الطلبة هو حمل الجثة على الأكتاف، ثم وضعها فوق مكتب رئيس الجامعة، ثم إشعال النيران في المقر الاداري للجامعة. وبينما كان رئيس الجامعة سلطويًا ومناصرًا لوجود الجيش داخل الجامعة، كانت هناك مجموعة من الأساتذة معارضين له، بما فيهم والد إكتور. وعلي الرغم من فصل عدد كبير من الاساتذة المعارضين، الا أنهم قد انتصروا في النهاية، وتمت إقالة رئيس الجامعة، وعودة الأساتذة المفصولين.

ومع تقاعد دكتور فاسيوليني عند بلوغه واحدًا وستين سنة، وعلى الرغم من رغبته في الاستمرار في التدريس، والتعامل مع الطلبة، وأنشطته المجتمعية، اتجه للاعتناء بالنباتات في المزرعة، والاستماع للموسيقي الكلاسيكية، وإعداد برنامجه الإذاعي، والقراءة. وتوجه نشاطه في الثمانينيات إلى محاربة العنف وأسبابه، ومساندة من يتعرضون للعنف والتعذيب والإخفاء القسري، من جانب الدولة وفرق الموت التابعة لها. وأيضا كان منددًا بالعمليات الارهابية من جانب حركة التمرد المسلحة، وكان نشاطه سببًا لتحذيره من بعض المعارف ممن يتواجدون في الحكومة، مما دعا أبناؤه إلى تحذيره من هذا النشاط الزائد. وكانت الجماعات التي تقوم باغتيال المعارضين واليساريين هي عبارة عن خليط من أصحاب مزارع الموز ورجال الجيش والجماعات شبه العسكرية والمخابرات. وكان الدكتور آباد مشاركًا في المظاهرات والمسيرات، وكانت الفرق العسكرية لا تمسه بسوء، فهو رجل معروف بطيبته وإخلاصه، بل وكانت الحكومة تستدعيه لحل بعض المواقف العالقة بينها وبين جماعات التمرد المسلحة. واستمر تنديده بالقتل الممنهج لطلبة وأساتذة الجامعات، ومطالبته بحقوق السكان الأصليين، وتمسكه بالمساواة بين جميع المواطنين، ليستمر في دوره المجتمعي حتى بعد خروجه من الجامعة.

"انتقامي الوحيد أن أروي ما حدث"

في السادس والعشرين من أغسطس/آب عام 1987 تم اغتيال الدكتور آباد. ولمدة عشرين عامًا كان يطارد إكتور الشعور بواجبه تجاه ما حدث، ليس بالثأر والانتقام، الذي يتنافى مع مبادئ الأب، ولكن برواية ما حدث، وبأن يحكي عن شخصيته الإنسانية، وشجاعته وحبه للآخر. وليصبح ذلك الكتاب وسيلة الكاتب ليحمي حكاية والده من "النسيان"، عن طريق الكلمات. لتصبح الرواية التي حصلت على عدة جوائز، وتمت ترجمتها للعديد من اللغات، دليلًا على أن الكلمات تعيش وتؤثر أكثر من العنف والرصاص والتسلط، وأن حكاية الطبيب إكتور آباد ستصبح مثالًا يمكن الاستفادة منه وتأمله، والتعايش معه ومحاكاته، بين شخصيات وبلاد عديدة، لا تعرف الكثير عن كولومبيا، ولكن يوجد بها من سيعرف حكاية إنسانية تصلح لكل زمان ومكان ستظل تقاوم "النسيان".