العلم في فخّ الميتافيزيقا: قراءة في كتاب (لعبٌ مع الكون) لأحمد سمير سعد

العالِم الحَقّ هو ذلك الذي يعلم الأشياء في حقيقتِها، ولمّا كان هذا مستحيلاً إلا على إلهٍ كلّيّ المعرفة، فلا عالِمَ حَقًّا إلاّ هو.

"العالِم الحَقّ لا يرضخ للميتافيزيقا حتى ولو كان مؤمنًا شديدَ الإيمان". هذه هي الجملة الأخيرة في كتاب "لعبٌ مع الكون"، وهي في تصوُّري تلخص الهَمّ المؤرّق لكاتبنا، أحمد سمير سعد، وهو باعثُ إقدامه على التصدّي للكتابة في هذا الحقل، أعني الكتابة العلمية لغير المتخصصين.

المقال الأخير، الذي اختُتِم بهذه الجملة هو "حدود العلم وخضوعه للماوراء"، ونجدُ فيه صدىً لسؤالٍ تردد كثيرًا في مقالات هذا الكتاب، هو "أين ينتهي دورُ العلم، ويبدأ دور الفلسفة/الدِّين؟" سنعودُ إلى هذه الجملة بالتأكيد في نهاية المقال!

ابتداءً ليس لنا أن ننسى أن هذا هو الكتاب السابع لصاحبه، الذي تنوّع إنتاجه بين مجموعتين قصصيتين، وثلاث روايات، وكتابٍ عصِيٍّ على التصنيف هو "تسبيحةٌ دستورية"، يقف على تخوم الأدب السياسي والفانتازيا والنثر الحُرّ، مثلما يقف هذا الكتاب على تخوم فلسفة العلم وتاريخ العلم.

في تقديري أنّ الملاحظة الببليوجرافية السابقة على إنتاج كاتبِنا ترتبطُ بأحد هموم هذا الكتاب، وهو هَمٌّ تجسّد أوضحَ ما يكون في مقالين هما "العلمُ كأسطورة"، و"بين الإنساني والتجريبي". هذا الهم هو الاتصال والانفصال بين العلوم الطبيعية، من جهة، والإنسانيات والأدب والفنون بعامّةٍ، من جهةٍ أخرى.

يتعرض مقال "بين الإنساني والتجريبي" لملاحظة الروائي والأكاديمي البريطاني تشارلز پيرسي سنو الهُوّة بين المشتغلين بالإنسانيات والمشتغلين بالطبيعيات. تاريخيًّا بسط سنو ملاحظته هذه في منتصف الخمسينيات، لكنّ نظرةً إلى الحال في مصر الآن تدلُّنا على عمق هذه الهُوّة السحيقة في زماننا ومكاننا!

في تصوري أنّه لولا قدرٌ عظيمٌ من المعرفة العلمية والاهتمام بالعلوم الطبيعية ما أمكن للفيلسوف الألماني العظيم إيمانويل كانط، في نهاية القرن الثامن عشر، أن يعلّق على نموذج نيوتن للعالَم، ويقترح له تعديلاتٍ يوجزُ نتيجتها في قولته الشهيرة: "لا حاجةَ بنا إذَن إلى (يد الله) النيوتونية، التي تتدخل في الوقت المناسب، لتمنع توقُّفَ الأجرام السماوية عن الحركة، كما تنبأ بها نموذج نيوتن".

وما كان له أن يقترح الافتراض السديمي (Nebular Hypothesis)، لنشأة الكواكب، ليصدّقه مسارُ البحث الكوني في عصرنا. ولولا قدرٌ مشابهٌ من هذه المعرفة، ما كان يتسنّى للشاعر والقاصّ العظيم إدغار آلَن پو أن يقترح حلاً لمفارقة أولبرس (Olbers' Paradox)، التي تعرّض لتاريخِها كاتبُنا في فصل "مفارقاتٌ علمية"، وهي تلك المفارقة المتعلقة بالظلام الذي نشاهده في السماء، وعدم توافقه مع الاعتقاد الشائع منذ أرسطو إلى زمن أولبرس في لانهائية وأزلية وأبدية الكون. كان اقتراحُ پو هو أنّ الكون متناهٍ وله نقطةُ بدايةٍ في الزمن، وهو الاقتراح الذي عضّدَه مسار البحث أيضًا، حين وصل إلى نظرية "الانفجار الكبير" وما بعدها. في مقابل هذا، نكتشفُ أنّ الاهتمام بالأدب لم يكن غائبًا عن مورِاي جِل-مان وهو يختار اسمًا للكوارك Quark ذلك الجُسيم الأوّلي المكون للجسيمات تحت-الذَّرّيّة الأكبر، حيث استقاه من رواية "سهر فينغان" (Finnegans' Wake) لجيمس جويس.

عودًا من الاستطراد إلى كتابنا، ثَمَّ إلماحاتٌ من الكاتب إلى التقاء العلم الطبيعي مع الفنون والإنسانيات والفلسفة، ليس فقط من منطلَق أنّها جميعًا طرقٌ لمعرفة الحقيقة، لكنّه التقاءٌ في النسَق الكلّيّ الحاكم لطريقة التفكير في كلٍّ منها. فالمعروفُ في تاريخ الفن مثلًا أنّ تجاوز طريقةٍ ما للتعبير في الموسيقى أو الفن التشكيلي أمرٌ غير مطروحٍ مع ظهور طرقٍ أحدث، وأنّ تجاوُر الطرق المختلفة هو الأكثر واقعيةً، فظهور التجريدية لا يُلغي حقّ فنانٍ في إبداع لوحةٍ تتذرع بأبجديات التشكيل الكلاسيكية، وظهور تيار المينيمالزم/ البساطة لا يحجُر على حقّ موسيقيٍّ في الرجوع إلى طرائق عصر الباروك وتأليف (فُوجا) معقّدة الزخارف كفوجات باخ! كذلك في الفلسفة، يكاد يُجمِع مؤرّخو الفلسفة على أنّ أصول المشكلات التي تتناولها الفلسفة بالدراسة لم تتغير منذ ما قبل سقراط، ولا تموت أية فكرة فلسفية لأنها تمثل زادًا يمكن الرجوع إليه وتقديمه بطريقةٍ أخرى بعد ألفَي عام!

هنا يقدّم الكتاب نماذج من حالة العودة إلى الماضي تجتاحُ المجتمع العلمي، كزرافة لامارك التي ساقها كنموذجٍ للتطور نتيجةً لتراكم وتوريث الصفات المكتسبة في الخلايا الجسدية، وقضاء نظرية النشوء والارتقاء لداروين عليها، وعودتها مؤخّرًا إلى الظهور في شكلٍ جديدٍ في مبحث الإپيچينات Epigenetics الذي يُعنى بتأثير البيئة على ترجمة چينات الكائن الحي. النموذج الآخَر المثير للخيال بين النماذج التي يسوقها الكتاب في فصل "العلم كأسطورة" هو إنكار أرسطو للفراغ حتى قال بعض القدماء إن اللهَ نفسه لا يمكن أن يخلق الفراغ، ثم تصورُ أينشتاين لفراغٍ متواصلٍ ساكنٍ بين الأجرام السماوية في نموذجه للكون، وأخيرًا تصوُّر نظرية الكمّ للفراغ النشِط الذي تتولّد خلالَه جسيماتٌ من العدَم لتعود إلى العدم طيلةَ الوقت. هنا يلفتنا الكاتب إلى تلك البنية الدائرية لتاريخ العلم، والتي يتماسّ من خلالها مع الأسطورة والفنّ والفلسفة، والتي من شأنها في الحقيقة أن تقضي على بواعث الكِبر والعُجب بالرأي والاغترار بالمُنجَز البحثي لدى المشتغلين بالعلم الطبيعي!

في الحقيقة تسيطر على نسيج الكتاب هذه الإلماحات بشكلٍ وسواسيٍّ لا يمكن تجاهلُه. في فصل "العلم سِحرٌ خالص" الافتتاحي يتحدث الكاتب عن وصول الفيزياء المعاصرة إلى حصر القوى الأساسية في الكون في أربعةٍ هي الكهرومغناطيسية والجاذبية والنووية القوية والضعيفة، وأنّ كُلاًّ منها محمولٌ على جسيماتٍ ذات طبيعةٍ مزدوجة (جسيم/موجة)، وأنّ الجاذبية تحديدًا –تبعًا لنموذج نظرية الكَمّ– محمولةٌ على جسيمٍ عديم الكتلة لا يمكن لأجهزتنا رصده، وإن كانت الرياضيات تنبأت بوجوده، يُدعى الجرافِتون Graviton.

المهم أن هذا الأخير هو كيانٌ نتحدثُ عنه ولا نراه، ويعقّب كاتبُنا في الفصل الثاني "العلم مؤمن وملحد ولا أدري": "العلم لم يكن أسعد حظًّا من الفلسفة، فقد سقط في فخ الميتافيزيقا كذلك"، وهو صادقٌ بدرجةٍ كبيرةٍ هنا.

يُصَدَّر الفصلُ الثاني ببيان أنّ البعض حصر دور الفلسفة في دراسة اللغة فقط، ثُم بقول برتراند رسل: "إن العلم يدور حول ما نعرفه أما الفلسفة فحول ما لا نعرفه". ما لم يَقُله الكتابُ وإن كان يشيرُ إليه بحكم سياقه القوي هو أنّ رسل بحكم انتمائه لتيار الفلسفة التحليلية، مع چورچ مور وفتجنشتاين (المرتبط بفلسفة اللغة المُشار إليها)، وبحكم نظريته الوصفية التي تحاول أن تستبعد الميتافيزيقا، أشار إلى فكرة (الرموز الناقصة) في القضايا المنطقية، ككلمة (صِنف) و(علاقة) مثَلاً، فهي عنده لا تشير إلى أشياء أو معانٍ لها وجودٌ واقعيٌّ في عالَمٍ آخَر (كما في نظرية المثل الأفلاطونية)، وإنما هي رموزٌ لا تُفهَم إلا في سياق قضية.

والمهم أنه بهذا الحلّ لم يقضِ تمامًا على مشكلة الميتافيزيقا، وإنما صاغها صياغةً أخرى، وحين نعودُ إلى قضية الجرافتون، نجد أن العلم الطبيعي بالفعل وقع هنا في مأزقٍ ميتافيزيقي، فإما أن الجرافتون رمزٌ ناقصٌ بحسب صياغة رسل، وإما أنه كيانٌ مفارقٌ لا يمكن معرفته حقَّ المعرفة، وفي الحالتين تَحضُر الميتافيزيقا بقوة!

في فصل "الهوس بالمركز" يبسط كاتبنا تاريخ نظريات الكون منذ مركزية الأرض البطليموسية، ومرورًا بمركزية الشمس عند جاليليو وكوپرنيكوس، وانتهاءً باللامركزية التي انتهى إليها مسار البحث الكوني في زماننا. يُلمِح كاتبنا هنا –حين يقول إن الأرض مركز وأن الشمس مركز وأندروميدا مركز في هذا النظام الجديد- إلى شكلٍ كونيٍّ من أشكال ممارسة استراتيچية التفكيك كما يعرفها النقد الأدبي! يبدأ فقرته بقوله: "هكذا وبشكلٍ بديعٍ وربما صوفيٍّ عادت الأرضُ لتكون مركزًا للكون". الأحرى أنّ هذه اللامركزية تقع على تخوم التصوف والتفكيك، بحسب رؤيتنا التي لا يحسمها العلم المؤمن/الملحد/اللاأدري! فإن سلّمنا بأنّ وراء هذه السيولة الشاملة إلهًا عظيمًا قدّرَ للكون أن يدور من الفناء إلى الفناء، وألاّ باقِيَ إلا وجهُه، فقد اقتربنا من التصوف، وإن سلّمنا بأننا على شفا حفرةٍ عميقةٍ مظلمةٍ من اللامعنى كما يقولُ دريدا، وبأنّ ما يُعطي التعيناتِ الماديةَ المختلفةَ حقائقَها النسبيةَ هو ذلك الاختلافُ المُرجئ La Différance – الذي هو في حقيقته رمزٌ ناقصٌ كما أَسلفَ رسل -فنحن في هُوّة التفكيك بالفعل!

ثَمّ هَمٌّ آخر في مقال "تسلا أم أديسون" يتماسّ مع هَمّ علاقة العلم الطبيعي بالإنسانيات. هذا الهَمّ هو العلاقة بين شخصية العالِم ومِزاجه من ناحيةٍ ومُنجَزه العلمي وبنية أبحاثه من ناحية. يتعرض الفصل لفوضوية (تسلا) وتمرُّده على الأعراف العلمية المستقرة، وعبقرية (أديسون) المنظَّمَة، وعلاقة ذلك بطبيعة منجزِهما ولحظة لقائهما التاريخية. هل انعكست فوضوية (تسلا) على حماسه للتيار الكهربي المتردد كما انعكس نظامُ (أديسون) على حماسه للتيار المستمر؟! يبدو هذا مثيرًا للخيال وباعثًا على رغبةٍ في العكوف على مشروعٍ طموحٍ لتتبُّع علاقة شخصيات العلماء البارزين في تاريخ البشرية بطبيعة منجزاتهم. ويذكّرُنا من ناحيةٍ أخرى بتصريح (وليم چيمس) في مقالِه (دوافع التفلسُف The Sentiment of Rationality): "إن تاريخ الفلسفة هو إلى حدٍّ كبيرٍ تاريخُ صراعٍ بين الأمزجة الإنسانية" في إشارةٍ إلى ما أسماه المزاج الشخصي personal temperament وعلاقته بتكوين المذهب الفلسفي لكل فيلسوف. هل يلتقي هنا العلم بالفلسفة؟ ألا يعني هذا نقصًا في الموضوعية التي يدّعيها المشتغلون بالعلم الطبيعي بدرجةٍ ما؟!

انتهاءً، نعودُ إلى المقولة التي ختم بها كاتبُنا كتابَه، والتي صدّرنا بها هذه القراءة. في استعراض الكتاب لتاريخ نموذجَي نيوتن وأينشتاين للكون يركّز الكاتبُ على شكلٍ من أشكال القصور الذاتي الذي عناه نيوتن حين استعان بـ(يد الربّ) لتفسيرِ ما لا تفسّره نظريته، وعناه أينشتاين كذلك حين رفض الخُروق التي أثبتتها الصياغة الرياضية لنظريته فاستعانَ بثابتٍ ما، ثُمّ صرّح بأنه "لا يمكن أن يؤمن بإله يلعبُ النرد" تعقيبًا على الاحتمالية الواسعة التي فتحت آفاقَها نظريةُ الكَمّ، إيمانًا منه بأنّ الكون بالضرورة أقربُ إلى ساعةٍ منضبطةٍ بضبطٍ إلهيٍّ، يختلف عن ضبط نيوتن لكنّه ضبطٌ في النهاية. في هاتين الحالتين – ونحن نعرف من سيرة الرجُلين أنهما كانا شديدَي الإيمان – رضخا للميتافيزيقا بوضوح. فهل لم يكونا عالِمَين؟ هل ننفي عنهما صفة العلم؟ أم أنهما لم يكونا (العالِم الحَقّ)؟

هذه الجملة الختامية محيِّرةٌ جدًّا في الحقيقة. ربما كان استخدام مفردة (الحَق) هو الخلاص الوحيد من هذه الحيرة، إذا أحالتنا إلى نقاشٍ أداره الكاتب في فصولٍ سابقةٍ عن معرفة الأشياء في حقيقتِها. الأشياء في حقيقتِها هي عينُ الميتافيزيقا، كما عبّر عن معضلتِها كانط في صياغته (الشيءُ في ذاتِه Die Sache an sich selbst) المستعصي على المعرفة. هكذا يتضحُ أنّنا أمام كتابٍ يلوذ مؤلفه بإيمانٍ عميقٍ وراء العلم، وتسليمٍ نهائيٍّ وسط خضمّ النظريات الثورية المتلاحقة في تاريخ العلم.

العالِم الحَقّ هو ذلك الذي يعلم الأشياء في حقيقتِها، ولمّا كان هذا مستحيلاً إلا على إلهٍ كلّيّ المعرفة، فلا عالِمَ حَقًّا إلاّ هو.