متظاهر يواجه قوات الأمن أثناء ثورة 25 يناير 2011

أين يتوارى ضمير مصر؟

لا مناص من أن يعتمد هذا التغيير على قاعدة رفض السلطة السياسية ومنظومتها القيمية والأخلاقية، والتي كانت ولا تزال سببًا مباشرًا ورئيسيًا في نكبة الوطن وتخلفه.

في إحدى قصص مجموعة "الرقصة المباحة" كتب الأديب يحيى الطاهر عبد الله أن الحقيقة ضاعت "لما اختلط كلام الناس بكلام العيون، كلام العسكر بكلام المخبرين بكلام السجانين". يرزح الفضاء العام في مصر بالفعل تحت وطأة زحام خانق من الصور والمعاني والأصوات والأضواء والظلال، تتفاعل وتتصادم وتتعارك وتغطي على بعضها البعض في حركة دائبة.

ثمة مثققين ثقاة ورجال فكر عتاة تركوا بصماتهم النجيبة في الفكر والإبداع الإنساني، إرث من ذهب لمن أراد التفكر والتدبر والتأمل. وفي جانب من المشهد زرافات من أشباه مثقفين، أو ما دون ذلك، فقيرون في العلم حد الإملاق، أغنياء في الابتذال حد الإفراط، يتدلق من ألسنتهم جهل ونفاق من أسوأ الأنواع. وعلى جانب آخر من الصورة مبعوثو الرذيلة الذين تمكنوا من فن السباب، وصاروا برغم ذلك نجومًا مؤثرين، يتبعهم ويحسن وفادتهم أرهاط من المحبين والمريدين أينما ولوا وجوههم، وكأنهم أنبياء هذا الزمان. وهناك في زاوية أخرى نفر ما زالوا متمسكين بالمسافة بين شهيق الإخلاص وزفير العجز بأهداب الأمل، يحاولون أن يجدوا لهم مكانًا صغيرًا تحت الشمس، رغم الزمن الوغد والظروف غير المواتية. ومن الماضي تراث ضخم من النصوص والأفكار والتفاسير والآراء يفرض حضورًا طاغيًا على الجميع.

في الحديقة المصرية إذن تنوع هائل، الشذى والعطن يتجاوران، هجين متنافر من رياض آسرة ومستنقعات آسنة، جو حميم وأرض رميم. ولذلك تشابه على الكثيرين الأمر، وفاتت عليهم القدرة على التمييز بين الغث والسمين، فانحازوا لأرباب الرذيلة وأبناء السفاهة على حساب أولي العلم والفضيلة. ولهذا يجدر التساؤل: أين يقبع ضمير مصر الحقيقي في وسط كل هذا الصخب السريالي؟ أين هي البوصلة؟ وإلام يكون النسب؟

***

حتى يستقيم هذا الضمير في مصر، ولئلا يتحول إلى شكل من أشكال سلوك القطيع، يجب أن يتسم هذا الضمير الوطني في تصوري بأربعة شروط أساسية لا غنى عنها.

أولًا، وقبل أي شيء، يجب أن يتسم هذا الضمير بالإنسانية. وعليه، فكل ما تصادم أو تناقض مع المبادئ الإنسانية العليا وقيم العيش المشترك بين أبناء البسيطة، يجب أن نقلب له ظهر المِجَن، حتى لو ارتبط في وجدان الناس بفعل التعود، أو الميل الوجداني، أو تأثير السلطة السياسية أو الدينية، وحتى لو كان جزءًا من التراث الوطني أو الديني للبلاد.

ما النفع مثلًا من التشبث بنصوص أو عادات أو طرائق تفكير أو صور ذهنية تحول دون التقدم الإنساني المنشود؟ مثال ذلك ما استوطن في التراث الديني من تفاسير معوجة، تحض بطريق مباشر أو غير مباشر على العنف، أو كراهية الآخر، أو التعصب ضد المرأة، أو إساءة معاملة الأطفال.

العمود الثاني هو العلم، فلا قيمة لمعلومات وقناعات تُتداول جيلًا بعد جيل إن كانت متنافرة مع ما أثبته العلم. ولا داعي للتذكير بأن مجتمعنا في العموم مجتمع غير علمي، لا منهج ولا أفكار، وأن الكثير مما يسيطر على العقول هو إما كلام جاهل قح أو تصورات تغرق العقل في غيبيات وأساطير بينها وبين العلم آماد وآماد.

لم يكن غريبًا أن يركز إدوارد سعيد -في كتابه "المثقف والسلطة"- على أن المثقف يجب أن يكون دومًا على يسار السلطة.

أما العمود - الشرط - الثالث للضمير فهو الارتباط بثقافة المكان. فالضمير قفزة نحو المستقبل بقدر ما هو ارتباط بجذور الماضي، بالتاريخ والجغرافيا والوجدان والمخيلة. وأفضل القفز هو ما ارتكزت الأقدام فيه على أرضية صلبة، متمثلة في هوية واضحة، وفهم لطبيعة الموقع والدور والمهمة. وفي هذا الإطار يتعين بالضرورة أن يتحرى الضمير الوطني عدة مسائل شائكة، مثل العلاقة بين الماضي والمستقبل، وبين الأصالة والمعاصرة، وبين التراث والتجديد.

الشرط الرابع للضمير هو أن يكون على الجانب الآخر من السلطة، وفي معسكر التغيير الاجتماعي الواسع. فمعضلة هذه الأمة في حدها الأعلى هو تخلفها السياسي والمجتمعي، وكلاهما بالطبع يغذي بعضه البعض. في ظل هذا التخلف المقيم منذ قرون، والتي تحاصرنا أوجهه وتداعياته وإرهاصاته في كل مكان، لا حل أبدًا - وعلى وجه اليقين - سوى بالتغيير الاجتماعي، ليس فقط المتدرج البطيء، بل السريع المتسارع، الساعي لتعويض ما فات واللحاق بركب الحضارة ومواكبة الحداثة في أسرع وقت.

لا مناص من أن يعتمد هذا التغيير على قاعدة رفض السلطة السياسية ومنظومتها القيمية والأخلاقية، والتي كانت ولا تزال سببًا مباشرًا ورئيسيًا في نكبة الوطن وتخلفه. لذلك لم يكن غريبًا أن يركز إدوارد سعيد -في كتابه "المثقف والسلطة"- على أن المثقف يجب أن يكون دومًا على يسار السلطة، لأنه يسعى للتغيير فيما السلطة بطبائع الأمور تسعى باستماتة لاستدامة الوضع الراهن، وأن يقول أمل دنقل "المجد للشيطان معبود الرياح، من قال لا في وجه من قالوا نعم" لأن من قال لا لم يمت، وأن يقف الحلاج في وجه السلطة وقهرها و"ألفاظها البراقة كالفخار المدهون"، وكذلك أن يُلقى - نتيجة لمحاولاتهم المضنية - بآلاف من المثقفين عبر القرون الغابرة في غياهب السجون، ذلك أنهم "فهموا" وسعوا أن "يُفهموا الآخرين" أن التغيير أم الحاجات وضرورة الضرورات. بل وأن يتخذ أدونيس الرفض ميثاق حياة وسبب وجود: أفتت العالم كي أمنحه الوجود/ضاربًا بعصاي الصخر حيث ينبجس الرفض/يغسل جسد البسيطة/معلنًا طوفان الرفض/معلنًا سفر تكوينه.

ذلك بالتحديد هو سبب البريق الذي يتمتع به مفهوم "الثورة" بين المثقفين، وتلك المكانة التي يولونها لكلمة "لا"، وهو سبب بزوغ "أدب المقاومة" بينهم كلون أدبي خالص. كل ذلك لم يفهمه العامة من أعضاء حزب الكنبة ورواد مدرسة أن العين لا تعلو عن الحاجب، والمتمسكون بمقولات بالية مثل "على قد لحافك مد رجليك"، و"المكتوب على الجبين لازم تشوفه العين"، و"من خرج من داره اتقل مقداره"، وسائر الأمثال الشعبية التي تحض على الاستكانة والقبول بالأمر الواقع مهما اعتراه من ضيم وهدر لحقوق الناس. وبفعل الغفلة وقصور الأذهان وجدت كذلك تصورات تافهة سوقًا لها بين جنباتهم، مثل أن الديكتاتورية ضرورية لبعض المجتمعات، التي يناسبها نموذج "المستبد العادل" أكثر من الديمقراطية وحكم القانون، أو أن احترام حقوق الإنسان يجلب على المجتمعات الوبال الشديد، أو أن طأطأة الرؤوس وإحناء الظهور أصلح للعباد من الجهر بكلمة الحق.

المثققون الحقيقيون - على الجانب الآخر - هم رسل التغيير، دعاة كسر الأغلال، ودحض الجمود والتحجر، والانطلاق إلى رحاب المستقبل، أما الجموع فمتحفظين، يغلب عليهم الخمول العقلي والنفور من التغيير. ولهذه الشقة الواسعة كالوهد العظيم بين الفريقين، قال الشاعر: تريدونني أن أكون مثلكم/تطبخونني في قدر صلواتكم/آه يا موتى، تعيشون كالبلاط/يفصلني عنكم بعد بحجم السراب.

***

فلنهمل الوجوه الكالحة المطلة على المنابر والشاشات البراقة، فهم كغثاء السيل، صوتهم عال لكن كلماتهم سم ودعواهم خراب. ولنتلمس ضمير مصر الحقيقي في صيحات الأفغاني ووصايا الكواكبي وأفكار أحمد بهاء الدين ونظريات لويس عوض وأشعار أمل دنقل، بحثًا عن الحقيقة ورفعًا للوعي وشحذًا للهمم، حتى يقضي الله بعدها أمرًا كان مفعولًا.