"قتل غزالة مقدسة".. الرب حاكمنا

فكرة العين بالعين/الانتقام العادل أُزيح مفهومها الحقيقي في وقتنا الراهن، لذا، يبدو الانتقام فكرة سلبية للمجتمع المتحضر، بينما هي، في الأساس، عقيدة أصيلة في المجتمعات الإنسانية.

شاشة سوداء، يستمر عرضها لبضع ثوان، تصحبها موسيقى كنسية من القرن الثامن عشر. مع دخول أصوات المغنين، تنفتح الصورة فجأة على قلب ينبض. تبتعد الكاميرا شيئًا فشيئًا لتكتشف أن القلب في المنتصف من فتحة جراحية إهليجية الشكل، تشبه فتحة العين البشرية. القلب محاط بأغطية خضراء مثبته بغرز جراحية في عظام القفص الصدري، وبينما أيدي الجراحين تعمل من فوقه، القلب النابض، العين التي تتحرك في جميع الاتجاهات، ترى وتشهد، ثم تتحرك مرة أخرى، بدون توقف!

(The Killing of a Sacred Deer (2017 "قتل غزالة مقدسة"، فيلم رعب نفسي، من تأليف يورجس لانثيموس وإيفثيميس فيليبو، إخراج يورجس لانثيموس. تمثيل كولن فارل، نيكول كيدمان، باري كيوجان، ورافي كاسيدي.

يتناول الفيلم قصة جراح قلب شهير تربطه علاقة تودد غامضة بمراهق، يتضح فيما بعد أن الجراح قد قام بإجراء عملية قلب مفتوح لوالد المراهق ومات في أثنائها. يستجيب المراهق لاهتمام الجراح، ويقبل هداياه ودعوته ليتعرف إلى أسرته في المنزل، الزوجة والابنة والابن. تتطور الأحداث وصولًا إلى المشهد الذي يصاب فيه ابن الجراح بمرض مجهول لا تفسير له في العرف الطبي. يواجه المراهق الجراح بأن هذا المرض لا علاج له، وأنه مرض ذو أربع مراحل ينتهي بالموت، وأنه سيصيب الابن والابنة والزوجة تباعًا ويقضي عليهم جميعًا، ما لم يتدخل الجراح بنفسه ويقتل واحدًا من عائلته بيديه، كما سبق وأن قتل والده.


القصة مأخوذة عن مسرحية "إفيجينيا في أوليس" ليوريبيديس، من الميثولوجيا اليونانية، الأسطورة التي تفسر، كذلك، عنوان الفيلم وبعدًا من أبعاده الثقافية. تحكي المسرحية عن اللعنة التي أصابت القائد "أجاممنون" لأنه قتل غزالة من الغابة المقدسة التي تخص الإلهة "أرتيميس"، إلهة الصيد والحرب والرياح، فلم ترسل الريح اللازمة لحمل أسطول الإغريق إلى "طروادة". لتزول اللعنة، كان على "أجاممنون" أن يضحي بابنته الكبرى "إفيجينيا" ويقدمها قربانًا في "أوليس". لم تكن لدى "أجاممنون" خيارات كثيرة، فهو إن لم يقدم على قتل ابنته بنفسه، كان الجنود الذين نفذ صبرهم في "أوليس" ليقوموا بقتلها وقتل كامل العائلة.

إن فكرة الانتقام العادل/العين بالعين، أزيح مفهومها الحقيقي في وقتنا الراهن، لذا يبدو الانتقام فكرة سلبية للمجتمع المتحضر، بينما هي، في الأساس، عقيدة أصيلة في المجتمعات الإنسانية، وركيزة تطور العديد من النظم الاجتماعية على مدى قرون طويلة.

قصة الفيلم تنطلق من هذه المنطقة، من حتمية القصاص العادل الذي نعلمه في نفوسنا، أحلك المناطق سوادًا في النفوس المنتقمة والمذنبة، منطلق ميثولوجي/عقائدي بحت. في الفيلم، كان إحساس الذنب لدى الجراح، العالِم، المتحضر، هو المحرك الأساسي للقصة، محاولة لتعويض المراهق فقدان الأب، كنوع من التسوية، لكن المراهق ذهب إلى أبعد مدى واخترق حاجز المسكوت عنه، فرض مفهوم التسوية العادلة بصورتها البدائية الحقة، عرض على الجراح أن يحل محل والده في المنزل ويرتبط بوالدته في علاقة جسدية، وعندما رفض الجراح هذا الوضع، أنزل لعنته بالعائلة، فكان على الجراح أن يختار فردًا من عائلته ليقتله بيديه، في مقابل العين التي قتلها في العملية الجراحية.

وعليه، أدارت أحداث الفيلم لعبة شديدة الوطأة بين العلم والمعتقد. العلم يقول بأن لا ذنب، فليست هنالك عقوبة لأن خطأ لم يقع، لا موت بلا أسباب، بينما يمسك المعتقد بالطرف، لا موت بلا أسباب، لا قتل بدون تعويض، ومن ثم، لا قتل بدون قتل يقابله. الصراع مرعب وتراجيدي وخارج نطاق المعقول، تناوله العمل بصورة شديدة الرقي، والحدة كذلك.

تتميز حوارات أفلام لانثيموس، بأنها ذات وتيرة واحدة monotonous، عبارات سريعة، متتابعة، تخلو من الانفعال العاطفي. الحوار هنا يقدس اللغة وينفجر بها، يستطيع أن يصنع التواء زمنيًا لتجري فيه الأحداث، محدثًا قطيعة معرفية بالمنطق والعلم، متصلًا بجوانب أكثر رعبًا في النفس الإنسانية، الحوار استطاع بانفجاراته، كذلك، أن يرسم أبعاد المكان.

اللغة مرعبة، والرعب يتسبب في انهيار عالم الشخصيات، كما يسهم في الحفاظ على ما تبقى منه شائهًا.

الحوار يقود التمثيل والمصائر كافة، كذلك يجتذب اللعنات والأقدار. النبوءة كاملة موجودة بالحوار. جميع الأحداث يصنعها أصحابها بكلمات تفوهوا بها بطريقة الـ monotone التي لم يلقوا لها بالًا ثم تتحقق وتقع أحداثًا، الشخصيات تبادل مواقعها ووظائفها وتتبنى عبارات الآخر في وقت لاحق، وعلى طول السيناريو، مما يسيل الشخصيات ويظهر ما بداخلها من حقيقة؛ العالم ليس بعالم، السيدة المحبة لابنها تضحي به، الابنة الطيبة المهضوم حقها تتوحش وربما تكون متورطة فيم يحدث ببساطة، الولد المدلل كان أكثرهم صدقًا ورفضًا لجنون التضحية. حوار الابنة الأخير في الفيلم مع والدها وهو يضمد جراحها، يختلط الكلام بالصلاة وتنتقل الوظيفة تمامًا من كونه الأب ليصبح الحاكم ثم الإله. اللغة تسد ثقوب المنطق. اللغة مرعبة، والرعب يتسبب في انهيار عالم الشخصيات، كما يسهم في الحفاظ على ما تبقى منه شائهًا.

يميز العرض، كذلك، اللقطات البعيدة التي تسود معظم مشاهد الفيلم، كأن هناك من يراقب الأحداث ويحكمها، تلك الرؤية الفوقية أو الإلهية. كما جاءت الموسيقى التصويرية حادة باستخدام آلات الكمان، كأنما الأبطال محكوم عليهم الوقوف بأقدام عارية على أوتار مشدودة تتحرك بحدة وسرعة، غناء الابنة عند الشجرة، وختامًا، استخدام المقطع الافتتاحي لموسيقى يوهان سبيستيان باخ، "آلام المسيح بحسب رواية يوحنا"، "الرب حاكمنا"، ليتم إحكام هذا المصير.