طلعت زين: ما كان وما لم يَكُنْ

"العيون دي تخون؟ يبقى فاضل ايه؟! قلبي يا مجنون، إنت عايز ايه؟! أحلى ما في الكون في عيونك أكون.. واللي مش حيكون هوانا يهون".


كانت هذه الكلمات البسيطة هي النسخة التي أعدّها كاتب الأغاني عادل عمر للمطرب الراحل طلعت زين من أغنية Should I leave للمطرب والممثل الفرنسي ذي الأصول التونسية دافي شارفيه David Charvez.


لم تأتِ النسخة العربية ترجمةً شعريةً لنظيرتها الفرنسية، فقد تصرَّف عادل عمر بكثيرٍ من الحرّيّة، ليتحول المونولوج الشِّعري من شخصٍ يصِفُ تحركاتِه البطيئة في حضرة حبيبتِه التي يلمسُ شالَها ثم يعزف تتابعًا من النغمات على الپيانو، إلى شخصٍ يندب حُبًّا منتهيًا، وخُلِقَت قصّة بسيطة للفيديو كليپ العربي لتكون خلفية درامية للأغنية.

اللحن المصري هو بالضبط الأصل الفرنسي دون تصرُّف لافت من الملحّن والموزّع أشرف محروس، وهو في سلّم كبير من البداية حتى انقضاء دقيقتين وثلاثة وثلاثين ثانية في النسخة الفرنسية – تزيد عشر ثوانٍ في النسخة العربية – ليتحول إلى السلّم الصغير من هذه اللحظة إلى نهاية الأغنية. ومفارقة السلّم الكبير (الفرِح بطبعِه) مع الكلمات المتأمّلة في النسخة الفرنسية – الأميَل إلى الحزن في العربية – تخلق حالةً من الترقُّب لدى المستمع: كيف سينتهي هذا المشهد الذي تصفه الكلمات؟ (في الفرنسية) أو كيف سنخرج من مأزق عدم القدرة على التعبير بوضوح (في العربية!)، ثم يجيء السلم الصغير بما يفترضه من رصانةٍ وتأمُل ليضعَنا كمستمعين أمام ورطة المغنّي التي تبدو بلا حلٍّ إلى النهاية.

لكن حتى في النسخة الفرنسية لم يتمّ استغلال الإمكانات المتضمَّنة في الكلمات على الوجه الأمثل في اللحن في رأيي. فحين تنساب الكلمات:

j'ai joué quelques notes / Sur le piano blanc

كان يمكن أن يتفجّر اللحنُ الفرنسيُّ بتتابُعٍ رهيبٍ من التآلُفات Chord Progression يظلّ محفورًا في الذائقة الموسيقية لكل مَن سمعوا هذه الأغنية مدى الحياة، لكن يبدو أنّ خيال مَن كتب الموسيقى الأصلية -رغم جمالها- لم يراوده الپيانو كما راودَه الجيتار الذي ظلّ في صدارة اللحن إلى النهاية.

تخصص المرحوم طلعت زين في تقديم النسخ المصرية من الأغاني الأجنبية المشهورة التي تُحدِث ضجّةً عالميةً وقتَ إنتاجِها. فلم تكن Should I leave الأغنيةُ مزدوجةُ اللسانِ المُشارُ إليها هي وحيدتَه في هذا الحقل، فهناك أيضًا ماكارينا.


الملاحَظ في تصرُّف كاتب الأغنية العربية هنا هو تحوُّلُه بالكلمات إلى الغزَل العفيف، فنسخة طلعت زين تقول "أحلى عيون ماكرين ماكارينا/ كده برضه مع الأحلام تسيبينا؟!" في حين يقول الأصل الإسپاني الذي تغنى به فريق Los del Río

Dale a tu cuerpo alegria Macarena

Que tu cuerpo es pa' darle alegría cosa Buena

ما يمكن ترجمته إلى العربية "امنحي جسدك اللذة يا ماكارينا، لأن جسدك يستحقُّ اللذة"!


انصاعت النسخة المصرية لمتطلبات الرقابة المجتمعية وتخلَّصَت تمامًا من الإيروتيكية الصارخة في كلمات الأصل الإسپاني، وبقي اللحن كما هو هنا أيضًا، أكبرَ وأجملَ بكثيرٍ من الكلماتِ المُطفأة. جاء لحن هذه الأغنية في المقام المِكسوليدي Mixolydian Mode المنحدِر من المقامات اليونانية القديمة مع كثير من التغيير (الكلمة تعني باليونانية: نِصف لِيدِيّ نسبةً إلى ليديا المملكة التاريخية في غرب الأناضول).

هذا المقام في أبسط صوره على الپيانو (حين نقرر عزفَه بالأصابع البيضاء فقط) يبدأ بنغمة (صول) وينتهي بها، إلاّ أنّ لحن ماكارينا جاء في مكسوليدي على درجة (لا بيمول)، وهذا المقام أقلّ ورودًا بكثير في الموسيقى الغربية من السُّلَّمَين الكبير (الموافق للمقام الأيوني Ionian mode) والصغير (الموافق للمقام الإيولي Aeolian)، وهو أشبه بأن يكون سلّمًا كبيرًا يبدّل مكانَيهما فيه البُعدان الطنينيان السادس والسابع، مما يولِّد إحساسًا قويًّا بالمفاجأة في نقلاته النغمية، يبدو مناسبًا تمامًا للإيروتيكيّة الصارخة.

وربما تكون أغنية ماكارينا هي أشهر أغنية غربية في هذا المقام عند المستمع العربي، ولا يقترب من شهرتها من ألحان المكسوليدي إلا تتر المسلسل الأمريكي الشهير الجرئ والجميل The Bold & The Beautiful.


في إخراج الفيديو كليپ الأصلي تقتصرُ الشخصياتُ على المطربَين أنتونيو بشَعره الأشيَب وورافايِلّ بمظهرهما الأربعينيّ، وعددٍ من الراقصات مِن أعراقٍ مختلفةٍ أوربية وأفريقية وآسيوية واضحةٍ في لون البشرة والملامح والأزياء. أمّا في نسخة طلعت زين فقد أُقحِمَ عَددٌ من الراقصين الرجال فضلاً عن الأطفال، وبهذا أصبحت الكلمات "أحلى عيون ماكرين ماكارينا" تحتمل الإشارة إلى عينَي طفلة جميلة بهذا الاسم! المفارقة تكمُن في أنّ الجمهور المصري ظلّ يفضّل الاستماع إلى النسخة الأصلية حين تقرر مجموعة من الشباب أنه قد حان أوان الرقص، وظلّت نسخة طلعت زين المُطفأة حبيسة قنوات التليفزيون الأرضي.

أمّا حين جرّب أعضاءُ فريق عمل طلعت زين أيديَهم في تمصير الأغنية الناطقة بالبرتغالية فقد اختاروا (تيك تاك Tic tic tac) رائعة الفريق البرازيلي كارّاپيشو Carrapicho (اسمه يعني بالعربية: التين الشوكي، مستمَدًّا من أحد النباتات المميِّزة لمنطقة حوض الأمازون في شمال البرازيل الذي ينتمي إليه).

اللحن في سلّم (دو دييز الصغير)، ويستخدم تتابُعًا قصيرًا رائعًا من تآلُفَين (التآلف الكبير الرابع ثم الثالث IV then III)، نستطيع أن نسمعَه بوضوحٍ في اللحن للمرّة الأولى عند الثانية 47 في النسخة المصرية والثانية 32 في النسخة البرازيلية، ومع هذا التتابُع الفريد – الذي يمثّل تفصيلةً متناهيةَ الدِّقَّةِ في مفرداتِ اللحن العبقري - يخلُق اللحن لدينا حنينًا إلى هذه الحياة البرازيليّة بكل مفرداتِها وإن لم نعِشها مِن قبل.


الأغنية الأصلية تدورُ كلماتُها حول الاحتفال بمهرجانٍ فولكلوريٍّ هو مهرجان پارينتينز Festival Folclórico de Parintins ومحورِه الأساسيِّ Boi Bumba (ضرب الثَّور!) حيث يتبارى فريقان هما: المضمون Garantido والهوائي Caprichoso في عرض حكاية شعبية شهيرة عن ثَورٍ جميلٍ يمتلكُه أحد السادة مُلاّك الأرض، وتعاني كاتيرينا الحُبلى – زوجة فرانشسكو الأسوَد الذي يعمل في مزرعة السيّد مالك الثور - وحَمًا غريبًا يجعلُها تشتهي أكلَ لسانِ هذا الثور، فيقتله فرانشسكو ليُلَبّي رغبة زوجتِه، وتثورُ ثائرةُ السيّد ويأمر بمطاردة فرانشسكو الذي يلجأ إلى شامانٍ (ساحرِ القبيلة) ليُحيِي الثور وينقذَه من غضب السيّد، فيُحيي الشامانُ الثورَ بالفعل عن طريق ضرب الطبول بقوّة، وتتحولُ لحظةُ ميلادِ الثورِ من جديدٍ إلى مهرجان. هذا ما تستلهمُه الكلماتُ الافتتاحية في الأغنية.

Bate forte o tambor

Que eu quero é tic tic tic tic tac

É nesta dança que meu boi balança

E o povão de fora vem para brincar

"اقرعوا الطبولَ بقوّة. أريد أن أسمع تيكي تا وأرقص! هذه هي الرقصة التي تجعلُ ثَوري يرقُص، والغرباءَ يأتون ليشاركونا الرقص".

ثم تسترسل كلماتُ الأغنية في تصوير جمال نهر الأمازون والانتماء العميق إليه. هي أغنية تعبّر عن الرُّوح القومية البرازيلية في جمالٍ نادر. تحوّل كلُّ هذا في النسخة المصرية إلى كلماتٍ سطحيةٍ باهتةٍ أعدَّها عادل عمر وشدا بها الراحل طلعت زين "لو شافوكي حَبُّوا. وقالوا تيكي تيكي تا. حُسنها يا جمالُه يا. زَيّ القمر يا. زَيّ الملايكة. إلخ".

هذا فضلاً عن البَون الشاسع الذي يفصل الفيديو كْليپ الأصلي للأغنية عن نظيره المصري. في الأول احتفاءٌ بمحبة الحياة التلقائية عند الطبقات الفقيرة من أهل ولاية أمازوناس البرازيلية، وفي الثاني يوجد نوعٌ آخر من محبة الحياة أيضًا، مُكَرَّسٌ للأغنياء هنا حيث تَخرُج الموديلات من رسوم مُصَمِّم الأزياء، وهي الشخصية التي لعبَها طلعت زين في قصّة الفيديو كليپ.


ثُمّ تكرسَ هذا الإهداءُ إلى الأغنياء مع قيام طلعت زين بإحياء حفل ملكات جمال مصر عام 1998 بهذه الأغنية.


الحقيقة أنّ صوت طلعت زين المتفرّد وخبرتَه الطويلة مع الموسيقى الغربية منذ ما قبل انضمامِه إلى فرقة Les Petit Chats في سبعينيات القرن الماضي، فضلاً عن حضوره القويّ وملامحِه، كلَّ هذا كان يمكن أن يترك بصمةً أقوى بكثيرٍ مما تهيَّأ له أن يترك في الموسيقى المصرية.

لكن ذلك الولَع باستغلال نجاح الألحان العالَمية يمكن أن يقتُل الكثير من احتمالات الإبداع الأصيل. يمكننا أن نرى كل تلك المؤهّلات الاستثنائية للراحل طلعت زين في أيٍّ من أغانيه، حتى المقتبَسَة من ألحانٍ عالَمية، فضلاً عن دويتوهاته كما في (100 سنة سينما) مع أنغام، وظهوره الطيفي بأغنيتِه "تعالى" مع عمرو دياب. في نموذج (100 سنة سينما) كان صوتُه الغليظ القريب من طبقة الباص مكملاً للّوحة الصوتية التي أرادَها عمر خيرت، بجوار صوت أنغام الرقيق القريب من الميتسوسوپرانو.


وكان أشبَه بصوتٍ قادمٍ من بئر الماضي السحيق في راجعين عمرو دياب، ليتألّق دياب القريب من طبقة التينور خروجًا منه إلى الحاضر المُفعَم بالحنين، كما أراد الملحّن رياض الهمشري والموزّع طارق مدكور:


رحم الله طلعت زين الذي سيبقى صوتُه وحضورُه الطاغي على الشاشة دليلاً على سيناريوهاتٍ محتَمَلةٍ عبقرية، غير متحققة.