مسلمة بالنقاب تتزلج بالسكيت بورد في لوس أنجيلوس- الصورة: فليكر برخصة المشاع الإبداعي

الزي رايةً للاختلاف: جدل الواقعي والفانتازي في الأزياء "الإسلامية"

منشور الأحد 13 فبراير 2022

من أكثر الصور الفوتوغرافية والمقاطع الفيلمية التي يحلو لدعاة الدولة المدنية المصريين مشاركتها على تطبيقات التواصل الاجتماعي صور لفتيات في ستينيات وبدايات سبعينيات القرن العشرين: راكبات درَّاجات في طريقهن للمصانع، مباراة كرة سلة في المنيا، ولابسات فساتين قصيرة في الجامعات، وأناقة جمهور حفلات أم كلثوم.

صور للتحسر على حداثة انهزمت في الحرب مع التيارات المتطرفة. وثمة إجماع آخر على أن تلك الحرب بين الحداثة والرجعية بدأت مع مولد الانفتاح الساداتي ولم تزل مستعرة إلى اليوم. إذا أخذنا بالظاهر، لدينا مفارقة في تزامن الانغلاق الاجتماعي مع الانفتاح الاقتصادي، لكن النظر بعمق يكشف عن الانسجام المنطقي في هذه المفارقة الشكلية.

عُرفت إجراءات السادات الاقتصادية في الأدبيات السياسية بـ"الانفتاح الاقتصادي" وهذا خطأ شائع؛ والصحيح أنه انفتاح تجاري، بل فتح باب السمسرة في السلع الأجنبية الجاهزة مما أضر بالصناعة المصرية، مع تدهور التعليم وتقويض فكرة العدو بالصلح مع إسرائيل. خسارة العدو ليست بالخسارة الهينة؛ لأن الذات الوطنية تتماسك وتستمد بعض عناصر تعريفها من وجود العدو، وإن لم يكن هناك عدو فالبديل مشروع وطني يلتف حوله الناس، وهذا مفتقد كذلك.

وإذا عدنا إلى فترة عبد الناصر وتركنا صور الحداثة وتمثلاتها الفوتوغرافية وانتبهنا إلى جوهر حداثتها؛ فقد كانت حداثة ناقصة وقشرية. لم تصاحب التحديث الاجتماعي حرية سياسية ليكتمل النسق ويستقر. ولم تلبث النكسة العسكرية المروعة أن أطاحت بالأحلام الكبيرة التي خلقتها خطب الزعيم والأغنيات، ولم يكن نصر أكتوبر بالحدث الذي يمحو نتائجها على الأرض أو يمحو انكسار الروح.

راية الاختلاف

لجأ المصريون إلى ما تلجأ إليه الشعوب دومًا في مواجهة انكسار الذات الوطنية، وهو الاقتراض من التاريخ. وتاريخ مصر طبقات متناحرة أكثر منها متآلفة. كان من الممكن العودة إلى السلف الفرعوني وحدث هذا جزئيًّا في استيقاظ بعض دعوات القومية المصرية، لكنها ظلت أفكارًا محدودة الأثر لم تصمد في وجه تيار الاقتراض من الماضي الإسلامي الذي شجعته السلطة.

ولم يكن لهذه التيارات التي شجعتها الدولة أن تُفرِّط في فرصة الإعلان عن وجودها من خلال الأزياء؛ فالبشر سواري أعلام متحركة، راياتها الملابس. وكانت الأولوية لملابس المرأة، في تضافر بين الدعوة الأيديولوجية والتجارة التي وفرت أزياء المرأة المحجبة، وتشجعت جماعة الإخوان، تحت عباءة "الرئيس المؤمن" السادات، لجعل الحجاب تيارًا عامًا، ومع الوقت فرض المبدأ التفاوضي نفسه على الجميع، وكان لابد من تنازلات مع هذا التعميم، خلقت ألوانًا من الحجاب المزين فوق بلوزة ضيقة وبنطلون جينز حابك.

في الوقت نفسه ولدت من رحم الإخوان جماعات سلفية أكثر تشددًا، استفادت من العولمة للتشبيك مع الحركات المماثلة في البلاد الإسلامية وبلاد المهجر الغربي، بدعم محلي وإقليمي ودولي بهدف توظيفها في الصراع مع الشيوعية، واتخذت موقفًا متشددًا في الملابس.

 بعد أن كانت حركات الأسلمة تناضل ضد أعداء محليين في كل دولة، أُضيف الأعداء الدوليون. ومرة أخرى تحمَّلت المرأة القسط الأوفر في هذا الصراع المزدوج مع أعداء الداخل والخارج. سجنوا جسدها في كتلة من السواد؛ الجلباب الأسود أو العباءة مع النقاب الذي يغطي كامل الوجه والقفازات السوداء والجوارب، بينما ظلت هناك تباينات في أزياء الرجال، ومن يتأمل الأمر يجد اختلاف وظيفة الراية بين الجنسين. 

توحيد زي المرأة من لندن إلى كابول جعلها بمثابة رايات موحدة ذات وظيفة اتصالية واحدة هي التفريق بين المجتمع الإسلامي من جهة والحضارة الغربية ومجتمعها الكافر من جهة أخرى.

بخلاف ذلك تمتعت أزياء الرجال ببعض تنوع يجعل منها رايات فرعية تتمايز بها جماعة عن أخرى، بل وتسمح بالتمييز الطبقي والبروتوكولي داخل الجماعة الواحدة. 

هناك الجلباب القصير الأبيض الذي يجد مرجعيته فيما كان يُعرف بالقميص في عصور الإسلام الأولى، وهناك الجلباب الطويل الملون، وهناك الجبة الفخمة. وبالمثل تتعدد غطاءات الرأس من العمامة الشيعية إلى السنية إلى العمامة المذيَّلة (الذؤابة) إلى الطرق المختلفة لنشر الغترة البيضاء أو الشماغ الخليجي والفلسطيني على الرأس، وهناك الطاقية الصغيرة البيضاء غالبًا والأكبر قليلًا من كِبة اليهود السوداء. وبخلاف بساطة الكِبة أو الكيباه اليهودية تكون الطاقية المسلمة مطرزة بخيوط حرير أو مخرَّمة كالدانتيلا.

في الجوهر، يبدو البيان الصادر عن زي المرأة الموحد متماسكًا، بينما تجعل الاختلافات من زي الرجل خطابًا تكتنفه الثغرات. لكن الذي يجري تصديره في كلا الثوبين يراد له أن يكون جزءًا من العودة إلى النبع الصافي حيث الرسول الكريم والصحابة.

 استخدام الزي رايةً للاختلاف عملٌ واع يؤدي وظائف الرايات في الحشد والإعلان عن الوجود ورسم الحدود في كل لحظة، وترويع الآخرين بالحشود الكبيرة في مناسبات لا يمكن منعها مثل صلاة العيدين والجمعة وقيام رمضان. 

هذا التمايز في الأزياء بين تلك الحركات والمجتمعات التي تعيش فيها بما فيها المجتمعات الغربية، يوقع تلك الحركات في تناقض مع سنة الرسول في حديث الشهرة حسن السند "من لبس ثوب شهرة من الدنيا ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة". وفي تفسير الشهرة يُجمع الفقهاء على أن المقصود بها المخالفة التي تجعل الشخص محل حديث الآخرين، فماذا تكون عمامة الذؤابة أو الجلباب القصير عندما يمضي في شوارع القاهرة أو الدار البيضاء؟ وما الذي يثيره زي المرأة أو الرجل من تلك الجماعات في مدريد أو باريس سوى إشهار الاختلاف إلى حد التفزيع؟

الغريب أن هذا الذي تعده كل جماعة الشكل الصحيح لملابس السلف من الرجال والنساء لا علاقة له بتاريخ الأزياء الإسلامية الحقيقي، لكنه تاريخ متخيل وفنتازي تمامًا، يندرج ضمن محاولات اختراع الماضي الإسلامي بشكل عام.

لم يصبح تاريخ الأزياء العربية بابًا مستقلًّا للتأليف إلا في القرن العشرين، متأخرًا بقرون عن بداية هذا النوع من التأليف في الغرب. اعتمدت كتب تاريخ الثياب العربية القليلة على المتناثر من الإشارات إلى الزي في كتب التاريخ واللغة والأدب مثل مروج الذهب ولسان العرب والأغاني وألف ليلة وليلة ولدى مؤسس علم الاجتماع ابن خلدون.

 وما ترصده هذه الكتب لا يجعلنا نتحدث عن زي إسلامي، بل عن زي اجتماعي كما في كل أنحاء العالم، يعكس تراتبية المجتمع.

لا ذكر للإسلام فيها

ظهر الإسلام في مجتمع غالبيته من البدو وهم يشتملون القماش غير المخيط "لأن تفصيل الثياب وتقديرها وإلحامها بالخياطة للباس من عمل الحضارة وفنونها"، كما يقول ابن خلدون. وإلى جانب هذه البساطة البدوية كانت هناك الثياب المخيطة متفاوتة الفخامة للميسورين من التجار.

واشتمل الرسول الكريم الثوب البسيط، ففيما روي عنه في غزوة بدر أنه عليه السلام نظر إلى المشركين وهم ألف وإلى المسلمين وهم ثلاثمائة؛ فاستقبل القبلة ومد يديه يدعو "اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض" وما زال كذلك حتى سقط رداؤه فأخذه أبو بكر، وردّه على منكبيه، والتزمه من ورائه وقال يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك وعدك.

وقد روي أنه ترك عند موته عشرة أثواب: ثوب حبرة (أي ملون) وإزارًا عمانيًا وثوبين صحراويين وقميصًا صحاريًّا وقميصًا سحوليًّا (في معانيه الثوب الأبيض الرقيق، والثوب الذي لا يُبرم غزله) وجبة يمانية وملحفة مورسة وخميصة وكساء أبيض وقلانس صغارًا ثلاثًا أو أربعًا. 

والخميصة ثوب أحمر أو أسود به أعلام زينة، والملحفة هي الغطاء فوق الثوب، ويبدو أنه رجالي ونسائي، والمورسة نسبة إلى مورس وهي صبغة صفراء، وكانت القلنسوة شائعة في الشام وتركيا غطاءً للرأس، كان ولم يزل إلى اليوم نوعًا من الغطاء المعولم لأنه الأفضل للوقاية من البرد.

وهكذا تعُرِّف تركة الرسول من الملابس بأوصاف موضوعية تحمل اسم موطنها أو طرازها، لا ذكر للإسلام فيها. 


اقرأ أيضًا| كن رجلًا والبس واسعًا: يد ثالثة تُفَصِّل الملابس في المغرب

 


خارج آيات الحجاب لم ينل الزي سوى القليل من التوجيه المتعلق أساسًا بالتقشف والتواضع. وتخلى معاوية بن أبي سفيان عن تقشف الصحابة وتزيا بأزياء الملوك مذ كان واليًا على الشام، وعندما رآه عمر بن الخطاب قال له: أكسراوية يا معاوية؟ ومن الواضح أن الاستنكار سياسي.

ولم يكن معاوية سوى البداية. تدفقت أموال الأمصار المفتوحة، وعرف العرب البذخ الشديد، وكانت هناك أثواب تتعدى الألف دينار. وتوسع الخلفاء والولاة في عادة الخلع من الأثواب يخلعونها على ضيوفهم، وكانت دور صناعة هذه الأثواب البالغة البذخ في قصور الخلفاء، ولا تُسمى دار التفصيل أو الخياطة بل دار الطراز، لكثرة نقوشها. ولم يقم جدل حول حل وحرمة الطراز، بل حول مشروعية البذخ، الذي كان أحد المظاهر المادية لنهج الملك العضود في الحكم، وبث هيبة الطبقة الحاكمة في نفوس الرعية. 

ويقال إن هشام بن عبد الملك فاق الجميع في حب الوشي واجتمع عنده اثنا عشر ألف قميص وعشرة آلاف تكة (حزام السراويل) وحسب جرجي زيدان في كتابه تاريخ التمدن الإسلامي، كانت ملابسه تُحمل على سبعمائة جمل إذا حجّ.

ولم تكن ملابس المرأة أقل بذخًا من ملابس الرجل؛ تأثرت بتراث فارس والعراق ومصر وبلاد الشام وبيزنطة وعرفت الزنار والحزام المرصع الذي يُخصِّر الجسم على العباءات التي عرفت التجسيم والتكسير، بينما تبدو أغطية الرأس كصدى لتيجان ملكات مصر والعراق.

وأصبحت ملابس المرأة في العصر العباسي أكثر فخامة من ملابس العصر الأموي. وكان الخليفة هارون الرشيد وزوجته زبيدة من أكثر من أثروا على الموضة في عصرهما، وإلى زبيدة يعود اختراع الأحزمة والنعال المرصعة بالجواهر، ويقال إنها ألبست بوران عروس ابنها المأمون ليلة زفافها قميص لؤلؤ وجوهر يُسمى البدنة.

صار الزي أكثر دلالة على الطبقة والحالة الاجتماعية. اتخذت النساء الموسرات من البرنس غطاءً للرأس محلى بالجواهر وسلسلة ذهبية مطعمة بالأحجار الكريمة، أما نساء الطبقة الوسطى فكنَّ يحلين رؤوسهن بعصابة منضدة باللؤلؤ وحلية ذهبية مسطحة، وحسب صبيحة رشيد رشدي في كتابها تاريخ الأزياء العربية وتطورها في العهود الإسلامية، فما كان يُميِّز ملابس النساء هو كثرة الألوان والنقوش المرتبطة بذوق المرأة وحالتها الاجتماعية.

 لم تلبس النساء الأرستقراطيات من الأصفر والأزرق والوردي إلا الألوان الطبيعية، أما القماش المصبوغ فكان ملابس الطبقات الأخرى، وننقل عن سيد أمير علي في كتابه تاريخ العرب والتمدن الإسلامي أن الأبيض كان للمهجورات من النساء بينما ترتدي الأرامل الأزرق والأسود. وكانت السراويل البيضاء شائعة والمدرعة وهي نوع من جبة، والخلقان والأسمال شائعة في ملابس الفقيرات.

وفرة القماش في ملابس الرجال والنساء كانت علامة ثراء لا علامة تدين، كما تعددت ألوان وأنواع النسيج وطرق الخياطة والتطريز، وإذا ما قورنت مع غيرها من ملابس المقدونيين والرومان فهي تنتمي إلى الفلسفة والخطاب ذاتيهما وليست بعيدة عنها في التصاميم. وهذه سمة الحضارات المنتصرة. تتقبل وتستوعب الآخر وتستفيد منه.

ويمكننا أن نرى الآن بعث الفخامة الأموية والعباسية في عباءات نساء الجزيرة العربية وأغطية الرأس من الحرير والتُل.

 وليس الدين سبب وجود هذه العباءة اليوم، بل السبب اعتمادها زيًّا رسميًّا، مع مساندة اجتماعية سببها وجود الجاليات الأجنبية بأعداد كبيرة، جعلت من أزياء نساء ورجال البلاد شارة تمايز داخل البلاد غالبًا وخارجها أحيانًا. 

يتعايش هذا المظهر الساكن ظاهريًّا في ملابس الخروج، مع أحدث موديلات الأزياء الغربية، في ملابس البيت، بينما تجد الفساتين متنفسها في الاحتفالات الخاصة بالنساء داخل البلاد وفي السفر، وبالمثل يتزيا الرجال بأفخم الملابس الغربية خلال السفر.

ثمرة العولمة

يظل الثوب ظاهرة اجتماعية، ولطالما كان قبول الموضات متبادلًا بين العرب والثقافات المحيطة ومنها الثقافة الأوروبية التي لم تكف بدورها عن التأثر بأزياء المسلمين، حتى أيام الخلافة العثمانية، إذ تكشف اللوحات والنصوص الأوروبية ذلك الأثر في السراويل واللفاعات والعمامات. وامتد الأثر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تحمست الناشطة النسوية أميليا بلومر للسراويل والتنانير القصيرة استلهامًا من الزي العثماني، بدلًا من التنانير الطويلة والكورسيهات. وتقدم شارلوت جيروسك توثيقًا لهذا الأثر في كتابها اللباس والتصميم العثماني في الغرب..تاريخ مرئي للتبادل الثقافي.

عندما جاء أتاتورك، رأى في الحضارة الغربية النموذج الذي يريده لتركيا، ففرضه على المجتمع التركي، من استخدام الحرف اللاتيني لكتابة التركية إلى الأزياء، وبعد سنوات التشدد الأتاتوركي في التغريب فرض الواقع السياسي والاجتماعي المبدأ التفاوضي، الذي تقبله الثورات والانقلابات السياسية بعد حين، فظهر زي المحجبات في تركيا، وانتعش مع وصول الإخوان إلى السلطة. وهم بدورهم قبلوا بمبدأ التفاوض مع العلمانية، فانتشر الحجاب بين التركيات، وتحولت صناعة الأزياء للتصدير إلى البلاد الإسلامية وأوروبا وأمريكا، مستفيدة من رغبة عدد كبير من النساء المسلمات في الغرب في ارتداء الحجاب، التي تنبع من التزام إسلامي أحيانًا وأحيانًا من مجرد الرغبة في أن يكنَّ مرئيات داخل مجتمع يتجاهلهن. وبذلك تمكنت تركيا من قطف ثمرة دخول الحجاب نسق التجارة العالمي.

هناك العشرات من الدراسات سنويًّا في بلاد الغرب على الحجاب ومعانيه السياسية والاجتماعية الغربية. بعضها يدق نواقيس الخطر والبعض يعتبرها حرية شخصية، وتنبه بعض الدراسات إلى أن الموضة الإسلامية تتقاطع مع رغبات المحافظين من المسيحيين واليهود.

كان الزي المحافظ موجودًا في المسيحية واليهودية، وقد أحيا ظهور الحجاب ذكريات بدت منسية، وهكذا تبنت دور أزياء ومتاجر كبرى مثل H&M و Marks & Spencer خطوطًا للموضة الإسلامية؛ فالتجارة في النهاية هي الدين الذي يوحد الكون. لكن السياسة لا تتصرف بالاطمئنان الذي تتصرف به التجارة.

أكثر من ثلاثين بلدية فرنسية على طول الريفيرا قررت عام 2016 حظر لباس السباحة البوركيني. واعتبر بعض السياسيين البوركيني رمزًا للتطرف الإسلامي، بينما اعتبره البعض حرية شخصية، وخطوة لتحرير المسلمات بتوفيره إمكانيات الاصطياف لهن. وأبرز دليل على هذا الجدل أن قضت المحكمة العليا بأن حظر البوركيني غير دستوري وفي الوقت ذاته تجاهلت بعض البلديات الحكم وتمسكت بالمنع.

وعلى المستوى الأكاديمي بدأت الدراسات حول هذا الزي المحير؛ فهو من جهة يغير المعتاد من لباس البحر، لكنه ليس برقعًا يغطي الوجه، وهو زي سباحة وحركة بعكس العباءة والشادور والنقاب التي تقود الجسد إلى سكونيته وتحفظه.

ويبدو أن المستقبل سيكون لصالح التفاوضية والواقعية في الموضة التي تقوم على رغبة الإسلام الوسطي في الانتشار ورغبة العولمة في الاحتواء، لكن هذا لا يضمن اختفاء فنتازيا النقاب من الشارع، ولا اختفاء فوتوغرافيا الأسى من وسائل التواصل الاجتماعي رثاءً لمدنية هشة تبددت.