تصميم: يوسف أيمن - المنصة.
-

أصحاب الجسد النحيف يعانون أيضًا: رحلتي من "فوبيا زيادة الوزن" لإيجابية الجسد

منشور الاثنين 7 مارس 2022

أثناء مشاهداتي لـمسلسل Archive 81 (إنتاج نتفليكس)، لفت انتباهي زيادة وزن الممثل مات ماكجوري، الذي سبق وتعرفت عليه من خلال مسلسل How To Get Away With Murder. في البداية ظننت أن زيادة الوزن من متطلبات الشخصية الجسدية، فنجوم هوليوود اعتادوا زيادة أو إنقاص أوزانهم حسب الدور، لكن مع توالي الأحداث اكتشفت أن الأمر لا علاقة له بالشخصية من قريب أو بعيد، وهو ما دفعني لإيقاف المشاهدة والبحث عن الممثل عبر جوجل، لاكتشاف سر الزيادة الملحوظة في وزنه.

رحلة البحث المنطوية على رعب من زيادة الوزن، فتحت عيني على أزمتي الشخصية مع "الوزن المثالي" و"فوبيا زيادة الوزن"، رغم أنني لا أصنف ضمن أصحاب الجسد الممتلئ. فوبيا تشكلت عندي من ملاحظتي للتمييز الذي يتعرض له أصحاب الوزن الزائد، ومن ثم إسقاط الأمر على مات فور مشاهدته في المسلسل، كان لدي رغبة عارمة في معرفة سر التحول الكبير، ومدى رضائه عن نفسه.

لم أكن الوحيدة التي استرعى انتباهها زيادة وزن الممثل صاحب الـ٣٥ عامًا، فمحرك البحث سريعًا ما أظهر مقترحات تنطوي على عمليات سابقة ذات صلة بزيادة وزنه. عثرت على مقال طويل يتحدث فيه مات عن تجربته الشخصية مع علاقته بجسده وشكله الخارجي، ممثلًا في وزنه المتغير وانصياعه لظاهرة Diet Culture، وحتى وصوله لمرحلة الرضا عن النفس والتصالح مع وزنه.

رحلة مات استغرقت سنوات طويلة دفعته لإعادة التفكير في النظام الرأسمالي الذي يروج لأنظمة غذائية صحية، وعمليات جراحية تساعد على إنقاص الوزن، وأسلوب حياة رياضي قاسي يدعي الاهتمام بالصحة الجسدية، لكنه يزيد الأعباء النفسية بحجة الشكل المثالي، ويدفع البعض للمعاناة من اضطرابات الأكل، والخوف من زيادة الوزن، وافتراض صور نمطية عن أصحاب الوزن الزائد، لأنها تخالف مكاسب هذه الأنظمة.

حديث مات جعلني أشعر بالذنب لتفكيري السلبي وإصداري أحكام مبطنة، حتى وإن كنت لا أصرح بها عن أصحاب الوزن الزائد، هل كان تشجيعي للجميع على أن يرضوا عن أجسادهم أو خياراتهم في الحياة خُدعة لنفسي؟ هل كان إدعائي أنني أحافظ على جسدي لأن هذا هو الطريق الصحيح، مجرد ستائر أخفي خلفها الفوبيا التي تتملكني؟ الرعب المستتر من أن أكون يومًا مكان الشخص الآخر الذي يحدثني عن عدم التزامه بالرياضة أو الدايت.

 المسألة لم تقف عند حد الذنب، فالإشفاق على نفسي كان سببًا جعلني أعيد التفكير في رحلتي أيضًا، في الصورة الذهنية المشوهة التي يرسخها المجتمع والإعلام والسوشيال ميديا عن "الوزن المثالي"،"الهوس بمثالية غير واقعية" لا تقف عند أجساد النساء وحدهن.

رحلة مات بدأت مع ممارسة الرياضة في سن الرابعة عشر، وبعد قرابة أربع سنوات، أصبح مدرب شخصي ثم رافع أثقال وبطل محلي لكمال الأجسام. ورغم كل هذه الإنجازات والشكل الخارجي الجذاب كان الممثل يعيش أسوء فترات حياته غلب عليها القلق والاكتئاب. كان بعيدًا كل البعد عن الرضا عن شكل جسده مهما حقق، يتحدث عن أول مشهد ظهر فيه عاري الصدر أمام الكاميرا ضمن أحداث مسلسل Orange is the new black، وكم الساعات التي قضاها في الجيم والحرمان في نظامه الغذائي، حتى تصل عضلات بطنه للشكل السداسي المطلوب، ورغم أن المشهد وجسده حصدا معًا تعليقات إيجابية، لكن تعليق مدربه الشخصي بأنه "كان يمكن أن يظهر بشكل أفضل" هو ما بقى عالقًا في ذهنه.

بعد هذه الحادثة، تأكد مات من أنه سيخسر نفسه حال واصل النهج ذاته وظل حريصًا على تعليقات الآخرين لا صراعاته الداخلية، واتخذ القرار باستعادة نفسه وتفكيره المسلوبين وعيش حياته بالطريقة التي يرضى عنها، لا التي يفرضها عليه الآخرون. ورغم زيادة وزنه بعد تحرره من الـdiet culture  لكنها كانت المرة الأولى التي يشعر فيها بإيجابية نظرته نحو جسده، بعدما تعلم أن يعيد التفكير في جميع الصور الذهنية الراسخة عنده.

هوس البطن المسطحة 

خلال قراءة المقال، تداعى إلى ذهني كل المرات التي نظرت فيها إلى المرآة وتحسست بطني التي لم أرض عنها مطلقًا، ورغبتي في تسطيحها إلى درجة خيالية، والحديث عنها طوال الوقت، حتى أمام أشخاص من أصحاب الوزن الزائد دون مراعاة لشعورهم.

تذكرت معاناتي عام 2019 وبداية 2020 مع اضطرابات نفسية كانت تدفعني للتقيؤ بعد أي وجبة أتناولها، وفيما كان شعور الحزن والاكتئاب يخيم عليّ، لم يكن يسعدني للحظات سوى رؤية بطني مسطحة، حتى وحالتي الصحية متدهورة إلى حد بعيد.

 رياضة بسيطة كالمشي كانت تستنفذ كل طاقتي. بعد خروجي من دوامة الاكتئاب وفتح صالات الجيم بعد الغلق بسبب الكورونا، عُدت لممارسة الرياضة، تحسنت صحتي وقدرتي على ممارسة أنشطة عديدة لم أتخيلها، زاد وزني أيضًا، لم تعد بطني مسطحة كما أتمناها. التفكير في الأمر كان يستنزفني، صراع داخلي مررت به حول شعوري، هل يجب أن أكون ممتنة لأني بصحة جيدة؟ أم أستاء من بطني التي لم تعد مسطحة؟ الأزمة التي يقلل منها أي شخص يسمعني أتحدث عنها، في البداية ينظر إلي، يجدني لا أعاني من أي زيادة في الوزن فيعلق "الأمر في خيالي فقط، ويجب أن أحمد الله فغيري يتمنى الوصول لوزني".

التعليقات السلبية عن عدم أحقيتي في الحديث عن معضلتي الشخصية دفعتني لتجاهل الأمر، وبدأت أعتبر أن مأساتي ضعيفة مقارنة بشخص زائد في الوزن ويرغب في إنقاصه، رغم أن الاثنين لا يختلفان عن بعضهما، نحن الاثنان "ضحايا معايير مشوهة مفروضة فرضًا علينا"، هناك نمط أو شكل واحد علينا جميعًا اتباعه حتى نرضى عن أنفسنا بعد أن نتماهى مع المعايير المجتمعية لأجسادنا، وهذا ما سأتوصل إليه فيما بعد.

قراءة المقال دفعتني للكتابة أنا أيضًا، رغم أني لا أفضل الكتابة عن ذاتي، لكن هذه المرة اكتشفت أنني لن أكون صريحة ولن أصل للرضا الذي أبحث عنه في حال كتبت فقط عن مشاكل الآخرين، دون أن أواجه مشكلتي الحقيقية وأحاول تفكيكها.

ضحية لثقافة الدايت

أنا أيضًا مثل مات ضحية لظاهرة الـ diet - culture، التي تركز على اتباع نظام غذائي صارم، يصنف الطعام على أنه مناسب أو غير مناسب، صحي أو غير صحي، مُكسب للوزن أو يساعد على إنقاصه، وتصنف الأشخاص أنفسهم على أنهم جيدون أو سيئون وفقًا لالتزامهم بالنظام الغذائي.

في البداية كنت اعتبر الأمر جزءًا عاديًا من شخصيتي التي تعاني من الوسواس القهري، وتفضل حساب كل شيء، لكن الأمر تطور إلى حد حساب كل وجبة أتناولها، الشعور بالذنب حال تناولت أكلات سريعة أو حلويات حتى ولو بكميات صغيرة، تنظيم أيام محددة مُسبقًا لغش هذا النظام المعقد، وكلما انتفخت بطني كلما شعرت أنني أذنبت بصورة أكبر. 

 توقفت عن استخدام الزيوت والسكر، لكن الأزمة لا تزال مستمرة، صحتي أفضل لكن درجة الرضا عن جسدي أقل بكثير. الادعاء أن الرياضة والحياة الصحية والنظام الغذائي يساعدوني على تنظيم حياتي بصورة أفضل، يعودون عليّ بالتعليقات الجيدة عن مدى قدرتي على التحكم في نفسي ورغباتي، لكني لا أحب الأكل إلى هذا الحد حتى أفخر بما أفعله.

مع الوقت وصل هذا التحكم لمرحلة الخنق، فالمنع يولد تفكيرًا مبالغًا فيه كأن يومك مرتبط بما ستأكله فيه، أضع قواعد صارمة: لا طعامًا في وقت متأخر، وفي حال شعرت بالجوع أشاهد فيديوهات الطبخ لرؤية كم الزيوت والدهون والسكريات، أتذكر ما يمكن أن تفعله بجسمي فيحل شعور الشبع.

اكتشفت أنني كنت على مقربة مما يُعرف بهوس الأكل الصحي Orthorexia، وهو مصطلح وضعه الدكتور ستيفين برتمان في عام 1996، والكلمة من أصل لاتيني مكونة من شقين الأول Ortho ويعني صحيح و rexia وتعني شهية. حتى الآن لا تعتبر الأورثوريكسيا تشخيص مرضي لكنه مُعترف به من قبل العديد من الأطباء عالميًا. والمقصود به التركيز غير الصحي المبالغ فيه على تناول الأكل الصحي، ومن علاماته أن ينفق صاحبه جزءًا كبيرًا من وقته وتركيزه على اختيار الأطعمة التي يتناولها، ويصل لمرحلة يرفض فيها الشخص تناول الطعام بالخارج إلا إذا تأكد من تحقق شروطه.

خوفي من الوصول لهذه المرحلة جعلني أعيد التفكير في أسلوب حياتي الحالي، ومحاولة اتباع نظام أقل صرامة، أشبع فيه رغباتي وفي نفس الوقت أحقق الرضا عن جسدي مهما كان شكله. أدركت أن حل مشكلتي لا يجب أن يكون فرديًا، لجأت إلى فتيات يعانين من اضطربات غذائية، وأزمات مماثلة مع أجسادهن.

 بعضهن مثلي، لم يتحدثن عن الأمر من قبل، ولد الحكي شعورًا متبادلًا بالارتياح، كل واحدة منهن تبحث عن من يسمع مشكلتها باهتمام دون تسفيه منها، رغم اختلاف التجارب وسياقاتها الاجتماعية والنفسية، اجتمعنا على الرؤية المشوهة واختلفنا على الأسباب.

سببي كان في نشأتي وسط أشخاص كثيرين واجهوا أزمات صحية بسبب أوزانهم، بضعها متعلق بالصعوبة في خسارة الوزن مع ضعف العزيمة للقيام بالأمر الذي يحتاجون إليه بشدة، أو آخرين خضعوا لعمليات جراحية حققت المرجو منها شهورًا معدودات ثم تدهورت النتائج لتصبح أسوء مما كانت عليه قبل خضوعهم لها. من هنا نشأت عقدتي، كانت كل زيادة أكتسبها في الوزن محفزة للتفكير في المصير الذي ينتظرني.

تنوعت أسباب الأخريات بين الرغبة في الظهور بعمر أصغر وتأخير شعور المسؤولية، أو تنمر مستمر على أوزانهن، أو عقد مقارنات مع زملائهم، أو رغبة في تقليد عارضات أزياء وفنانات أجنبيات بدأن هذا النهج.

ثقافة مستوردة

ربما كان الانفتاح على العالم الغربي بفضل السينما والسوشيال ميديا سببًا في هذا الهوس. المجتمع العامر بالأكلات الشهية، وأسلوب حياته البعيد كل البعد عن المفهوم الصحي، بدأ يثور ويتغير مع الانفتاح على العالم الغربي، بتشجيعه على الأكل الصحي وقواعده المختلفة التي تحكم الإعلام والسينما والسوشيال ميديا، لكنها مفاهيم لم تكن كلها صحية، بعضها مبتور واستهلاكي أدى لتشويه الصورة الصحية للجسد.

نحن جيل تعرض لتناقض كبير بين الأشكال والأجساد التى نراها في المنازل، والشوارع، وأماكن العمل، وحتى على الشاشات العربية، هالة صدقي وإلهام شاهين وليلى علوي، اللاتي كن بطلات لأهم الأعمال الفنية في الثمانينات والتسعينيات وأوائل الألفية الثانية ولم تكن أجسادهن مثالية، وبين ما تعرضه لنا المنصات المدفوعة، والسوشال ميديا.

 ضغطة زر واحدة أو تصفح سريع للمواقع الاجتماعية الآن ينقلك لعالم مختلف غير واقعي، تغلب عليه صور العارضات النحيفات بشدة والفنانات التي يقلدن أساليب الحياة الغربية، فتجد مثلًا دينا الشربيني وأغلب جيل الشباب الصاعد سواء كانوا رجالًا أم نساءًا، من الحريصين على الحصول على جسد نحيف ورياضي، وترويج كبير لثقافة الجيم، باعتبارها جزءًا رئيسيًا في حياتهم، إذ يلعب شكل أجسادهم دورًا كبيرًا في توظيفهم وتواجدهم على الساحة الفنية.

ولا أقصد هنا لوم ثقافة الجيم، هي عندي عملة ذات وجهين، إيجابية، حين يكون الهدف منها الترويج والسعي لنمط حياة صحي، يعتمد على الرياضة في تقوية الجسد، والنشاط وتحسين المزاج العام، وتفريغ للطاقة السلبية بطريقة أمانة.

 لكن ذلك لا يجعلك في مأمن من الوقوع في وجهها الآخر، السلبي، بالوصول حد الإدمان، زيادة عدد الساعات التي تمارس فيها الرياضة، أو ممارستها أكثر من مرة يوميًا أو طوال أيام الأسبوع دون راحة، هذا بالضبط ما يتفاخر به أغلب النجوم على السوشيال ميديا، وكأنهم يخبروننا أن الراحة مرادفة للكسل واكتساب الوزن.

في كل مرة تفتقر فيها للعزيمة لمواصلة التمرين ستتذكر أن أحد الفنانين يقضي ساعتين يوميًا في الجيم أو أن إحدى العارضات لا تأخذ راحة، تفطر همتك وتتوقف عن الذهاب كلية، أو تضغط على نفسك وتواصل رغم تعبك، حتى إن وصلت للشكل المرجو سيظل الإرهاق النفسي يحاصرك من جميع الاتجاهات، ولن تكتفي ستظل تطمح للمزيد ولن تصل.

والمبشر أمام كل تلك الصور النمطية التي تحاصرنا، أن مات ليس وحده الذي يجري مراجعات، فمؤخرًا يتجه كثيرون في العالم لإعادة النظر في أوضاعهم الحالية، مع زيادة الوعي بأهمية الصحة النفسية، بدؤوا في تقييم أساليب حياتهم وفرزها، لاختيار الوسطية بعيدًا عن التطرف الذي فُرض عليهم بسبب طبيعة عملهم. أغلبهم كمات ماكجوري يشعرون بسعادة أكثر لكنهم لا ينفون صعوبة الطريق الذي أقدموا عليه. 


  • تُصنف الاضطرابات الغذائية على أنها أمراض عقلية تظهر في العلاقة المضطربة وغير الصحية مع الأكل وشكل الجسم، وتؤثر فيها العديد من العوامل بعضها جيني أو وراثي أو قد تكون بسبب الأفكار السائدة في المجتمع عن الوزن المثالي وعلى من يعاني من أي منها استشارة طبيب متخصص للوقوف على الأزمة ومعالجتها بالشكل الصحيح.