لقطة من فيلم يوم الدين
-

أفلام الطريق في السينما العربية: رحلات واقعية "قليلة" تدعم المهمشين

منشور الثلاثاء 15 مارس 2022

فيلم الطريق، أو ما يسمى بالإنجليزية road movie، هو تصنيف من الأفلام مثله مثل أفلام الرعب، الغرب أمريكي، الخيال العلمي. وقد خرج هذا النوع من رحم السينما المستقلة في أمريكا[1] مع بداية السبعينيات من القرن الماضي، من خلال فيلم الراكب البسيط عام 1969 للمخرج دينيس هوير، الذي اعتبره جمهور النقاد بمثابة العمل المؤسس لهذا النوع من الأفلام. تقر شاري روبرتس (من هي؟) بأن "أفلام الطريق لم توجد باعتبارها نوعًا سينمائيًا معروفًا حتى صدر الراكب البسيط"[2]، وانطلاقًا من هذا، تُعتبر أفلام الطريق نوعًا فنيًا مستقلًا وفقًا لمعايير خاصة تنسحب عليها بصفة عامة، بما فيها السينما العربية.

 يتحدد مفهوم أفلام الطريق من خلال أسسه وسماته وخصائصه، ونسقه السردي وحلوله الفنية المتعمدة. وأول سمة من سمات أفلام الطريق، هي الطريق في حد ذاته، فهو الفضاء الذي تصير فيه الأحداث، ويتطور فيه المكان والزمان والشخصيات أثناء رحلة نعلم هدفها، ولا يمكن التنبؤ بمسارها أو نتائجها.

تخوض شخصيات الفيلم تلك الرحلة إما عبر وسائل النقل مثل السيارة، كما في فيلم ليل خارجي للمخرج المصري أحمد عبد الله عام 2018، أو على الجمل كما في فيلم ذيب للمخرج الأردني ناجي أبو نوار عام 2014، أو على القدمين مثل فيلم بابا عزيز للمخرج التونسي الناصر خمير عام 2005، والأخير يدور عن عزيز، وهو جد ضرير وحفيدته عشتار، يسافران في رحلة عبر الصحراء نحو تجمع صوفي ضخم، لكنهما يلتقيان بالعديد من الغرباء الذين يرون قصصًا عن مهامهم الروحية الغامضة.

الرحلة في جوهرها هي محاولة لاكتشاف الذات أو البحث عن معنى للحياة أو السعي وراء حلول، أو البحث عن خلاص، أو زيارة لشخص أو مكان معين، وبالتالي فالرحلة ذات سبب وهدف للشخصية الرئيسية. وأسبابها عديدة ومتعددة بتعدد الثيمات وباختلاف الأبطال. وفي الطريق تواجه الشخصيات تحديات شتى، ويخوضون مغامرات عديدة ومتنوعة، فتنفتح أفق للشخصية الراحلة من جهة لنكتشفها أو تكتشف هي ذاتها، ومن أخرى نكتشف الطريق بما يحمله من شخوص وبيئة تتفاعل الشخصية الراحلة معها، للتعبير عن طرح فكري في الفيلم.

خصوصية سردية

هذه السمات في أفلام الطريق تفرض خصوصيةً سرديةً وبناءً دراميًا، يختلف عن كل الأنواع الأخرى من الأفلام ذات البناء الكلاسيكي لمنطق الحبكة[3]، فأفلام الطريق تعتمد في بنائها على سلسلة من الأحداث المنفصلة المتصلة، تشكل أجزاءً ضمن السياق العام، وفي كل جزء تنكشف قطعة من الحبكة، فتواجه الشخصيات تحديات أو اختبارات من نوع آخر. 

 ويربط الطريق كل تلك الأجزاء بعضها ببعض، فيصبح هو المحور، عليه تدور أحداث الرحلة، وعبره يلتقي البطل بالشخصيات العرضية أو المحطات، فيحصل ما يسمى بالتفاعل بين الشخصيات، سواء باعتبارها شخصية مساعدة أو معرقلة، أو شخصية تندمج معهم في الرحلة. 

 ينسحب هذا على كل أفلام الطريق الموجودة بعد فيلم الراكب البسيط، إذ تقوم بين شخصين أو أكثر يقومون بالرحلة معًا[4]، مثلًا فيلم الرحلة الكبرى للمخرج المغربي إسماعيل فروخي عام 2004، الذي تدور أحداثه حول أب مهاجر يقرر السفر عبر البر رفقة ابنه الأصغر، يقود السيارة من جنوب فرنسا مقر الإقامة إلى الديار المقدسة، من أجل إقامة مناسك الحج، فيمر عبر العديد من الدول الأوروبية والعربية قبل الوصول إلى السعودية. هذا الطريق الطويل هو الفضاء الذي يكون مسرح الأحداث من صراع بين الأجيال، وما انتاب الابن من تغيرات نفسية و ثقافية ومعرفة لأصوله. 

مثال آخر في فيلم مشوار عمر عام 1986، وفيه يسرد المخرج المصري محمد خان رحلة عمر في 48 ساعة، في سيارته الفاخرة، من القاهرة إلى مدينة طنطا (دلتا النيل) من أجل توصيل حقيبة مجوهرات لأحد عملاء أبيه تاجر الذهب.

أفلام تتسع قصص الجميع 

 والشخصيات الرئيسية في أفلام الطريق ليست بالضرورة رجال فقط، فللمرأة حضور أيضًا، كما في فيلم ليلة ساخنة للمخرج عاطف الطيب عام 1996، وكذلك الأطفال الصغار والمنبوذين اجتماعيًا مثل فيلم ذيب، عن طفل بدوي يخرج في رحلة مع أخيه الأكبر في صحراء الأردن؛ لإرشاد جندي إنجليزي وصديقه لطريق الحجاج المهجور، خلال فترة الخلافة العثمانية مع اندلاع الحرب العالمية الأولى. تتغير رحلة ذيب كليًا بعد أن يهاجمهم قطاع الطرق ويقتلوا الأخ والجندي وصديقه، ويضطر الطفل للتعايش مع قاطع الطريق، وهو يفكر في الانتقام لأخيه. 

وكذلك الفيلم المصري يوم الدين للمخرج أبو بكر شوقي، عن بشاي مريض الجذام الذي يغادر مستعمرة للمصابين بعد وفاة زوجته، وينطلق رفقة صديقه النوبي الصغير أوباما في رحلة من أبو زعبل إلى محافظة قنا، في محاولة لمعاودة الاتصال بعائلتهما من جديد.

ويمكن أن تقوم أفلام الطريق على البطولة الجماعية، كما في فيلم ليل خارجي، الذي يدور حول مخرج وسائق تاكسي وفتاة ليل، يحاولوا الابتعاد بالسيارة من طريق مكتظ نتيجة موكب، فتبدأ المغامرة في شوارع القاهرة، شاهدين على جانب خفي وغير معلوم من المدينة. 

وهكذا تنوعت توظيفات سينما الطريق لمناقشة قصص عبر رحلات مختلفة، لم تعد حكرًا على السينما الأمريكية، رغم أنها منبع هذا النوع، وإن كان متأثرًا في انطلاقته بموجات أخرى أوروبية المنبع. 

بصمة السينما الأوروبية

تعد سينما الطريق انفتاحًا على السينما الواقعية الإيطالية الجديدة، وسينما الموجة الفرنسية الجديدة، على المستوى الفني والبصري والفكري، بالنظر إلى الأساليب التي اعتمد عليها فيلم الراكب البسيط، والذي يعد من بواكير السينما المستقلة في السينما الأمريكية، التي ظهرت كرد فعل على نظام الإنتاج والاستوديوهات الضخمة في هوليود، فكانت هذه الأعمال تُنتج بميزانيات بسيطة. 

ومنطق الاستقلالية ليس على المستوى المادي ونظام الإنتاج فقط، بل يشمل أيضًا الشكل والمضمون من حيث طبيعة الأفكار وأسلوب التعبير، والتي اتجهت لنقد المنظومة الاجتماعية السائدة في السبعينات، فهوبر مخرج الراكب البسيط واحد من هذا الجيل الذي تمرد على السائد، واصطحب الكاميرا الى الطريق، متأثرًا باتجاهات السينما الأوروبية.

 فكان التصوير الخارجي، واللقطات البعيدة والمتواصلة لعكس الواقع والحياة في الشوارع، واستعمال لقطات بانورامية، ولقطات وجهة نظر متحركة، إلى جانب التصوير في الضوء السائد أي الطبيعي، كلها أساليب تعرف بها الواقعية الإيطالية الجديدة[5]، إلى جانب استخدام الكاميرا المحمولة، والمونتاج المفاجئ، واللقطات المتتابعة الطويلة للإخلال باستمرارية السرد الكلاسيكي للفيلم، وهي من خصائص الموجة الفرنسية الجديدة[6]، ما سحبه هوبر من أساليب إلى السينما الأمريكية بفيلمه المؤسس الراكب البسيط.

"الطريق" كموثق

وبقدر ما ابتعدت تلك الأساليب عن الأستوديو الهوليودي آنذاك، بقدر ما نجحت في نقل هواجس وأحلام المجتمع في الزمن الواقعي، فتأتي تلك الأفلام كتوثيق لحقب زمنية متباينة، مثلًا فيلم الراكب البسيط نجح بجدارة في عكس روح الستينات. 

لقد جسد هذا الأسلوب البصري (الموثق) الطابع العام لهذا النوع السينمائي[7]، وهو أسلوب سينسحب على كل أفلام الطريق، وهذا ما جعل رواد الواقعية الجديدة في مصر مثل عاطف الطيب في ليلة ساخنة ومحمد خان في مشوار عمر يخوضان غمار هذا النوع، لما يتيحه من ترسيخ لمفهوم الواقعية في مشاريعهم الفنية بما تحمله من هم اجتماعي ورصد للشارع والناس. 

بتلك التوظيفات مثّل الطريق عنوانًا للشخصية المصرية في ليلة ساخنة، حين نقل محاولة سائق تاكسي في ليلة رأس السنة توفير 200 جنيه من عمله كمصاريف لإجراء عملية ضرورية لحماته، وفي الوقت نفسه تحاول حورية العاهرة التائبة أن تدبر المبلغ لتكنيس (ترميم) المنزل الذي تعيش به، وعندما يلتقيان، يشهدان على ليلة مليئة بالأحداث التي لا تُنسى.

 

في هذه الليلة رأينا شوارع مصر وأهلها، أصوات الأغاني من السيارات... رأى المشاهد العربي مصر ليلة رأس السنة في التسعينات كما لم نرى مصر. أما مشوار عمر ففي هذا الفيلم بالذات تبدأ اهتمامات محمد خان بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية في المجتمع، حيث يتناول تأثيراتها النفسية على الإنسان المصري، بأسلوب سينمائي جديد.[8]

منبع السرد في أفلام الطريق

رغم أن نقاد السينما يكتبون عن أفلام الطريق منذ حوالي عشرين عامًا فقط، فإن المؤرخين ودارسي الأدب يتناولون منذ فترة طويلة قصص الرحلات من كل أنحاء العالم تقريبًا، بداية من الكتاب المقدس، الأوديسا، وحتى رحلات السندباد البحري في ألف ليلة وليلة.

يمكن العثور على العديد من دوافع وأفكار أفلام الطريق في هذه النصوص القديمة، فرحلة بني إسرائيل الطويلة من مصر إلى أرض كنعان، في سفر الخروج، تُعتبر هروبًا من الاستعباد وسعيًا للوصول إلى الأرض المقدسة. هذا إلى جانب رحلة مريم العذراء مع ابنها النبي عيسى ويوسف النجار على الحمار من بيت لحم إلى مصر.

وتسرد ملحمة هوميروس التي يعود تاريخها إلى القرن الثامن قبل الميلاد تقريبًا الرحلة البحرية التي خاضها أوديسيوس الذي مر خلالها بمحن ومغامرات لا تصد حتى وصل البطل الإغريقي في النهاية إلى وطنه. وفي ألف ليلة وليلة تحكي شهرزاد لشهريار رحلات السندباد البحري ومغامراته في عوالم غرائبية وعجائبية يحكمها منطق الاستكشاف.

وعلاوة على أن الرحلة أصبحت جنسًا أدبيًا قائمًا بذاته، سواء في الأدب الغربي أو الأدب العربي الكلاسيكي، وهذا الأخير كان له طابع معرفي، يدرس ثقافة الشعوب والجغرافيا لكنه لم يهمل الجانب الفني والتخيلي في الرحلة، والتي تعد مادة دسمة للسرد، باتت الرحلة الملهم والمنبع الذي استغله أفلام الطريق من خلال حركة الإنسان، والهجرات الجماعية بغض النظر عن الأسباب إن كانت هروبًا من حروب أو بحثًا عن حياة أفضل في مكان آخر، ففي مدونة الأدب العربي الكلاسيكي، كان للرحلة قيمة كبيرة في فنونها السردية.


اقرأ أيضَا: أبو صدام صناعة أقنعة الذكورة على الطريق

 


ورغم غزارة ما يمكن أن تقدمه أفلام الطريق على مستوى الأفكار والتوثيق والمتعة البصرية، ورغم تطور الصناعة السينمائية وما يحمله العالم العربي من مخزون ثقافي، تاريخي، جغرافي، سياسي، ودسامة السردي عنده، لازالت أفلام الطريق العربية شحيحة، تكاد تعد على أصابع اليدين. 

للطريق بمكوناته قدرة على صناعة سرديات سينمائية عربية تحاكي الهم الاجتماعي، وهواجس الشخصية العربية المعاصرة، إلا أن سبب القلة ربما يعود لغياب أصحاب المشاريع في السينما العربية، متعللين بشعار "الجمهور عايز كدة"، أو لظروف تعيشها صناعة السينما والتي لا تنفصل عن المشهد السياسي والثقافي والمجتمعي. وربما لذلك يعود ظهور الطريق عربيًا في المشاريع المستقلة مثل ذيب ويوم الدين، كما بدأ في أمريكا مستقلًا أيضًا هربًا من المشهد الهليودي آنذاك.


[1] جيسيكا وينتر، السينما الأمريكية المستقلة، ترجمة مروان سعد الدين، منشورات وزارة الثقافة-المؤسسة العامة للسينما، سلسلة الفن السابع عدد 226، دمشق 2012 

[2] Shari Robert. ”Western Meets Eastwood:Genre and Gender on TheRoad” in steven cohan and ina Rae Hark.eds. The Road Movie Book (Rout- ledge.1997) p.51

[3] ينظر: لينداج كاوجيل، فن رسم الحبكة السينمائية، ترجمة: الدكتور محمد منير الأصبحي، منشورات وزارة الثقافة-المؤسسة العامة للسينما سلسلة الفن السابع عدد 233، دمشق 2014.

[4]  نفس المصدر، ص 466.

[5]  الدكتورة رعد عبد الجبار ثامر، نظريات وأساليب الفيلم السينمائي، دار ورد الأردنية للنشر والتوزيع ط 1 2016 سلسلة دراسات والفنون والآداب، ص 124-125.

[6] نفس المصدر، ص 126.

[7] ويليام في كوستانزو: السينما العالمية من منظور الأنواع السينمائية، ترجمة زياد إبراهيم، مؤسسة هنداوي سي أي سي 2017، ص 467.

[8] حسن حداد: محمد خان.. سينما الشخصيات والتفاصيل الصغيرة، المنهل 2017، مصر ،ص 59