- تصميم: يوسف أيمن- المنصة

كمباوند رمضان: عن الجهر بالصوم والجهر بالإفطار

منشور الثلاثاء 19 أبريل 2022

بمشاعر ومواقف متضاربة انخرط المصريون في نقاش لم ينقصه العنف حول واقعة امتناع فرع بسلسلة مطاعم كشري شهيرة عن تقديم الطعام لسيدة مسيحية وطفلتها قبل موعد الإفطار. تبنى التيار المدني حملة مقاطعة للمطعم، وتولى التيار الديني الرد. وعلى المستوى الرسمي والإعلامي لم تختلف إدارة الأزمة عن كل الأزمات من هذا النوع في سيولتها وتخبطها، حيث لا قانون واضح، ولا مسطرة إدارية يقاس عليها أي حدث، ولا معلومات موثوقة.

تداول الإعلام الرسمي أخبارًا ناقصة، نقلًا عن منشورات الفيسبوك وتغريدات تويتر التي يكتبها مواطنون غير متخصصين. وعلى سبيل المثال، تحتم عليَّ أن أقوم ببحث طويل لمعرفة تاريخ الواقعة واسم صاحبتها السيدة سلفيا بطرس، بالبحث عن صفحتها في الفيسبوك لأصل إلى تدوينتها التي نشرتها نحو السابعة من مساء الأحد 10 أبريل/ نيسان، وفي المنشور توضح أن الواقعة قبل إفطار اليوم ذاته، أي قبل نحو ساعة من النشر، كما ذكرت في منشورها موقع الفرع الذي لاقت فيه المعاملة التمييزية. لكن هذه التفاصيل التي ذكرتها تاهت وسط حمى النشر، وأعلن حي شرق مدينة نصر بعد الواقعة بثلاثة أيام إغلاق محل الكشري في شارع عباس العقاد، وبرر ذلك بأن الفرع غير مرخص، وأن إغلاقه جاء في إطار حملة تفتيش على مخالفات المطاعم والمحال التجارية. ولم يشمل الخبر اسم مكان مخالف آخر.

يبدو قرار حي مدينة نصر للمتابع مخلصًا للمسلك الحكومي في إنزال العقوبة على فعل وادعاء أنها على فعل آخر، وأشهر وقائع هذا النهج نراها في عقاب السياسيين على مواقفهم السياسية بتلبيسهم تهمًا أخلاقية.

لم يدم قرار الغلق ساعة، إذ بادر الحي إلى رفع المنشور من صفحته بفيسبوك، لكن الخبر كان انتشر، فهل اكتشف قائد الحملة أن الفرع محل الواقعة يقع في كوبري القبة وليس في مدينة نصر؟

في تعليقات السيدة بطرس على من اتهموها بتعمد إثارة الفتنة قالت إنها سعت إلى أكل الكشري لأنها صائمة. وهكذا نجد أننا أمام عامل صائم في مطعم يميز ضد زبون صائم.

الاعتداء على قدسية الإسلام

الواقعة هذا العام أهلية بين مقدم خدمة وزبون، وخلال وقائع في أعوام سابقة كان أحد الطرفين شرطيًا يلقي القبض على مفطر، وهو سلوك يكرره أفراد الشرطة بوازع من مشاعرهم الشخصية لا القانون، ولا يقتصر ذلك على مصر، لكنه يتكرر في العديد من الدول التي لا تتضمن قوانينها عقوبة على ذلك الفعل.

يبدو الأمر نوعًا من الاحتراب السياسي، يستند إلى ترسانة من الفتاوى تنمو عامًا بعد عام، وتتحدث عن "الجهر بالإفطار" لا فعل الإفطار الذي يستحيل إثباته في حالة الاستتار. ويبدو تعبير الجهر بالإفطار نفيًا لرخص الله وتصعيبًا على من يستخدمها.

من حيث المنطق يمكن أن يتساوى عدد المفطرين والصائمين في الفضاء العام، حيث إن المكلف بالصوم هو المقيم في وطنه صحيح البدن، بينما تتعدد الفئات التي لديها رخصة شرعية بالإفطار: غير المسلم، ومن المسلمين: المريض، المسافر، النفساء، الحائض، وحتى المرضعة والحامل والشيخ الكبير الذي لا يقدر على الصوم.

والملاحظ على فتاوى تأثيم الجهر بالإفطار أنها منتبهة إلى وجود الأعذار الشرعية، فتحدد دائمًا أن من تعنيه بالتأثيم هو "من أفطر بغير عذر". دون أن يتوقف أحد المفتين ليسأل نفسه: كيف يمكن التعرف على عذر مفطر عابر بشارع مدينة كبيرة؟ كيف سنعرف المسيحي من المسلم والمسافر من المقيم؟ وكيف نرى الحيض؟ وكيف نميز مريض السكر والضغط من مشيته؟

توصيف "الجهر بالإفطار" يتراوح بين وصفه بالكبيرة في فتاوى ابن باز، وبين الاستهتار والعبث بشعيرة عامة من شعائر المسلمين في فتاوى أكثر اعتدالًا.

ومن اللافت أن تطالب فتوى لدار الإفتاء المصرية (عام 2012) ولي الأمر بوضع الضوابط التي تكفل منع المجاهرين بالإفطار في الشوارع والأماكن العامة، واعتبرت أن ذلك ليس حرية شخصية، بل هو "نوع من الفوضى والاعتداء على قدسية الإسلام لأن المجاهرة بالفطر في نهار رمضان مجاهرة بالمعصية، وهي حرام، فضلًا عن أنها خروج على الذوق العام في بلاد المسلمين، وانتهاك صريح لحرمة المجتمع وحقه في احترام مقدساته".

 في هذا الاقتباس إصرار على تجاهل الفئات المستثناة من الصوم، وإصرار على اعتبار كل من يظهر في الشارع آكلًا أو شاربًا لابد أن يكون عاصيًا معتديًا على قدسية الإسلام، وفوق ذلك نجد تعبيرًا خاليًا من المعنى، مثل "حرمة المجتمع" فما هو المجتمع وما هي حرمته؟ وماذا عن المسيحيين وصومهم وهم جزء من ذلك المجتمع؟

يتوسع الأمر في فتاوى أخرى وفي دفاعات المواطنين المتدينين إلى الحديث عن "جرح مشاعر الصائمين"، وفي معركة رمضان الحالي، رُفعت مشاعر الصائمين على أسنة الرماح ككل رمضان، ويرد الأقباط المنخرطون في النقاش: ماذا عن مشاعرنا؟ ماذا عن دخان مطاعم الكباب طوال صومنا المرهق هو الآخر كصومكم، وإن كان مختلفًا؟


اقرأ أيضًا| رمضان مُنتَجًا فَنيًا: مِن زفّة العريس إلى حرب الإعلانات

 


الصوم فريضة وليس ابتلاءً أو مصيبة تستوجب التعاطف، وشعار "مشاعر الصائمين" يمكن أن يصل بهؤلاء الصائمين إلى لحظة الإفطار دون أن يجدوا ما يأكلونه، إذا ما راعينا مشاعر ربة البيت التي تتفنن في مطبخها من الظهيرة إلى أذان المغرب، ومشاعر العاملين في المطاعم ومحال الحلوى والطهاة لموائد الرحمن الذين يبدؤون عملهم بين القدور من الصباح.

الجهر بالصوم

 لا يمكننا فهم مصطلح "الجهر" أو "الإجهار بالإفطار" إلا في ضوء ظاهرة الجهر بالصوم، التي ترسخت عبر العقود القليلة الماضية من عمر الإسلام المديد، حيث تحول شهر الصوم إلى "ظاهرة" أصبحت مضادة تمامًا لحكمة الصيام نفسها، وحولت الشهر من وقت للزهد والتقشف والهدوء إلى وقت البذخ وصخب البيزنس من كل نوع.

وقد تتعارك الفتوى مع برامج الترفيه داخل الظاهرة الرمضانية، لكنه مجرد تهارش بين المساهمين والعاملين داخل فابريكة واحدة. الجميع يعملون في المصنع الرمضاني، الذي تنتعش بفضله التجارة، وتنسحب الحكومات من أمامه فتضع توقيتات مخففة للعمل في الدوائر الرسمية خاصة بالشهر، وهي تعلم أن زمن الدوام الرسمي للموظف الرمضاني لا يكفي إلا لقليل من النعاس، وصار من المعروف لكل ذي حاجة أن حاجته في دوائر الحكومة لن تُنجز إلا بعد العيد.

الجميع يعلم أن حالة العمل في رمضان مجرد تظاهر، ذهاب وإياب بعد سويعات، ولو أن هناك صراحة لكان من الواجب منح رمضان كله إجازة للموظفين لتستفيد الدولة ثمن الوقود المهدر في الذهاب والإياب، وليكون الشهر فرصة لتحسين البيئة. لكن ذلك لا يحدث، ويستمر التظاهر، وتُسخَّر كل الإمكانيات لصالح الظاهرة الرمضانية، حتى أن بعض الدول تلجأ إلى تغيير الساعة على التوقيت الصيفي لتقليل ساعات النهار، ثم تعود عنه بعد انتهاء رمضان.

قوة "الجهر بالصيام" هي التي صكت مفهوم "الجهر بالإفطار" الذي تبحث له كل رمضان عن عقوبة. والأمر ليس مقطوع الصلة بالسياسة، ولابد أن يُقرأ هذا اللغط باعتباره محاولة لبسط النفوذ على فضاء المدينة العربية، والغلبة للقوى الدينية بفضل انحياز ممثلي الدولة الصغار في مواقعهم ورخاوة الدولة التي لا تعاقب من يفتئت على سلطتها ويُنزل عقوبة بمفطر دون سند من القانون. وبشكل عام لم نزل بحاجة إلى دراسات اجتماعية وسياسية معمقة للعملية التفاوضية بين الفساد والأسلمة داخل دوائر الدولة، التي تنتهي عادة بمد ديني وبسط سلطة معنوية لمرؤوسين متأسلمين مقابل إغماضهم العين عن فساد رؤسائهم.

تعمل التجارة والفساد وصناعة الترفيه جنبًا إلى جنب في صناعة الظاهرة الرمضانية، ولا يُقصِّر الإعلام في وضع بصمته، حيث تنشر الصحف وبرامج التليفزيون سيولاً من الفتاوى الموسمية، من حكم التعطر، وتذوق الطعام لمعرفة الحُدق، وقطرة العين إلى حكم المجاهرة بالإفطار، وفي كثير من الأحيان يبادر محررو الصحف إلى طلب الفتوى بأنفسهم.

 ورغم وفرة رجال الدين، يتطوع غيرهم بالفتوى.

"الفاطر في التشريعات العربية" عنوان بدا مختلفًا لحوار مع خبير قانون دولي كتبه علاء رضوان في شكل تقرير  بجريدة اليوم السابع بتاريخ 13 أبريل 2021 وأتى على الوضع القانوني للمجاهرين بالإفطار، ويعدد خبير القانون الدولي رجب السيد قاسم الدول العربية التي يتضمن قانون العقوبات بها موادَ تجرم الجهر الإفطار وتلك التي لا تُجرمه، وبينها مصر، لكنه قبل أن يدلي بهذه المعلومات القانونية المهمة يصادرها، إذ يحكم خبير القانون في مقدمة حديثه بأن الجهر بالإفطار جريمة.

 جاء بالتقرير على لسانه "إن الجريمة ليست الإفطار في حد ذاته، فالصيام كونه فرضًا وله أجره عند الله عز وجل فهو أمر بينه وبين ربه، وإنما الجريمة هنا تكمن في "المجاهرة بالإفطار" وليس الإفطار نفسه حيث إن "المجاهرة" تعني إتيان الفعل عيانًا بيانًا أمام العامة دون استتار أو تستر، ودون مراعاة أو رعاية، فالإفطار الجهري علة تجريمه هي درء الأذى، ولا شك أن الجهر بالإفطار أمام الصائمين ما هو إلا إيذاء متعمد لا مبرر له".

كمباوند رمضان

تزداد المدن حجمًا، وتتزايد غربة الناس فيها، ومن السهل شيطنة الغريب، بينما يتفهم من يعرفون بعضهم بعضًا إفطار الخبَّاز الذي يطعمهم وهم يختبرون بأنفسهم قوة النار لحظة تسلمهم أرغفتهم. وفي زمن الاستعراض أصبح الفران والحلواني والعامل الزراعي وكافة من يطعموننا محجوبين خلف واجهات البيع المكيفة في بعض الأحيان، وعلى قول ماركيز، صار هناك جيل لا يعرف أن الدجاجات تمشي نيئة، ولا تنمو مذبوحة في الثلاجة. لا يرى أهل الفتوى الجهد الذي يبذله من وضعوا الطعام على موائد إفطارهم فينسون رخص الله.

لكن أهل الاجتماع والسياسة يجب أن يقلقوا من تضخم الحالة الرمضانية، التي غادرت مربع العبادة وحتى الاحتفال وأصبحت مناسبة لنفي المختلف، والسعي إلى التجانس وفرض هوية واحدة متخيلة بالقوة. صارت الخيمة الرمضانية، كمباوند زماني أخطر من الكمباوند المكاني.

يسعى ساكن المعزل العمراني (الكمباوند) إلى الإقامة بين جيران يشبهونه، دون عنف، ويدفع من جيبه تكلفة إقامته في سكن متميز داخل سور ويترك وراءه المدينة لمصيرها، مساهمًا في التأسيس لعرقية ركيزتها المال، بينما يحاول المطورون التجاريون للظاهرة الرمضانية فرض التجانس بالقوة على المدينة المتنوعة وتأسيس عرقية الصائمين الغضوبين، الذين يتأذى صيامهم من شربة يشربها مريض سكر أو مسافر ليس لديه ستر ليشرب داخله.