لقطة من الفيلم
فارس يحرز آخر وأجمل أهدافه. مشهد النهاية من فيلم الحريف (1983)، إخراج محمد خان

أطياف مجدي اللوا

منشور الخميس 28 مارس 2024

كأيِّ طفل يخوض معارك وعيه الأولى مع عالمٍ أحاط به، تعرفت على شهر رمضان من خلال مظاهر حلوله؛ الزينات التي يعلقها أهل الحي في الشوارع خلال الأيام الأخيرة من شعبان، وجالونات النشا وهي تدمغ الأوراق البيضاء والملونة التي يقصونها لتأخذ أشكالًا هندسيةً متشابهةً، وكذلك محاولات مدِّ الحبال بين شرفات تقابل بعضها البعض بعرض الشارع، لتتوسطها أقفاص خشبية مغطاة بأوراق جلاد الكراريس، الزاهية منها بالذات، تحاول أن تتنكر في شكل مسجد أو فانوس.

قبل الطغيان التام للإعلام ومواده على شخصية الشهر وإيقاعه، كان الياميش والفوانيس والتراويح والدورات الرمضانية هي الملامح الأبرز لرمضان طفولتي، وكوني مريضًا بكرة القدم منذ الخامسة، ظلّت الدورات الرمضانية بالذات موطن السعادة والفرح الأكثر وضوحًا وتعلقًا في ذاكرتي.

في حيِّنا، كانت الدورات تجري في أوقات مختلفة، بعضها قبل الإفطار بساعتين وحتى انطلاق المدفع، وبعضها الآخر بعد العِشاء تحت الأضواء الكاشفة، وأغلبها على أسفلت الشوارع المدبب بكُرات من الأسفنج المكثف المغطى بالكُلة والخيوط، نركلها نحو مرمى يقع بين حجرين. لم تكن هناك إمكانيات تسمح بوجود مرمى حديديٍّ وشِبَاكٍ.

كنت أحبُّ دورات ما قبل الإفطار، فالمنافسات فيها، رغم الحر والعطش، أشد وأمتع، حتى أصبحت وسيلة نسيان وتحمِّل ساعات الصيام الأخيرة. فريقان من أربعة لاعبين وتحكيم خارج الملعب الذي يحميه الجمهور بالإحاطة به من كل جانب، لمنع السيارات من دخول الشارع.

من بين العديد من الفرق التي شاركتها وشاهدتها، لا أزال أتذكر فريقًا اسمه الأخوة، لاعبوه من أبناء مساكن الحي السادس في مدينة نصر ويأتون للمشاركة في دورات الحي السابع الرمضانية. كان الفريق يتكوَّن من ثلاثة أخوة من عائلة آدم؛ ممدوح وأحمد ومصطفى، والأخ الرابع اسمه سمير عبد الملاك، في تجسيد غير مقصود للوحدة الوطنية لا يتوخى ابتذالها.

شكَّل الأربعة فريقًا ممتعًا وكانوا مَهرةً يجيدون اللعب بالكرة السَفِنج ويتقنون فنياتها بتمكُّن، ولكن ظلَّ نجمهم الأبرز هو ذلك الشاب الذي يأتي مسرعًا في منتصف المباراة ويشارك لوقتٍ قليلٍ، ثم يغادر قبل أن تنتهي.

كان صعبًا تحديد عُمْر مجدي اللوا، هل أصِفه شابًا أم رجلًا؟ ملامحه محايدة لا تفضح عُمْرًا وكذلك ملابسه، يظهر فجأة ليشارك بديلًا لسمير عبد الملاك، مرتديًا بنطلونًا جينز وحذاءً كلاسيكيًا وقميصًا مكويًا، سرعان ما يفك أزراره ويربط طرفيه حول بطنه، يخلع بعدها حذاءه الأسود غير الرياضي لينتعل الحفاء، وهو يشمّر بنطلونه إلى حدود ركبتيه.

كانت حرفنة مجدي اللوا استثنائية لم أشاهد لها مثيلًا وقتها، ينتزع الآهات والتصفيق وهو يُغرق الجميع في مذلة السبعات والكباري والشماسي، كان يراوغ زملاءه أحيانًا ولا يحرز إلا الأهداف التي تهين الخصم، يشبه "فارس" في مشهد نهاية فيلم الحريف وهو يلعب آخر مبارياته ويحرز أجمل أهدافه، ولكنَّ مجدي كان يفعل ذلك كل يوم.


كان مجدي اللوا يمارس كرة القدم كلذَّة محرَّمة وخطيئة عابرة، لم يبدأ مباراة أو يكملها، ولم يشارك في الافتتاحيات أو النهائيات، لم يتسلم ميدالية أو يرفع كأسًا، ظلَّ حضوره اعتذاريًا مهما تكرر، أفندي يعشقه الناس ويعشق الكرة ولكنَّ شيئًا ما في مكانته الاجتماعية يمنعه من أن يستلذ بما يمارسه من دون هروب محتوم منه. ربما كان التزامًا عائليًا بإحضار حاجيات المنزل قبل الإفطار، ربما عهدًا ما قطعه على نفسه، لا أعرف ولم أعرف، مثلما لم نعرف عمله أو بيته أو سنه، لم نعرف منه سوى لحظات اختلاسه لمتعته وحواسنا.

ومثلما كنا نشاهد مجدي اللوا في المغارب، كنا نترجل لمشاهدة خالد الغندور بعد العِشاء، وكان وقتها في السادسة عشرة واسم شهرته "فطوطة" نظرًا لقصر قامته. يأتي إلى مركز شباب مدينة نصر ذي الأرضية الترابية وقتها على ظهر دراجة نارية فاخرة، فيما تحوم الشائعات حول انضمامه من نادي مدينة نصر إلى النادي الأهلي، لم نكن نعرف وقتها مصيره الزملكاوي اللاحق، ولكننا كنا نشاهد المتعة صافية ومذلة الخصوم الذين كانوا يحاولون هرس أقدامه لما اقترفته من فحشاء كروية فيهم.

الدورات الرمضانية للجميع ولكلٍّ منا ذاكرته الخاصة، حتى تضاءلت مع الزمن مساحة الأسفلت لتحل النجيلة الصناعية والملاعب المرتبة محلها. ومنذ منتصف التسعينيات حرص علاء وجمال مبارك على المشاركة في الدورات الرمضانية بصحبة نجوم اللعبة وقتها. يفوز فريق علاء مبارك بالدورات وكان علاء يحرز الأهداف بنفسه بمساعدة طاهر أبو زيد ونجوم المرحلة وقتها.

مشاهد مزعجة بالفعل، أشعرتني بحرج كبير لنجومي المفضلين وهم يفعلون ذلك، ولم أمنع نفسي من مقارنة تلك المشاهد بحضور الساعدي معمر القذافي في الملاعب الليبية والإيطالية.

منذ أيام، طالعنا "الوفد" بخبر إطلاق كأس العرجاني على ملاعب النادي الأهلي في مدينة نصر، بحضور كوكبة من نجوم كرة القدم المصرية لم يسمِّهم، وبمشاركة 16 فريقًا مقسمين إلى أربع مجموعات، بعض هذه الفرق يحمل أسماء نيوم وسيناء للخير وبي جروب وإيجي ماكس وإيتوس للخدمات الأمنية وأبناء سيناء للتجارة والمقاولات، والعرجاني للتطوير ونيوم للصرافة وكادنس للطاقة.

علق البعض ساخرًا بأنَّ هذه منافسات دوري أبطال الميليشيات، ولا ضير في ذلك وإبراهيم العرجاني هو الراعي الرسمي للنادي الأهلي، نادي الوطنية المصرية، مثلما أصبح اللواء خالد خليفة حفتر نجل المشير الليبي الشهير رئيسًا فخريًا للنادي الإسماعيلي، في ترتيبات متزامنة لا يمكن فهم دلالاتها بالكامل.

تستمر الدورات الرمضانية، في الريف والمدن، على الأسفلت والتراب والنجيلة، للعرجاني وناديه الأهلي وشركاته الأمنية، لأبناء الرؤساء ولأبناء الصمت والإفقار. 

ولكن من الذي سيرفع الكأس في النهاية؟

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.