باب إحدى السينمات السورية في دمشق (2010)
- فليكر برخصة المشاع الإبداعي

قصة كومبارس: ما يخوضه السوري في يومه العادي

منشور الاثنين 23 مايو 2022

 

من أنا؟ من نحن؟ كيف وصلنا؟ وما الذي نفعله هنا؟ لما نحيا ولماذا نموت؟ أسئلة بسيطة عن الخلق والحياة والوجود، راودت الإنسان العاقل منذ أيامه الأولى، فخلق في سبيل الإجابة عنها قصصًا صارت فيما بعد أديانًا وأساطير، أبطالها الآلهة الخالقة والمسيرة لكل شيء، ورغم كل ما طرأ من تغييراتٍ وإضافاتٍ عليها، فإن الأديان اليوم، في لا وعي متبَعيها، تظل مسرحيةً تتحدث عن آلهة بابل والأولمب، وما دور البشر فيها إلا تأدية فروض الطاعة والعبادة والتنعم بما تيسر من نعم الحياة.

وفي وقت يظهر فيه إله جديد كل يوم حتى امتلأت سماؤنا بآلهة أكثر مما تستطيع استيعابه، راح البعض يعتبر الحياة، محاكاةً افتراضية كما في المسلسل التلفزيوني الأميريكي West World، وهنا أذهب لافتراض شكسبير، الذي يرى الحياة ليست سوى مسرحية كبيرة، فأجد الروايات تشترك في أن شيئًا ما أو أحدًا ما يحرّكنا ولا علاقة لنا بكل ما يحدث، وأن حتى أكثر قراراتنا وأفعالنا قناعةً وإرادة، ليست إلا رد فعل وأداء، لتسلسلٍ طويل من بناء شخصية وأحداث خاصة وعامة، لعب فيها الوقت والمكان والأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعائلية، دور الكاتب والمخرج، وأما نحن، فكنا ونظل محكومين بالنص.

ومما لا شك فيه ولا يختلف عليه اثنان، أن إنسان الغرب، ليس أكثر تطورًا وانفتاحًا منا فحسب، بل إنه وإن كانت لديه ظروف خاصة، سياسية كانت أم اقتصادية واجتماعية ونفسية، تفرض عليه أشكالًا من السجن والتحكم وتقييد الإرادة الحرة الكاملة، لكنه قادرٌ على إيجاد مكانٍ له في تلك المسرحية الكبيرة، على الخشبة المحلية أو الإقليمية، فيصير له دورٌ إن لم يكن أساسيًا، فعلى الأقل، له مساحته الواسعة والخاصة.

وفيما يتعلق بالخشبة المسرحية هنا في سوريا، فإن النص يفرض مساراتٍ شديدة التعقيد والقسوة، تأخذ من الفوضى قانونًا منظمًا لها، وتعيث في المكان فسادًا يكاد يلتهم كل شيءٍ وكل أحد، يرافقه انحلالٌ مرعب في كل المفاهيم الإنسانية والمجتمعية، ويزداد الأمر سوءًا وعنفًا كل يوم، في ظل ما يشهده الواقع السوري من تردٍّ وانهيار مستمرَين للظروف السياسية والاقتصادية، أمرٌ يلقي بكل ثقل أثره وبشكل طردي، على الظروف المعيشية والنفسية والفنية، لنعلب نحن العامة أدوارًا مختلفة تشترك جميعها بحالة من اضطراب الديمومة وعقد النقص والعار، فتظل رغم اختلافها، دورًا واحدًا لإنسانٍ متخلف ومقهور وراضخ، يعتاد كل ما حصل، ويظل مترقبًا لأي شيء قد يحدث، كما يشير إليه الدكتور مصطفى حجازي في كتابه التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور، ويحدث ذلك في دورٍ لا تتعدى مساحته، مساحة ممثل كومبارس.

المشهد الافتتاحي

الحال ليس بجديد، وقد تكون العودة لإيجاد البذور الأولى له أمرًا غايةً في التعقيد والإطالة، ومما لا شك فيه أنه قد تطور وتعظَم في سنين الحرب الأخيرة، بيد أن جوهر سيكولوجية الإنسان السوري اليوم لم يتغير كثيرًا منذ ما يقارب السبعين عامًا، ولذا سأعمل فيما يلي، على سرد وقائع حالية، إضافةً إلى العودة قليلًا في التاريخ السوري المعاصر من خلال أعمالٍ أدبية وسينمائية، في محاولةٍ لتصوير ما يعيشه الإنسان السوري اليوم وهنا، ولا أجد للبدء في ذلك، خيرًا من قصة قصيرة باسم ابتسم يا وجهها المتعب من المجموعة القصصية صهيل الجواد الأبيض للقاص السوري زكريا تامر، التي طبعت للمرة الأولى عام 1960.

في قصة زكريا تامر يسير فلان، جثة عفنة في شوارع المدينة بعد أن خرج من رقاده الطويل في قبره المعتم الذي تسلل إليه شعاع من ضوء القمر أشعل في جسده البارد شوقًا للحياة وحنينًا للمدينة، فيذهب لمنزله ويدق الجرس بطريقته المعتادة وتفتح له أمه الباب لكنها لا تتعرف عليه وتصرخ في وجهه وتنادي أخوته، الذين لا يتعرفون عليه أيضًا، ويطردونه ثم يغلقون الباب.

يشعر فلان بالوحدة وبإعياء غريب ويكمل سيره في المدينة بلا وجهةٍ، إلى أن يقف أمام واجهة أحد المطاعم ويحدق في وجوه الناس داخله وفي الموائد التي تكدست عليها صحونٌ مليئة بالطعام الشهي، ويشعر بالجوع الجديد، ليستوقفه لحظتها رجلٌ غريبٌ وأنيق، يطلب منه اللحاق به، فيفعل فلان ذلك، ويسير وراء الرجل منكس الرأس، وحين يصلان لشقته الفارهة، يقدم له الغريب سكينًا ويخبره أن وراء باب إحدى الغرف امرأةٌ تزعجه، فإن قتلها سيعطيه مبلغًا كبيرًا من المال، يدخل فلان الغرفة ويجد امرأةً جميلة تنتظر قتلها ببرود، يرتبك ويظل واقفًا بلا حراك، وحين تنعته المرأة بالجبان يتذكر رجلًا سكرانًا كان ضربه مرة وبصق في وجهه ولم يستطع الدفاع عن نفسه، فيعود وقتها لمنزله ويضرب أخاه الصغير لأنه يبكي، ومن ثم يصرخ في وجه أمه، ذكرى تشعل في نفسه الغضب والفوران فينقض على المرأة ويخنقها بيديه العاريتين الباردتين، ويقف أمام الجسد الهامد شاعرًا بالشهوة، ولو لم يدخل الرجل الغريب، لكان انقض على الجسد لاهثًا.

يأخذ فلان أجره وأول ما فعله كان أن ذهب لإحدى المطاعم الفخمة في المدينة، وبعد أن انتهى من وجبته الدسمة يخبره النادل بأن ما أكله لا يقدم إلا لأغنياء المدينة فالطبق هو الأفضل لديهم وهو مطبوخ من لحم إنسان بدين، يخرج فلان من المطعم شاعرًا بالغثيان ويحاول التقيؤ ولا ينجح، فيسير مهتاجًا وهو يردد "لحم إنسان لحم إنسان" ويلتقي بطفل صغير يقف وحيدًا في الطريق، وبعد حديث قصير يدرك فلان أن والدة الطفل موجودة برفقة رجل ما في الشقة المقابلة، يسحق جسدها العاري وهي تفكر بطفلها وبالنقود التي ستكسبها لأجله، فيقرر فلان العودة لقبره ولا يجده، ويظل راكضًا يبحث عنه.

كغيرها من قصص تامر، يغلب على القصة السابقة، البناء والسرد الخيالي، بيد أنه لا ينفي واقعيتها أبدًا. إن دمشق وإن لم تذكر بشكل صريح، واضحة بشكل جلي في كل ما يكتبه زكريا، ونستطيع القول إن دمشق ليست سوى صورة مصغرة وشاملة للبلد كله وبالتالي فإن شخوص زكريا، هي صورة عن الإنسان السوري، الذي نراه اليوم في مشهد روتيني متكرر، يسير في المدينة خائر القوى متلهفًا للشعور بدفء حضن الوالدة وأمان البيت الصغير فلا يجد له مكانًا فيه، فيهيم في شوارع المدينة وحيدًا حزينًا بلا هويةٍ إنسانيةٍ تحدده، جائعٌ قد يفعل أي شيء يؤمر به لإسكات جوعه القديم، والجوع هنا أو في قصص أخرى عند زكريا، ليس جوعًا للطعام فحسب، بل جوعٌ لكل ما يتعلق بالحياة، جوعٌ للشعور بأقل قدر من إنسانيته الضائعة، المسروقة أو المغتصبة أو المقتولة، ومن المثير للسخرية والحزن في آن، أنه في كل مرة يسكت فيها جوعه، يصبح شريكًا في الجريمة أو أداة لها، وبدلًا من أن يتمرد على المسبب والفاعل الحقيقي، فإنه يصب كامل غضبه وحقده على من يساويه قهرًا أو يفوقه، هذا الإنسان السوري الذي يقتنع ببقعته الصغيرة الكئيبة الخانقة ويحاول العودة إليها باعتبارها الـ safe zone لكنها نفسها تضيع منه، في الوقت الذي صار فيه أجر أرخص غرفة في عشوائيات المدينة القذرة يعادل 3 أضعاف أجر موظف حكومي، وفي الوقت الذي صار فيه سعر القبر في مقابر المدينة، يتجاوز الـ 4000 دولار.

القسم: تمثيل. الاختصاص: مؤدي فرض

على المستوى الفني، يتم تعريف الكومبارس في اللغة العربية، على أنه شخص عادي يؤدي أدوارًا صغيرة وثانوية في عمل فني ما، وأما الممثل فهو من يزاول مهنة التمثيل المسرحي أو السينمائي أو التلفزيوني، الذي يقوم من خلالها بأداء وتجسيد لشخصيات (حقيقية أو مختلقة) يحددها النص المكتوب، وذلك بالإحساس الشديد بها، وفهم بنائها النفسي والعاطفي والفكري، وفهم طريقة عملها، ونقل انفعالاتها للجمهور، متقمصًا بذلك الشخصية لا مقلدًا لها، في حين أن الممثل الأمريكي مارلون براندو، مؤدي شخصية دون فيتو كورليوني في فيلم The Godfather (1972)، ويعتبر حتى الآن أفضل ممثل ظهر على الشاشة الكبيرة، ويراه البعض أنموذجًا للممثل المثالي، يرى أن فعل التمثيل لا يقتصر على ممثلي الأداء والعروض الفنية، بل يراه مرهمًا ومرممًا اجتماعيًا، وآليةً للبقاء، يمارسها الناس أجمعين في حياتهم اليومية لإنقاذ أرواحهم، ضمن علاقاتهم المهنية والاجتماعية والعاطفية، وأما صديقي هيثم* (اسم مستعار) فإنه يجمع التعريفات الثلاث السابقة.

 

مشهد لمارلون براندو من فيلم الأب الروحي


لم يسبق لي وأن شاهدت أيًا من العروض التي شارك فيها خلال سنواته الدراسية الأربعة في المعهد العالي للفنون المسرحية قسم التمثيل، حيث تعرفت على هيثم بعد ذلك بسنتين، ولم نصبح على لقاء شبه متكرر إلا منذ بضع شهور قليلة، أرى فيه شابًا وسيمًا وأنيقًا جدًا وحين لا يكون ضاحكًا أو مبتسمًا، فإن له وجهًا حزينًا وعينين تبدوان مرهقتين دائمًا، ما يتيح له أن يكون مناسبًا لأداء كثير من الأدوار في الدراما التلفزيونية أو السينمائية، لكن هيثم لم يشارك منذ أربع سنوات إلا في أعمال قليلة، وبأدوار صغيرة لم أشاهدها أيضًا، وهو الآن رقيب أول مجند، يُكمل خدمته الإلزامية بصفة محتفظ به، وبعد أيام سيكمل السنة الثالثة في الخدمة.

أخبرني مرة كيف أن المدرب الذي كان يشرف عليهم خلال دورة الأغرار التي يخضع لها المجند أول التحاقه، حكى لهم مرةً عن أهمية ابتعادهم عن عائلاتهم ومنازلهم الدافئة والحياة التي يحبونها، ليمارسوا دورهم الوطني خلال هذه الفترة العصيبة التي تعيشها البلاد، وضرب لهم مثالًا بهيثم، بأن أشار إليه مخاطبًا الجميع "هاد (هذا) رفيقكن (صديقكم) هيثم، الأستاذ ممثل (وكلمة أستاذ تعتبر شتيمة في الوسط العسكري)، هاد أفضل دور رح يساويه (سيؤديه) بحياتو".

بإزالة كلمة أفضل، فإن هيثم كان ولا يزال يتعامل مع الأمر ويعيشه بأن يراه أداءً تمثيليًا في عمل فني ما، وقد سبق وأكد لي لأكثر من مرة، أن الأمر لو لم يكن كذلك، لما كان احتمل ما حدث ويحدث منذ اليوم الأول.

بعيدًا عما تفرضه بيئة العمل عليهم، من أفكار وصفات وطباع وأفعال، فإن كثيرًا من المدربين والضباط والجنود، أناسٌ عاديون بسطاء وطيبون، وقد أخبرني هيثم أن علاقات طيبة كانت تجمعه ورفاقه بعدد منهم، لكنه حدثني عن إحدى المرات في آخر أيام الدورة، حين ناداه فيها أحد المدربين طالبًا منه الخروج من الصف والمثول أمامه.

تبادلا حديثًا قصيرًا وقليلًا من النكت، وأخيرًا سأله "أبدك تمثلنا شي مشهد؟ إذا لسا معنّد (معاند)، فلحالك ما في داعي حدا يقلك شو لازم تعمل".

الدعكلة في العامية السورية أو الدحرجة هي نوع من أنواع حركة "الشقلبة الأمامية" التي تقوم بالاستناد على اليدين، وتأدية حركة دوران كامل في الهواء بزاوية 360 درجة، ولكنها في الدعكلة تتم على الأرض بحيث يتم الاستناد خلال الدوران وبشكلٍ متتالٍ على الكفين، ومن ثم أعلى الظهر فالظهر، ويتم تدريب الجنود على القيام بها بشكل متتالٍ لقطع مسافة معينة وهو أمرٌ قد يكون مؤذيًا إلى حدٍ ما، وخاصةً إن تم تنفيذه على أرض خشنة أو مدببة، ويتم ذلك أحيانًا من خلال فرض العقوبات، فردية كانت أم جماعية، والغاية منها، وإن كانت معظم الأوقات تنفذ بداعي التسلية، تعويد الجندي على الحفاظ على النظام وتحمل الضغط والصعوبات والأحداث الطارئة والمفاجئة.

وككل المرات الخمس قبلها، رفض هيثم تمثيل مشهد وقتها، وخلع ثيابه ما عدا البوكسر ودار حول الساحة ثلاث مرات، دعكلة، وكان الجميع يضحك بشفاهٍ مغلقة.

سينما المدينة ليست "بارادايس"

في فيلمه Cinema Paradiso (1988)، الذي يعني "سينما الجنة" يصور المخرج الإيطالي جوزيبي تورناتوري صالة السينما في واحدة من قرى الريف الإيطالي، كمكان مصغر عن القرية، يجمع كل سكانها رغم اختلافاتهم الدينية والسياسية والطبقية والعمرية، في جو مفعم بالحياة والحركة، وأما علاقتي الشخصية مع السينما وصالاتها في سوريا، فقد بدأت منذ أن دخلت صالة السينما لأول مرة وأنا بعمر الخامسة، وكان ذلك بفضل والدي، هاوي مشاهدة أفلام الغرب المتوحش وتشاك نوريس وكوميديا أرسين لوبين، الذي اعتاد اصطحابي معه خلال نزهاته ومروره على أصدقائه في أحياء حمص القديمة منها والجديدة، حيث ولدت وقضيت طفولتي حتى السادسة عشر.

 

مجموعة من مشاهد تشاك نوريس


لا أذكر ما كان الفيلم الذي شاهدناه وقتها، كل ما أذكره اتساع عيني وفرحتي، مذهولًا بالشاشة الكبيرة والناس الضخام الذين يظهرون عليها، وبالأثر الذي يتركه تواجدك في السينما، وما بالك إن كنت طفلًا يرى ما يراه ويشعر ما يشعره لأول مرة، ومنذ ذلك الحين، أصبحت السينما مكانًا يحضن خيالي الذي لم أجد له حدودًا لا في الرسم ولا في قصص الغابة الخضراء، وأضحت الشاشة، كبيرةً كانت أم صغيرة، أرضًا أرى من خلالها البلدان الأخرى وناسها، وأتعرف من خلالها على الحياة في البيت والحارة والمدينة والقرية والكوكب، وأتعرف بها على نفسي.

وكأي علاقة إنسانية، تطورت علاقتي مع السينما حتى أضحت اليوم، الأرض الوحيدة التي أستطيع أن أقف عليها وأشعر أن باستطاعتي أن أكون ما أكون وأن أفكر ما أفكر وأن أشعر ما أشعر والأهم، أن أقول ما أريد قوله، وهذا ما لم يحصل، وجل ذلك عائد لكوني إنسان سوري، لا مكان له في بلاده، التي ترفضه أينما ذهب، وأينما حل، ومهما فعل، وتقتل له كل أحلامه، ودمشق فعلت وتفعل ذلك كل يوم، دمشق التي أتيتها منذ 10 سنوات، والتي كنت أراها منذ طفولتي ولليوم، وكأنها صالة سينما كبيرة، فأينما نظرت وأينما وقعت عيناك، سترى وتشاهد مشهدًا سينمائيًا، يكون المكان لوحده بطلًا أحيانًا، ويشترك معه أحيانًا أخرى أبناؤه وسكانه، وهو تصورٌ كنت أراه في أي قرية أو مدينة، لكن أكثر ما كان يميز دمشق، هو التنوع والاختلاف في كل مرة، لم تكن أي صورة تتكرر مرتين في دمشق، وأما حالها اليوم فلا يختلف عن صالات السينما فيها.

صالة السينما الوحيدة التي تسر العين والقلب في دمشق، صالة سينما سيتي الخاصة، التي صارت منذ سنين عدة، محصورة فقط على ميسوري الحال، أو لمن يستدين مبلغًا من المال ليمارس مع حبيبته طقسًا تقليديًا في الذهاب إلى السينما، وأما صالات الكندي الحكومية، فإنها لا تختلف عن أي بناء لمؤسسة نظامية، وتقتصر عروضها على الأفلام السورية التي يتم إنتاجها حاليًا، حاملةً أدلجةً وفكرًا واحدًا يهلل بالنصر على الإرهاب والمؤامرة، ويفخر بصمود الإنسان السوري، واحتفاظه بالحب والأمل رغم كل ما حصل ويحصل له، إضافةً لعدد من الفعاليات المتواضعة، التي تحمل ذات التوجه، وتحاول بشكل مخزٍ، التعبير عن حركة فنية وثقافية مبشرة في البلاد، وأما الصالات التي كانت جزءًا مهمًا من تاريخ السينما السورية، بعروضٍ كانت تواكب الجديد والغني، من عروض محلية ودولية وعالمية، فإن بعضها لا يزال قائمًا بحلته السبعينية وبأفيشات الأفلام المرسومة بشكل يدوي، وأضحت صورًا تظهر ما استحالت إليه المدينة وناسها.

صالات كـالفردوس والدنيا، باتت اليوم محطةً مؤقتة لمن لا مكان لهم، فإنك بمجرد دخولك إلى البهو، ستجد مكانًا مليئًا بتفاصيل في الديكور والإضاءة، تذكرك بافتقاده لكل السحر الذي كان يتمتع به فيما مضى، وقد بات اليوم موحشًا كئيبًا حزينًا وباردًا، وإن دخلت لصالة العرض، ستجد عددًا من الأشخاص مع حقائب أو بدونها، يتكورون على المقاعد غاطين في نوم عميق، وأكثر ما ستراه، وهو ما صار معروفًا في المدينة، عدد من الأزواج، اتخذوا من الصالة مكانًا لتبادل القبلات والمداعبات.

شخصيًا، لم أعد أرى دمشق بشكل خاص، والأرض السورية بشكل عام، سوى صالة سينما مهترئة ومهملة، تمتلئ بالمكبوتين والمتعبين، وعلى الشاشة يعرض فيلم كوميدي هزلي، أو فيلم أكشن وإثارة، لا يموت بطله رغم ما يوجه إليه من ضربات وطلقات نارية، وينتصر في النهاية على كل الأشرار، أو فيلم جنسي تعلو فيه صوت التأوهات على صوت المعدة الفارغة ونبضات القلب الخافتة وأنين الفم المكتوم.

ولأن السينما، كأي عمل فني حقيقي، تحاول قراءة وتحليل وتعرية واقع المكان الذي تخرج منه، ولأنها هنا وفي الوقت الحالي تفتقد لهذه القدرة أشد افتقاد، ولأن الحال ليس بجديد كليًا كما سبق وذكرت، فأجد من الضروري المرور على واحد من أهم الأعمال السينمائية السورية والعربية، للمخرج السوري الراحل نبيل المالح.

كومبارس

في فيلمه الروائي الطويل الكومبارس الذي ألفه وأخرجه عام 1993 لصالح المؤسسة العامة للسينما في دمشق، يصور المخرج الراحل نبيل المالح، يومًا من حياة سالم (بسام كوسا)، إنسان فقير بسيط، مكبوت وضعيف، يشير المالح إلى ذلك، بأن يستعرض ببداية الفيلم لقطات قصيرة، تخبرنا أن سالم يعمل في محطة لبيع الوقود ويسكن في بيت صغير فقير مع عائلته، يستغل خلوته في غرفة ليتصفح صور فتيات عاريات في المجلات، وتجدر الإشارة إلى أن والده رجل مريض وعاجز.

بعد انتهائه من عمله في المحطة، يذهب سالم لحضور البروفات المسرحية في المسرح القومي حيث يعمل كممثل كومبارس، وقد اعتاد لقاء حبيبته نادية (سمر سامي) خفيةً في الشوارع والحدائق العامة، وتسكن نادية مع أخيها الجزار وعائلته، وتعمل كخادمة لهم، إضافةً لعملها الصباحي في واحد من المعامل.

تدور كل أحداث الفيلم في شقة صديق سالم، الذي يقدمها له لساعتين، كي يلتقي نادية ويستمتعان بجلسة هادئة، ويُصور المالح خلالها، ساعة من الوقت مستمرة في الزمن بلا قطع فيه، يقضيانها عاشقان حزينان، يشعران بأن ما يقومان به ليس سوى سرقة وأن خلوتهما ستجلب لهما المتاعب، وتصير كل الأصوات أو الحركات الخارجية مهما كانت بسيطة، كفيلةً بأن تثير فيهما الخوف والقلق والارتباك.

ينتهي الفيلم باعتقال العازف الأعمى الذي يسكن في الشقة المجاورة، تختبئ نادية في المطبخ ويضطر سالم للتدخل بعد طرق كثيف على الباب وصرخات المعتقل طالبًا المساعدة من جاره، يُنزل واحد من رجال الأمن صفعةً على وجه سالم، يسقط إثرها على الأرض، يبقى بلا حراك إلى أن يذهبوا، يقف ورأسه للأسفل، تخرج نادية التي شاهدت ما حصل من فتحة في باب المطبخ، تتصرف وكأن شيئًا لم يحدث، وتخبر سالم أن يتصل بها غدًا وتخرج، في حين أن سالم لا ينطق بأي كلمة، تنزل نادية السلالم وهي تبكي، يخرج سالم بعدها مطأطئ الرأس.

إن تصوير المالح لشخصية البطل في فيلمه، على أنها شخصية مكبوتة هشة وضعيفة تعيش في الهامش، وتلتصق بها صفة الكومبارس، تأكيدٌ منه أن الإنسان السوري البسيط، يخوض حروبًا ومعارك جمة في كل تفصيل من تفاصيل حياته اليومية الرتيبة، لما يفرض عليه من ضغوط سياسية واقتصادية واجتماعية ونفسية، وإنها لبطولةٌ بأن يتحمل ذلك كله، ويستيقظ في اليوم الثاني ليكرره، لكنه كان و لم يزل، بطلًا ضعيف يحتاج لبطلٍ ينقذه.

في واحد من مشاهد الفيلم يجري الحوار التالي:

سالم: عادي شبك؟ ما أنا بموت 6 أو 7 مرات باليوم.

نادية: شلون هيك؟

سالم: هيك دوري بالمسرحية،. حزري كم دور إلي بالمسرحية؟

سبع أدوار، إي متل ماعم قلك سبع أدوار.

نادية: كيف يعني، سبع أدوار مع بعض؟

سالم: مو مع بعض، مثلًا: بساوي دور عسكري، بطلع بغير تيابي وبطلع بدور شحاد، بعدا حرامي أو حارس أو مواطن أو جلاد، هيك يعني وبموت فيهن كلهن.

المشهد الأخير

يصور المخرج السينمائي السوري أسامة محمد في فيلمه التسجيلي القصير خطوة خطوة، مشاهد من الحياة اليومية في قريته الرامة في الريف السوري عام 1977، يبدأه بلقطات مقربة تظهر وجوه أطفال يجيبون عن السؤال الذي طرح عليهم قبل التصوير "ماذا تريد أن تصبح حين تكبر؟" فتأتي الأجوبة كالتالي: مهندس، دكتور، معلمة وما شابه ذلك، ومن ثم يصور الفيلم حياة هؤلاء الأطفال، حياة بؤس وفقر وشقاء وافتقار لكل أساسيات الحياة، بالإضافة للعمل في الحقل بعد عودتهم من المدرسة، التي يصور محمد تواجدهم فيها على وقع أغنية هالصيصان شو حلوين، وهي أغنية تعلمها أغلبنا في المدارس الحكومية، وتقول "هالصيصان شو حلوين، عم يدورو حول أمهن مبسوطين، شربوا مي، قالوا خي، رفعوا راسهن شكروا ربهن مبسوطين".

 

AliMo · هالصيصان شو حلوين

ومن ثم يصور شبان القرية ممن يلجؤون للمدينة من أجل العمل بالمياومة، أو من يلتحقون بقوات الأمن أو الجيش ويصبحون أداة تنفذ الأوامر فحسب، وأما الفتيات فعلى الأرجح أنهن صرن كما أمهاتهن، أمهات عاملات وبائسات.

واليوم في العام 2022، أشعر أننا كلنا نشبه واحدًا من أولئك الأطفال، نقف وأقدامنا غائصة في الوحل، وننظر للسماء فنرى طائرةً بعيدة متجهة لنيويورك، أو مثل كاسر الذي يظهر في نهاية فيلم محمد الروائي الطويل نجوم النهار (1988)، وقد ترك قريته وصار في دمشق يبحث عن فرصة للحياة الكريمة، يسير في شارع عريض وسط العاصمة ولا أحد سواه، تمر سيارة تنفث دخانًا أبيض كثيف من المبيدات الحشرية، فيبدوا المكان غارقًا في الضباب ويختفي، يتجه كاسر نحوه ويختفي بدوره، وصوت عباس المجنون في مسرحية سعد الله ونوس منمنمات تاريخية (1993) يصرخ "جوعان، جوعان يما طعميني".